'كاريزما'.. تشكيليّات نادر هلال بين القوة والهشاشة

قراءة جمالية-اجتماعية في معرض التشكيلي هلال الجديد بغاليري ضي الزمالك، حيث يتحوّل الجسد إلى مساحة صراع بين الانضباط والاحتواء.

القاهرة - في أجواء تحتفي بالفن بوصفه مرآة للإنسان المعاصر، يستضيف غاليري ضي الزمالك، الأحد، معرضًا جديدًا للفنان التشكيلي نادر هلال تحت عنوان "كاريزما"، والذي يستمر لمدة أسبوعين، مقدّمًا تجربة بصرية وفكرية كثيفة تحتفي بالهوية، وتفكك معنى الحضور الإنساني بين القوة والهشاشة، والانضباط والرغبة في الاحتواء.

نادر هلال، المولود بالقاهرة عام 1971، يُعد أحد الأصوات التشكيلية التي راكمت تجربتها على أسس فكرية وجمالية راسخة. تخرّج في كلية التربية الفنية بجامعة حلوان عام 1995، وبدأ مسيرته مع الرسم الزيتي، مستندًا إلى خلفية معرفية تستلهم الفكر النظري للفن المصري القديم. ومع تطور تجربته، انفتح على تنويع الخامات والملامس، مستخدمًا الأكريليك وتقنيات بناء السطح، ليخلق توترات لونية وملمسية مقصودة، تُحوّل اللوحة إلى مساحة صراع بصري وفكري، لا مجرد حقل للزخرفة أو الجمال المريح.

شارك هلال في العديد من المعارض الفنية الكبرى داخل مصر وخارجها، وكان لجاليري ضي نصيب سابق من احتضان تجربته من خلال معرضه الشخصي "ذات" عام 2023. واليوم، يعود إلى قاعات "ضي" في الزمالك بمعرض "كاريزما"، الذي يقدّمه الناقد الفني والتشكيلي الكبير حكيم جماعين بوصفه عرضًا يحتفي بالهوية والإبداع، حيث يلتقي الفكر بالجمال، ويتحوّل الحضور الإنساني إلى فعل ثقافي لا يُنسى.

يرى جماعين أن أعمال "كاريزما" تقوم على بنية تشكيلية مركّبة، لا تُقدَّم فيها الأجساد أو الشخصيات ككيانات منفصلة أو متقابلة، بل كذات واحدة منقسمة على نفسها. الجسد هنا ليس موضوعًا للرؤية، بل فضاء للصراع الداخلي، تتبادل داخله الأدوار: ملاكم، مصارع، حالم، عاشق. ليست هذه التحولات ترفًا تعبيريًا، بل عبئًا وجوديًا يعكس تعدد الأدوار الاجتماعية المفروضة على الفرد المعاصر، حيث يُطالَب بالحضور المتزامن في أدوار متراكبة، دون فسحة للانسحاب أو الاستراحة.

من أبرز الثيمات البصرية في المعرض لحظة تقديم الوردة وأخذ الحضن، وهي لحظة لا تُقرأ كتناقض بين العنف والرقة، بل كحركة دائرية يقوم بها الجسد تجاه ذاته. الملاكم، بعد أن يستنفد طاقته في المواجهة، لا يجد ملاذًا سوى العودة إلى نفسه. في هذا السياق، يستدعي جماعين مفهوم "الذات المنعكسة" في علم الاجتماع، حيث ترى الذات نفسها عبر أدوارها الاجتماعية، ثم تحاول احتواء آثارها النفسية والجسدية. الملاكم لا يرمز هنا إلى القوة المجردة، بل إلى الذات المدرَّبة على الاحتمال، جسد صاغته توقعات المجتمع، وشكّلته منظومات الانضباط، كما تصفها السيسيولوجيا الجسدية.

غير أن لحظة الوردة تمثل تصدّعًا في هذا المنطق؛ خروجًا عن الدور أو مواجهة لحدوده النفسية. من منظور علم النفس، يمكن قراءة هذا الفعل بوصفه محاولة للاحتواء الذاتي، حيث يصبح الحضن استجابة داخلية لحالة إنهاك مزمن، حين يغيب الدعم الخارجي أو يصبح هشًّا. الوردة لا تعبّر عن رومانسية حالمة، بل عن حاجة وجودية عميقة للطمأنينة، وإعادة الاعتراف بالذات في عالم يطالب بالقوة أكثر مما يسمح باللين.

على المستوى التشكيلي، تتجسد هذه الصراعات في خشونة الأسطح، والبروزات العالية والمنخفضة، التي تُخرج العمل من منطق الجمال المتناغم إلى ما يُعرف بـ"الجمال القَلِق" أو "الجمال الإشكالي". السطح غير المصقول لا يسعى إلى الإمتاع البصري، بل إلى تنبيه وعي المتلقي بالجسد بوصفه مادة مُتأثرة، مُنهكة، وغير مكتملة. هنا، لا يكمن الجمال في الانسجام، بل في صدق الأثر. أما الألوان الحارّة، فلا تُقرأ كرموز انفعالية مباشرة، بل كدرجات كثافة نفسية، تمثّل توترًا داخليًا دائمًا، وحالة من الاستثارة التي لا تجد تفريغًا نهائيًا.

في إطار علم النفس الجمالي، يرتبط هذا التلوين بتجارب الانغماس والانفعال القسري، حيث يُستدرج المتلقي إلى حالة شعورية أقرب إلى الاحتكاك منها إلى التأمل الهادئ. ويؤكد جماعين أن نادر هلال لا يسعى إلى تقديم حل تركيبي يوحّد هذه الانقسامات، بل يعرضها بوصفها شرطًا معاصرًا للذات. الحضن لا يلغي التشظي، والوردة لا تعالجه، لكنهما يمنحان الجسد إمكانية الاستمرار.

وتبرز الأصابع، التي تكاد تخرج من اللوحة، كأحد أكثر العناصر كثافة دلالية. إنها إيماءة مقاومة أخيرة، ومحاولة رمزية لكسر الإطار الاجتماعي الذي يحتجز الجسد. الأصابع لا تطلب خلاصًا كاملًا، بقدر ما تشهد على وعي بالتحرر، وعلى احتكاك مؤلم بين الرغبة في الفعل واستحالة الحركة. اجتماعيًا، يمكن قراءتها كفعل احتجاج رمزي، محدود لكنه عنيد. كما يعكس اختفاء بعض الملامح وبروز أخرى كيف يُختزل الفرد إلى وظيفة أو دور أو رقم، بينما يُمحى تعقيده الإنساني. الجسد هنا، بالمعنى الفوكوي، مساحة تُكتب عليها السلطة عبر الانضباط والطاعة.

بهذا المعنى، تتحول اللوحة من مجرد مساحة جمالية إلى وثيقة اجتماعية حسّية، تكشف كيف يكتب الجسد حكايته، وكيف يحاول – عبر خشونته، وألوانه الحارّة، وأصابعه الممدودة – أن يقول ما تعجز اللغة الاجتماعية عن الاعتراف به. إن تمركز نادر هلال حول الذات لا ينطوي على نرجسية بصرية، بل على انكفاء قَلِق؛ الذات تلتف حول جرحها، لا رفضًا للعالم، بل عجزًا عن احتماله. ومن هذا الانكفاء يولد تشظّي الجسد، بوصفه نتيجة حتمية حين تعجز الذات عن أن تكون كُلًّا، فلا يبقى لها إلا أن تتوزع.

ويختتم حكيم جماعين قراءته بالتأكيد على أن "كاريزما" لا يحتفي بالتصالح بوصفه نهاية سعيدة، بل يقدّمه كفعل هشّ، مؤقت، وضروري. فعل جمالي يكشف أن الجسد، حين يُحمَّل أكثر مما يحتمل، لا ينهار بالضرورة، بل قد يختار أن يعانق نفسه، ويمنحها وردة، بوصف ذلك آخر أشكال التحمّل الصامت في عالم لا يكفّ عن المطالبة بالقوة.