في السياسة تُدفع المواقف دمًا… أبوظبي نموذجًا
لا تمرّ ذكرى السابع عشر من يناير/كانون الثاني 2022 في الوعي الإماراتي كما تمرّ التواريخ العادية في روزنامة الدول، فهي ليست مجرد حادثة أمنية عابرة، ولا صفحة طويت في سجل الأخبار، بل لحظة فاصلة كُتب فيها معنى الموقف الوطني بلغة النار، واختُبر فيها ثمن الانحياز إلى الدولة في زمن الميليشيات، وإلى الاستقرار في زمن الفوضى، وإلى الإنسان في زمن المتاجرة بدمه.
في ذلك اليوم، لم تكن أبوظبي مجرد عاصمة تتعرض لهجوم صاروخي بطائرات مسيّرة، بل كانت عنوانًا سياسيًا وأخلاقيًا مستهدفًا، لقد كانت الرسالة أوضح من أن تُخفى خلف بيانات عسكرية، فالإمارات تُستهدف لأنها لم تتخلَّ عن التزاماتها القومية، ولم تساوم على دورها في حماية الأمن العربي، ولم تتراجع عن نهجها في نصرة المظلوم، ومساعدة المحتاج، وغوث الملهوف، حتى حين يصبح ثمن ذلك تهديدًا مباشرًا في قلب العاصمة.
بلاشك، فإن الهجوم الحوثي لم يكن حدثًا منفصلًا عن سياقه، ولا فعلًا انتقاميًا عشوائيًا، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من العداء تجاه دولة قررت، منذ تأسيسها، أن تجعل من الاستقرار مشروعًا، ومن التنمية رسالة، ومن الاعتدال عقيدة سياسية، ومن التضامن العربي التزامًا لا يخضع للمزايدة ولا للابتزاز.
ولعل من أدق القراءات التي وضعت الاعتداء في إطاره الحقيقي ما قاله اللواء صالح بن مجرن العامري في كلمته بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، حين أوضح الخلفية العسكرية والسياسية للهجوم قائلًا "بعد انسحاب الإمارات من اليمن في عام 2019، طلبت قيادة التحالف العربي من الإمارات العودة في أواخر 2021/بداية 2022 لمنع سقوط محافظة مأرب بيد الحوثيين. وفعلًا استجابت دولة الإمارات لهذا الطلب ودعمت تحرك حلفائها من المقاومة الشعبية على الأرض، وبالفعل تم منع سقوط مأرب بيد الحوثي المهزوم الذي لجأ إلى استهداف الإمارات صاروخيًا في 17 يناير/كانون الثاني 2022 ليغطي على هزيمته النكراء في الميدان".
الحقيقة أن هذا التوصيف لا يكتفي بشرح ما حدث، بل يكشف منطق الاستهداف ذاته، حيث لم تُقصف أبوظبي لأنها اعتدت، بل لأنها منعت سقوط مدينة عربية جديدة في قبضة جماعة مسلّحة تعمل خارج منطق الدولة، وتعيش على اقتصاد الحرب، وتقتات على الفوضى. بالتالي لقد دفعت الإمارات ثمن موقفها القومي والإسلامي، لكنها لم تندم، فمنذ اللحظة الأولى، كان ردّ الدولة هادئًا في شكله، حازمًا في مضمونه، واضحًا في رسالته، أمن الإمارات خط أحمر، وسيادتها ليست قابلة للاختبار، لكن التزامها الأخلاقي تجاه محيطها العربي لن يكون مادة للمساومة.
وفي الحقيقة أيضا، وفي أكثر من مناسبة، شدد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، على هذه المعادلة التي تجمع بين الواقعية السياسية والضمير القومي، مؤكدًا أن دولة الإمارات "لا تبحث عن الصراعات، لكنها لا تتردد في الدفاع عن أمنها ومكتسباتها"، وأن ما تقدمه القوات المسلحة الإماراتية من تضحيات "نابع من واجب وطني وقومي وأخلاقي لحماية الوطن ودعم الاستقرار في المنطقة.
كما قال في حديث آخر عن الشهداء وتضحيات الجيش الإماراتي إن "دماء شهدائنا هي عنوان صدق هذا الوطن، ودليل على أن الإمارات حين تلتزم بقضية، فإنها تفعل ذلك بوعي ومسؤولية واستعداد لدفع الثمن". وهي عبارة تختصر فلسفة دولة لا ترى في الأمن شعارًا إعلاميًا، بل التزامًا سياديًا، ولا ترى في التضحية مادة للخطابة، بل جزءًا من تعريفها لذاتها.
لقد حاول الحوثيون، ومن يقف خلفهم، أن يجعلوا من الهجوم رسالة ردع، لكن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا، فقد تحوّل السابع عشر من يناير/كانون الثاني إلى يوم إضافي مفخرة لنا في سجل التضحيات والعطاء، وفي ذاكرة الوطن الجمعي، وإلى لحظة كشفت عمق الثقة بين القيادة والمجتمع، ووضعت العالم أمام حقيقة واضحة، أن استهداف المدن الآمنة والمنشآت المدنية ليس خيارًا عسكريًا مشروعًا، بل تعريف مباشر للإرهاب حين يعجز عن تحقيق أهدافه في الميدان.
والمفارقة الأشد دلالة أن الإمارات التي استُهدفت بالصواريخ هي ذاتها التي بنت نموذجًا إقليميًا في التنمية، وفتحت أبوابها لملايين الباحثين عن العمل والكرامة من كل أنحاء العالم، وقدّمت مساعدات إنسانية في مناطق لم تصلها حتى عدسات الكاميرات، وأسهمت في إعادة إعمار مدن عربية دمرتها الحروب، من دون أن تطلب مقابلًا سياسيًا ولا مكسبًا دعائيًا.
بعد أعوام على ذلك الحدث، يتضح أن 17 يناير/كانون الثاني لم يكن لحظة ضعف، بل محطة فرز تاريخية، فرزت بين من يرى في الإمارات مشروع حياة وتعايش سلمي، ومن يراها عقبة أمام مشاريعه المشبوهه. بين من يؤمن بأن الأمن يُبنى بالمؤسسات والقانون، ومن يراهن على الصواريخ والطائرات المسيّرة، بين من يدفع ثمن الموقف، ومن يعيش على تجارة الدم.
اليوم، حين تستعيد الإمارات تلك الذكرى السنوية، فإنها تفعل ذلك من باب التذكير، التذكير بأن طريق الاستقرار و السلام ليس بلا كلفة، وأن حماية المدن الآمنة ليست مهمة سهلة، وأن الانحياز للإنسان في زمن الميليشيات فعل شجاعة قبل أن يكون خيار سياسة. لقد أراد الحوثي أن يجعل من ذلك اليوم لحظة كسر، فحوّلته الإمارات، بقيادتها وشعبها ومؤسساتها، إلى لحظة وعي وفخر، أراد أن يختبر إرادة الدولة، فاختبر معنى أن تكون هناك دولة أصلًا.
وهكذا بقيت أبوظبي العاصمة واقفة، لا لأنها محصنة باسم ربها وقواتها المسلحة فقط، بل لأنها كذلك محصنة بإرادة تعرف لماذا وُجدت، ولأي تاريخ تنتمي، وأي مستقبل تريد أن تصنع.