كتاب "فلسفة اللغة" يؤكد أن اللغة البشرية هي وسيلة المعنى الأولى بلا منازع

صلاح إسماعيل يرى أن الفلسفة في النصف الأول من القرن العشرين سلكت مسلكا جديدا في التفكير عرف باسم التحول اللغوي.


اللغة خصيصة إنسانية فريدة تميز الإنسان من بقية الكائنات الأخرى


هناك أسباب كثيرة جعلت من اللغة موضوعا مهما وجديرا بالدراسة

يرى د. صلاح إسماعيل أن الفلسفة في النصف الأول من القرن العشرين سلكت مسلكا جديدا في التفكير، عرف باسم التحول اللغوي، وهو تعبير ابتكره جوستاف برجمان في مراجعته لكتاب ستراوسون الأفراد بعنوان: "انطولوجيا ستراوسون" عام 1960، وزاده شهرة ريتشارد رورتي عندما اتخذه عنوانا لمجموعة من البحوث قام على تحريرها بغرض بيان هذا التحول الجديد في الفلسفة. 
ويرد الباحثون هذا التحول إلى فريجه، وفي ذلك يقول أنتوني كيني في كتاب فريجه متابعا مايكل دميت في كتاب أصول الفلسفة التحليلية: "إذا كانت الفلسفة التحليلية قد ولدت عندما حدث التحول اللغوي فإن ولادتها لا بد من أن تؤرخ بنشر كتاب فريجه أسس الحساب عام 1884، وذلك عندما قرر فريجه أن الطريق إلى بحث طبيعة العدد هو تحليل الجمل التي تظهر فيها الأعداد".
ويوضح د. إسماعيل في كتابه "فلسفة اللغة" أن هذا التحول ينسبه بيتر هاكر إلى فتجنشتين، هذا الأخير الذي قرر في رسالة منطقة فلسفية عام 1921 أن: الفلسفة برمتها نقد للغة، وقدمت الرسالة التحول اللغوي في ستة جوانب؛ الأول: بيان أن معظم القضايا والأسئلة الفلسفية ليست كاذبة وإنما خالية من المعنى، أي تتجاوز حدود اللغة، وتنشأ نتيجة إخفاق فهم منطق اللغة. 
الثاني: تعيين حدود الفكر عن طريق تعيين حدود اللغة، أعني وضع الخط الفاصل بين المعنى واللامعنى. وهذا يضع الفلسفة، وشروط المعنى والعلاقة بين اللغة والواقع في قلب البحث الفلسفي. 
الثالث: المفتاح لإنجاز الهدف السابق هو توضيح الطبيعة الجوهرية للعلامة القضوية عن طريق توضيح الصورة القضوية العامة. 
الرابع: الإنجاز الأعظم للكتاب، كما رأته دائرة فينا، هو توضيح طبيعة الحقيقة المنطقية، أعني تصويرها بوصفها تحصيلا حاصلا. 
الخامس: المهمة السلبية للفلسفة، هي إثبات عدم شرعية التقارير الميتافيزيقية عن طريق إثبات أن هذه التقارير تتجاوز حدود ما يمكن قوله في أية لغة تتجاوز حدود المعنى. 
السادس: المهمة الإيجابية للفلسفة، هي التحليل المنطقي للأفكار عن طريق التحليل المنطقي - اللغوي للقضايا. 
وبالإضافة إلى عمل فريجه وفتجنشتين، كانت إسهامات رسل والوضعية المنطقية وكواين وفلاسفة مدرسة أكسفورد تؤلف المداخل الفلسفية إلى اللغة. وهي التي شكلت الفرع الفلسفي المعروف الآن بفلسفة اللغة.

المهمة السلبية للفلسفة، هي إثبات عدم شرعية التقارير الميتافيزيقية عن طريق إثبات أن هذه التقارير تتجاوز حدود ما يمكن قوله في أية لغة تتجاوز حدود المعنى.

ويشير إسماعيل إلى ثلاثة اتجاهات في فلسفة اللغة: اتجاه يمتد من فريجه ورسل وفتجشتين المبكر عبر الوضعية المنطقية حتى يومنا الحالي في كتابات كواين وديفيد سون ودميت ويتنام. وهذا لا يعني أن المواقف داخل هذا التيار متشابهة أو متقاربة، وإنما الذي يعنينا أن هذا الاتجاه يهتم في غالب الأمر بالعلاقة بين المعنى والصدق، إذ إنه يعالج العلاقة بين اللغة والأشياء التي تدور حولها كلمات المتكلم. ومن ثم يبحث في شروط صدى الجمل. والسؤال المهم في هذا الاتجاه هو: ما شروط صدق المنطوق؟ ويرتبط هذا الاتجاه ارتباطا وثيقا بفلسفة العلم. 
أما الاتجاه الثاني فيمثله مور وفتجشتين المتأخر ومدرسة أكسفورد أو فلاسفة اللغة العادية وأبرزهم رايل وأوستن وستراوسون وجرايس، ويسير في ركابهم سيرل وهابرماس أيضا. وعلى حين يحفل الاتجاه الأول ببحث العلاقة بين اللغة والعالم، نجد أن الثاني يصب جل اهتمامه على العلاقة بين اللغة والمتكلم. وهنا ينشأ الاهتمام بأسئلة تتعلق باستعمال اللغة، وباللغة منظورا إليها كجزء من السلوك الإنساني. والسؤال الأساسي في هذا الاتجاه هو: ما العلاقة بين المعنى والاستعمال؟ 
ويخطئ المرء لو ظن أن هذين الاتجاهين منفصلين كل الانفصال، وإنما الأقرب إلى الصواب القول إنهما يتداخلان ويتشابكان بطرائق شتى. يقول تايلر بريج: التقليد المستمد من فريجه أخذ العلم والمنطق والرياضيات كمصدر للإلهام بالنسبة للبحث اللغوي والفلسفي، على حين أن التقليد المستمد من مور أخذ الممارسة العادية على أنها المحك بالنسبة للحكم اللغوي والفلسفي". 
وبالإضافة إلى هذين الاتجاهين فقد ظهر اتجاه ثالث ظهورا بارزا في العقود الأخيرة من القرن الماضي ألا وهو تيار علم اللغة كما تصوره كتابات تشومسكي 1928 وما ترتب عليه من تصور معين لفلسفة اللغة ظهر عند أتباعه مثل كاتز وفودور. ويناقش هذا الاتجاه موضوعات تدور في فلك المعرفة اللغوية واعتبار النظرية اللغوية تفسيرية بدلا من أن تكون وصفية. والسؤال الأساسي هو: كيف نفسر الإبداع اللغوي؟ 

ما العلاقة بين المعنى والاستعمال؟
جرت في نهر فلسفة اللغة مياه جديدة 

ويلفت د. إسماعيل إلى أنه جرت في نهر فلسفة اللغة في أيامنا مياه جديدة تنبثق من كتابات فلاسفة مثل ديفيد لويس وروبرت براندوم وجون ماكدويل وغيرهم. زد على ذلك إسهامات الفلسفة الأوروبية متمثلة في كتابات هيدجر وجادامر وريكور الذين يربطون بين اللغة والخربة والوجود والتأويل.
ويقول "كان تشومسكي قد تساءل في مستهل كتاب اللغة والعقل: ما الإسهام الذي يمكن أن تقدمه دراسة اللغة لفهم الطبيعة البشرية؟ وحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال دراساته اللغوية والفلسفية وارتكزت هذه الدراسات على مجموعة من الأفكار ارتبطت بفكرة أساسية هي فكرة الإبداعية اللغوية. 
ولعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا إن هذه الفكرة هي أكثر الأفكار تأثيرا في فلسفة اللغة عند تشومسكي، إذ استخدمها باعتبارها حجة لإثبات أن النوع البشري يختلف اختلافا جوهريا عن أي شيء آخر في العالم المادي. زد على ذلك أن فكرة الإبداعية هي التي كشفت عن نقائص النظرية التجريبية في دراسة اللغة وتعلمها، وهي أيضا الفكرة التي اقتضى تفسيرها أن يسلم تشومسكي بمفاهيم أخرى في نزعته العقلية مثل فرض الفطرية ومفهوم الكليات اللغوية أو النحو الكلي. ولو لم يكن لتشومسكي سوى إسهامه في علم اللغة، لكان هذا وحده ما يكفي لتخليد اسمه كواحد من أبرز علماء اللغة، ولكنه أسس نظرياته اللغوية على مفاهيم فلسفية ونفسية الأمر الذي أضفى عليها طابعا خاصا".
ويعتقد د. إسماعيل أن تشومسكي كان على صواب في أن فهم الطبيعة البشرية عن طريق دراسة اللغة يتطلب مد جسور الصلة مع عدة فروع معرفية في طليعتها الفلسفة وعلم النفس، وبذلك أسهم فيما يسمى بالعلم الإدراكي. وها هو إير يؤكد على هذه الفكرة: "إن الرجل الذي فعل الشيء الكثير، إن لم يكن لتطوير علم صحيح وشامل للغة، فعلى الأقل لتزويد علم اللغة بأساس فلسفي هو تشومسكي". 
ومن المحاسن التي تنسب إلى نظرية تشومسكي في النحو الوليدي أنها نظرت إلى اللغة باعتبارها "ملكة لغوية" تميز النوع البشري. كان الهدف الأساسي عند علماء اللغة السابقين على تشومسكي هو وصف اللغة ودراستها دراسة علمية، ولكنه رأى أن علم اللغة يتعين عليه تحديد الخصائص الأساسية للغة البشرية مادامت اللغة ملكة من ملكات العقل الذي يميز الإنسان دون سائر المخلوقات.
ويناقش إسماعيل آراء الفيلسوف الإنجليزي بول جرايس خالصا إلى إن المعنى لدى المتكلم يرتبط بمناسبة معينة للنطق، أما المعنى اللغوي فلا يرتبط بمناسبة الكلام، ولذلك يقال إنه خالد، والمعنى لدى المتكلم يتم تفسيره في حدود مقاصد المتكلمين، أما المعنى اللغوي أو معنى الجملة فيتم تفسيره في حدود المعنى لدى المتكلم وفكرة الاصطلاح. 
ولو أردت عبارة واحدة موجزة غاية الإيجاز تلخص لك صميم نظرية جرايس وتصلح شعارا لها أيضا فهاك هي: المعنى اللغوي هو الاصطلاح بالإضافة إلى القصد إلى إدخال اللغة في في هذه الرؤية عن طريق الإفادة من النظرية القصدية في المعنى عند جريس.
ويصل د. إسماعيل إلى أن أولى خطوات السير تبدأ بالنظر إلى اللغة على أنها الوسيلة الجوهرية للمعنى، صحيح أن هناك علامات سميوطيقية "رمزية" أخرى يستعين بها الإنسان أحيانا مثل العلامات التي نلحظها على جانبي الطريق ولكن تظل اللغة البشرية هي وسيلة المعنى الأولى بلا منازع.