فهم الأنماط السلوكية للغة وسرد بياناتها اللإرادية

شبنهور: في اللغة مفاتيح عديدة قادرة على فتح الأبواب التي يشعر بها الشاعر بالإسترخاء بعد أن تحاط مخيلته بالأمان التام.


أصالة التعبير


إيحاءات بصرية وسمعية

 بقلم: قيس مجيد المولى

هل تكتفي اللغة بالإشارة لتسمية الأشياء فقط وسد إحتياجاتها بما تشكله من المعاني، أم تذهب أبعد من هذه الوظيفة؟
في اللغة مفاتيح عديدة قادرة على فتح الأبواب التي يشعر بها الشاعر بالإسترخاء بعد أن تحاط مخيلته بالأمان التام، وهي تقدم - أي اللغة - مساحات فضلى من المناخات المتشبعة بالحيوية التي تفتح المجال للخاص والساخر بتأثير تلك التناغمية التي تمتلكها الكلمات وما تمتلكه من فيض عاطفي في إستخدام الشاعر لأغراضه المتنوعة عبر وحداتها المتكاملة وما تملكه من الخاصية المميزة (charactistic) التي تمنح للكاتب أسلوبه الخاص به أي هويته الشخصية وفيها من قوة التناقض الباطني والتناقض الظاهري – المفارقة (paradox) ما يجعلها تقدم البدائل المناسبة والسريعة. 
الإفلات من القولبة
 إن الحلول أو بالأحرى متطلبات الانتقال من المثير إلى الأكثر إثارة حينما تهيء أكثر من حاسة للوصول إلى متطلبات الوصول إلى المطلق في النزعة الجمالية، وهو إحتفاء للشاعر بعبقرية اللغة ومزاجها المفعم تارة بالرضا وتارة بالهستيريا لتقديم صورها عبر قفزاتها الرشيقة بين الأشياء إذ ذاك لا تكتفي بما تعطيه، وما تقدمه من تأثيرات في مكان النص وزمانه وما تقدمه في ذاكرتها الجمعية واقتران قاموسها بطبيعتها التحولية كي تتخطى الجمود وتفلت من القولبة كون مفهوم الحداثة هنا إستعداها لقبول خلق لغة من لغتها وإدامة إنفتاحها على الأشياء غير المرئية حين يفيض الخيال بمتحسساتها فيمتزج العادي بغير العادي بقوة الظاهرة التماسكية فيها ذات الدلالات الصوتية.
يصف شوبنهور ذلك بقوله "إن اللغة تشكل ترابط ذات البعض مع البعض" أي أنها لا تكتفي بالإشارة عبر تسمية الأشياء، بل ترتبط بقدرات البناء الداخلي للكلمات ليتم بناء ما يتم احتياجه من مشاهد ينتظم فيها السحر وأصالة التعبير.
   المثير والأكثر إثارة 
إن لغة الشعر لا تتوقف عند حدود معلومة، ولا تخضع لهوية نهائية مادامت مستكملات هذه اللغة لا يمكن القبض عليها في الحاضر لأنها تأتي من بعد مستقبلي يرفدها بعميلة الإدامة والتطور للإعادة المستمرة لعملية بنائها دون فقدانها.
ما تؤسس عليه من الكثير من مداخلها في التفسير والتنغيم والحدس والسخرية كون المهمات المناطة بها ليست من المهمات التقليدية لأن مهماتها تتصل بالوجدان البشري وبالكثير من متطلبات الحياة الروحية فهي لغة إلهام ولغة متعة ولغة كشف واستدلال ولغة مغايرة ولغة العين العميقة وكثيرة في طياتها مباحثها المعرفية الجمالية ورسائلها الشعرية التي تؤمن متطلبات الإنتقال من المثير الى الأكثر إثارة.
   تحولات وهزات   
 تعمق الوعي شعريا ببناء ركائز جديدة للغة كمدخل لاستنباط العديد من الإشكاليات الفكرية التي تسهم في إمدادات جديدة للمخيلة، وقد أخذت الحضارة تمثل وطأتها الثقيلة أمام حاجة الإنسان لما يشفي ذاته والتي بدأت تعيش شكلها الدرامي كمحصلة أكيدة لمحاولات التجديد وظهور النظريات والتيارات الفكرية، وبهذا خُلق من الرمز وجودا حيا ومن الباطن إطالة إنصات للتعبير بفخامة دون الحاجة لتسوية إنسجامية ما بين العلاقات التي أثرت اللغة زمنا طويلا بصيغها العملية ضمن علاقاتها الواقعية والعامة، وقد رافق ذلك أن توغل النقد في أعماق الماضي بعد أن حاول إعطاء شفرات ما للأشياء التي لا بد من إعادة النظر بها. 
وخلال مائتي عامٍ من الجهد الإنساني الذي تعاقب عليه العشرات من الشعراء المهمين ضمن القارة الأوروبية تم تقييم منجزات العصور الأدبية الحديثة وأعيد تداول المفاهيم الإغريقية القديمة بشأن الشعر وتم توظيف القدرات النقدية لدراسة الجمال ومفهومه وكان المسرح آنذاك وما كتب له هو الآخر قريبا مما كتب عن الشعر أو لصيقا له، ولا شك رافق ذلك تحولات سياسية وهزات كبيرة ومنها الثورات الأوروبية كثورة نابليون في فرنسا والخريطة الجديدة لأوروبا والعالم بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية وتداخل الصراع الديني وسيادة الإقطاع وازدهار الاكتشافات العلمية الأولية والسيطرة الاستعمارية وتنامي رؤوس الأموال بيد القلة في المجتمع واضطهاد العمل الذي تعرضت له المرأة والأطفال في المعامل والمصانع وشيوع التوق إلى الحرية ضمن شيوع مبادئ حقوق الإنسان التي أعلنها الرئيس ولسن.
بدأ النقد يكشف أن هناك تحولا كبيرا بمفاهيم ركائز الإنتاج الشعري ومنها اللغة ووظيفة المخيلة ومفهوم الخيال ومدرك الموجودات والملكات الإبداعية والعقل الباطن والشعور والإحساس والتناقض والعقل المتطفل والتصور والابتداع وكافة أوجه النشاط الشعري الأخرى التي تعني للنقد أن يخرج بحصيلة ما عن الشعر الذي كتب في الماضي والذي بدأ يكتب الآن وكيف يتعامل النقد مع هذين المنتجين عبر تلك الأزمات وما ولدت من آلام جمعية ساهمت في تفجير الوجدان الإنساني وفي النظر إلى الحقائق والمتطلبات الكونية بنظرة من اليأس والتمرد، وكان لا بد من المعجزة التي توحد الذات ليس في الشعر فقط وفي الأجناس الأدبية الخاصة بالشعر، الأغنية، الأنشودة الرعوية الملحمة، الدراما لإحياء وإيجاد ما كان لذيذا ومخفيا في الماضي.
  الإستجابات الضرورية
الإدراك الأهم من ذلك ولربما المعبر عنه أن الشعر مقدس خفي في ظلام الأسرار وهو حالة رفيعة دون أن يطلى بشيء من الدينية أو أشكال التأثيرات الأخرى التي اعتمدت من البعض كعكاز للوصول للمتلقي فقد تفرع النص الواحد إلى نصوص عديدة اتجهت إلى الابتعاد عن عقلية العصر، وهنا أصاب النقد حين حلل أسباب هذا الاتجاه وأستخلص أن كل الذي جرى كان من الضرورات إستجابة للمواء الذي في باطن الإنسان وهو مواء يشبه الموت فنهضت قوة تشتيت الخيال وامتلكت اللامتناهيات زمامها لتتوالد الأحداث وتتناسل الأزمنة والأمكنة كل ذلك جرى بصوت الأنا الواحدة التي أنهت نظام الاتكال على حرفية الماضي ليبلغ الشعر ذروته الغريبة. ولا يزال النقاد يعتقدون أن هناك الكثير الذي مضى والذي لا بد من الإستدلال على قواه الأخرى المخفية فيه كي يصار بعد ذلك لنسيانه ووضعه على الرفوف شاهدا فقط على عصره.
تشويه المشوه لإدامة زخم اللغة
ومن أجلِ أن يُكتب النص هناك إيحاءات للذهن وإيحاءات بصرية وسمعية وكلها قد تستقل بمعانيها أو تتداخل بعضها مع البعض الآخر في المضمون الإفتراضي الذي يقرره كاتب النص سواء بالرمز أو بالإيحاء أو بالتسلل البطئ من قبل المتلقي للمعنى الأحادي التعبير أو ما يسمى المعنى الخاص وهو اعتقادٌ بأن النص الحداثوي لا بد أن يمر عبر تلك الآصرة عندما يتم تغييب وبقدر محسوب عاملا الزمان والمكان والإستعارات المفرطة والتشبيه المُمل والإيقاعية الأرغامية وكذلك محاولة الإنتقال بالمعنى قسريا إلى المعنى الرنان بالقفز فوق الإحساس بالكلمات ولا بقدراتها التعبيرية العاطفية أو ضمان إنسيابيةٍ أمثل لها إن أُستخدمت السخرية أو أُستخدمَ شكلٌ من أشكال الدراما الحزينة التي تُلتقط من السمع والبصر والذائقة الخفية.
لقد أشار رتشاردز بأن الكلمة تستطع أن تحمل ظلالا مختلفة من المعاني وأن مضامينها تنبسط أو تتحرك حسب ما تقدمه وما سوف يتلى بعدها من ألفاظ، أي أن هناك - وأثناء عملية الخلق - تطورين متصاحبين، تطور في اللغة يصاحبه تطور في الشعور مما يدفع بكاتب النص إلى معاينة جديدة لإسترساله وإلى التفريق بين النمو التلقائي والنمو المستحدث بإرادة المتغير الجديد في اللغة والشعور، وهذا يعني أن الشاعر قد وجد مجالا جديدا لفقدان الطمأنينة أي السماح لبنية النص بتبني صراعا جديدا ليس بالضرورة أن يتفق مع عروضه التي قدمها مبكرا، ونعتقدَ بأن النص بشموليته سيصب ضمن هذا المعنى. 
إن الشاعر في منحاه الجديد يعي ذاتيا كيفية فهم الأنماط السلوكية للغة وكيفية سرد بياناتها اللاإرادية وهو تبلورٌ فجائي يزيد المخيلة عمقا ويحررها من ثقلها غير المناسب، وهذا يعني إنقاذها من البقاء في عاطفة مطلقة أو ضمن معرفة مقنعة بالقياسات والضوابط.
ولعلَ إدراك تلك التراكيب وتلك الرؤى وتلك التصورات للحداثة الشعرية يتطلب من المتلقي فهما أوسع لطبيعة الجمال إن كان مخبوءا في الإيحاء أو في الغموض أو حتى في التغريب مادام الشعر منتجا غير ثابت مما تنتجه الحواس. 
إن الإحساس باللحظة المناسبة يعني الإحساس بالرّهبةِ المناسبة لإدراك ما لا يُدرك من الخصائص المحورية لهذا العالم والتي تعكسها أداء أي من الموجودات المستخدمة حين يحسن إنتقاؤها وأتقانها بل وحين يحسن نقلها لمكانها المناسب عبر تجديد تشوهها بتشوه مناسب لتخلق جمالها الذي تختاره ضمن قائمة الموضوعات الأبدية المفعمة بالحزن والموت والغياب. 
وهو عمل يترتب عليه أن يطرق الشاعرُ أكثر من باب في ذاته ليجد أن الجمال في كل مكان بدون أن يقرر أن ما يكتب عنه واقعاً أو أسطورة.