'كان' .. ياما كان!!

المغرب يبهر العالم بتنظيم استثنائي لكاس الافريقية عكس طموحات القارة ببنية تحتية عالمية وضيافة راقية، متجاوزا حملات التشويش الممنهجة ليؤكد أن ريادته الرياضية والأخلاقية أسمى من مجرد لقب.

"كان"… ياما كان، ليست مجرد لازمةٍ حكائيةٍ تُستعمل لافتتاح القصص الحقيقية أوالعجائبية، لقد صارت هذه العبارة تختزل، في الذاكرة الرياضية الإفريقية، واحدةً من أكثر نسخ كأس أمم إفريقيا إثارةً للجدل والإعجاب معًا. إنها دورةٌ كُتبت تفاصيلها الدقيقة داخل الملاعب وخارجها، على العشب الأخضر وفي كواليس السياسة والإعلام بشتى أسانيده، بين فرحٍ جماهيريٍّ عارم، ومحاولاتٍ يائسة لتشويه صورة نجاحٍ بات عصيًّا على التزييف والطمس.

منذ صافرة البداية، بدا واضحًا أن هذه النسخة من “الكان CAN” لن تكون عادية كسابقاتها. التنظيم المحكم، الحضور الجماهيري الكثيف الذي فاق كل التوقعات وحطم كل الأرقام القياسية، والتغطية الإعلامية الواسعة، كلها عناصر أسست لبطولةٍ خرجت عن إطار المنافسة الرياضية الضيقة لتتحول إلى مرآةٍ تعكس موازين جديدة في قارة إفريقيا، ليس فقط كرويًا، بل حضاريًا وتنظيميًا.

لا يمكن لأي حصاد أو جرد موضوعي لفعاليات كأس أمم إفريقيا أن يتجاهل الدور المغربي الحاسم في إنجاح هذه الدورة الاستثنائية، سواء من حيث الرؤية أو الإمكانات أو حسن الإدارة والتدبير. فالمغرب لم يراهن فقط على كرة القدم، بل على صورة بلدٍ إفريقي منفتح، قادر على احتضان القارة بثقافاتها وتناقضاتها المختلفة.

فالملاعب التي شُيّدت أو جُدِّدت وفق معايير عالمية لم تكن مجرد فضاءات رياضية، بل منشآت متعددة الوظائف، تليق بالبطولات الكبرى بل وكأس العالم حتى ، وتُنافس نظيراتها في أوروبا وأمريكا اللاتينية. أرضيات مثالية رغم هطول أمطار قياسية ، إضاءة عالية الجودة، تجهيزات تقنية حديثة، وأمن واع بمسؤولياته ومنظم بعقلانية فائقة، كلها تفاصيل صنعت الفارق الذي دوخ جميع الملاحظين.

إلى جانب الملاعب، لعبت البنية السياحية دورًا مركزيًا في إنجاح هذا الحدث الرياضي. فنادق راقية بأفخم التصنيفات، مطاعم تعكس تنوع المطبخ المغربي وتاريخه، وسائل نقل حديثة وفعالة، من القطارات السريعة إلى الحافلات المخصصة للوفود والجماهير. كل ذلك منح الضيوف الأفارقة والعرب تجربةً متكاملة، لا تقتصر على متابعة المباريات، بل تمتد إلى اكتشاف بلدٍ يعرف كيف يستقبل ضيوفه بابتسامة صادقة وتنظيم ذكي.

أما على مستوى الترحيب، فقد نجح المغرب في تقديم درسٍ إفريقيٍّ بليغ في الضيافة. جماهير من مختلف الجنسيات، أعلام متعددة، لغات ولهجات تختلط في المدرجات، دون احتقان أو عنف أو فوضى. لقد كان “الكان” احتفالًا بالقارة، قبل أن يكون منافسةً على الكأس.

كرويًا، قدّم المنتخب المغربي مشوارًا احترافيا قويًا، اتسم بالانضباط التكتيكي والروح القتالية العالية. لاعبون شباب مزجوا بين الاحتراف الأوروبي والانتماء الوطني العميق ، جهاز تقني تعامل بواقعية مع المباريات، وجمهور آمن بمنتخبه حتى اللحظات الأخيرة.

غير أن النجاح، كما هو معلوم، لا يصنع فقط الإعجاب، بل يوقظ أيضًا أحقادًا نائمة. هنا تحديدًا، يطفو على السطح دور دولة الجزائر وبعض الأصوات الإعلامية والرقمية التابعة لها، التي اختارت، بدل الاحتفاء بإنجاز إفريقي جماعي، الانخراط في حملة تشويش ممنهجة ضد المغرب.

منذ الأيام الأولى للبطولة، لوحظ تصاعد خطاب عدائي على منصات التواصل الاجتماعي، يقوده مؤثرون متهورون يفتقرون إلى الحد الأدنى من العمق الثقافي والمسؤولية الأخلاقية. خطابات عدائية ودعائية تشكك في التنظيم، تهاجم اللاعبين والملاعب، تسخر من الجمهور، وتزرع الشك في نوايا المغرب، في سلوكٍ أقرب إلى الهوس منه إلى النقد الرياضي.

فقد بلغ هذا الخطاب الحقود ذروته قبيل المباراة النهائية، حيث انتشرت دعوات مستفزة وتحريضية، حاولت شحن الجماهير السينغالية ضد المغرب، وتصوير النهائي كمعركةٍ سياسية لا كمباراة كرة قدم. وهي ممارسات، وإن صدرت عن أفراد، فإن صمت المؤسسات الجزائرية عنها جعلها تبدو وكأنها جزء من مزاجٍ رسمي غير معلن.

في لحظة مفصلية من النهائي، أُهدرت ضربة جزاء مغربية، شكلت صدمةً للشارع الرياضي. وبين التحليل الفني والتأويل الرمزي، ظهرت قراءات تقول إن اللاعب المغربي ونجم فريق ريال مدريد إبراهيم دياز فضّل، بوعي أو بلا وعي، تفادي سيناريوهات انفلات أمني محتمل داخل الملعب وخارجه في شوارع الرباط ، خصوصًا في ظل أجواء مشحونة وخطابات تحريض سبقت اللقاء.

لا يمكن الجزم بنيات اللاعبين، ولا يصح تحويل لحظة رياضية إلى حقيقة سياسية قاطعة، لكن من المشروع أخلاقيًا طرح السؤال: أليس من واجب الرياضة أن تحمي الأرواح قبل الألقاب؟ أليس درء الفوضى أولى من التتويج، حين تصبح الجماهير رهينة خطاب تحريضي؟

المغرب، في كل الأحوال، خرج من النهائي مرفوع الهامة. أجل لقد خسر الكأس، لكنه ربح احترام القارة، وأثبت أن كرة القدم ليست فقط أهدافًا تسجل، بل قيمًا أخلاقية ومسؤولية.

"كان"… ياما كان، سيحفظ التاريخ هذه الدورة من كأس أمم إفريقيا باعتبارها محطة مفصلية في مسار الكرة الإفريقية. سيذكر التنظيم، الملاعب، الضيافة، والمستوى الفني. أما حملات التشويش، فستبقى هامشًا صاخبًا لا يغير من جوهر الإنجاز شيئًا.

المغرب قدّم نموذجًا متفردا ، ومن يعجز عن مجاراته، لا يملك سوى الصراخ. لكن الصراخ، مهما علا، لا يُسقط الحقائق، ولا يُفسد حكاية كُتبت بعرق اللاعبين، وحكمة التنظيم، ووعي الجماهير.

"كان"… ياما كان، حكاية نجاح، رغم كل شيء.