كسوة الكعبة.. لوحة فنية تنبض بالإيمان والعراقة
مكة ـ تُمثّل كسوة الكعبة المشرفة أحد أعظم الرموز الإسلامية التي تتجمع عندها مشاعر التقديس والإجلال في قلوب المسلمين حول العالم، إذ لا تعدو كونها ثوباً يزيّن بيت الله الحرام، بل هي إرثٌ حضاري وروحي عميق الجذور، امتد عبر القرون وتعاقبت على خدمته الدول والملوك، قبل أن تتشرف المملكة العربية السعودية بحمل رايته ورعاية هذه الأمانة الجليلة.
ومنذ فجر الإسلام، تنافس الملوك والأمراء في نيل شرف كسوة الكعبة المشرفة تعظيماً لبيت الله الحرام، وكانت تُصنع في أمصار مختلفة ثم تُهدى إلى مكة المكرمة إعلاناً للولاء والتقدير. وقد وثّق فيلم المأرز، الذي يُعدّ من أبرز الأعمال الوثائقية التي تناولت خدمات الحرمين الشريفين، وأُطلق عام 2016 بإشراف الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، جوانب مضيئة من العناية بالكعبة المشرفة، ومراحل صناعة الكسوة، والجهود المبذولة في خدمة ضيوف الرحمن.
ومع توحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك الراحل عبد العزيز آل سعود، أولى المؤسس عناية خاصة بهذه الشعيرة العظيمة، فأمر بإنشاء دار مخصصة لصناعة الكسوة بجوار المسجد الحرام عام 1346هـ/1926م، لتكون أول كسوة تُصنع في مكة المكرمة بأيدٍ وطنية متخصصة، وتنبثق من رحم الأرض المقدسة ذاتها. ثم جاء إنشاء مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة المشرفة في حي أم الجود بمكة المكرمة ليُمثّل نقلة نوعية في تاريخ هذه الصناعة، إذ دشّن مرحلة جديدة تجمع بين أحدث التقنيات والآلات المتطورة، وبين الكفاءات الفنية الماهرة التي حافظت على أصالة الحرفة ودقتها المتوارثة.
وتبدأ رحلة الكسوة باختيار أجود أنواع الحرير الطبيعي الخام، الذي يصل إلى المجمع على هيئة شلل بيضاء ناصعة، تخضع لسلسلة دقيقة من الاختبارات الفنية للتحقق من قدرتها على تحمّل الظروف المناخية القاسية التي تواجهها الكعبة المشرفة على مدار العام.
وتنتقل بعدها خيوط الحرير إلى مراحل الغسيل والصباغة الآلية، حيث تُزال الطبقة الشمعية الطبيعية عنها لتكتسب نعومة وصفاءً أكبر، ثم تُصبغ باللون الأسود الذي بات علامة الكسوة الخالدة في وجدان المسلمين. وبعد غسلها وتجفيفها بعناية، تنتقل الخيوط إلى قسم النسيج الآلي حيث تتحول إلى بكرات منتظمة تُنسج عبر ماكينات متطورة لإنتاج نوعين من القماش؛ أحدهما منقوش بالزخارف والعبارات الإسلامية، والآخر مصمت مُعدّ للتطريز اليدوي بالمذهبات.
وتُعدّ الكتابات والزخارف الذهبية التاج الذي يُكلّل كسوة الكعبة المشرفة ويمنحها جلالها الفريد. تُطرز الآيات القرآنية الكريمة والعبارات الإسلامية بأسلاك الفضة الخالصة المطلية بماء الذهب، وفق مراحل بالغة الدقة تبدأ بالطباعة الأولية للرسومات والخطوط على القماش.
ثم تتولى مجموعة من الفنيين المهرة تنفيذ أعمال التطريز يدوياً، مستخدمين خيوطاً قطنية ملونة تحدد مواضع التذهيب والتطريز، لتخرج الآيات والزخارف في أعلى درجات الدقة والإبداع، في لوحة فنية نادرة تجمع بين جمال الخط العربي وروعة الفن الإسلامي الأصيل، شاهدةً على ما يبلغه الإنسان المسلم من إتقان حين يعمل لله.
وبعد الانتهاء من مراحل النسيج والتطريز، تبدأ عملية تجميع أجزاء الكسوة، إذ يُخاط كل جانب من جوانب الكعبة على حدة باستخدام واحدة من أكبر ماكينات الخياطة في العالم، المزودة بأنظمة تحكم حديثة وأجهزة ليزر تضمن دقة الاستقامة والتثبيت. وقبيل موعد التغيير، تُشكّل لجنة متخصصة لمراجعة جودة القطع والتأكد من تناسق الكتابات والزخارف والأبعاد، قبل تسليم الكسوة رسمياً إلى كبير سدنة بيت الله الحرام في احتفال سنوي مهيب يُقام مطلع شهر ذي الحجة.
وفي الثامن من ذي الحجة، تبدأ مراسم استبدال الكسوة القديمة؛ تُفصل جوانبها وتُزال ستارة باب الكعبة المشرفة، استعداداً لإلباس البيت الحرام ثوبه الجديد. وفي ليلة التاسع من ذي الحجة، تُنقل الكسوة الجديدة في موكب مهيب إلى المسجد الحرام، وسط مشاعر من الفخر والإجلال تعجز الكلمات عن وصفها.
ومع إشراقة شمس يوم عرفة العظيم، يشرع المختصون في رفع جوانب الكسوة الجديدة إلى أعلى الكعبة المشرفة وتثبيتها، بينما تُزال الكسوة القديمة تدريجياً في مشهد بديع تتجلى فيه عظمة الشعيرة وقدسية المكان، بالتزامن مع وقوف ملايين الحجاج على صعيد عرفات في اليوم الأعظم.
لا تنتهي مهمة مجمع الملك عبد العزيز بتسليم الكسوة وتركيبها، بل تتواصل على مدار العام من خلال فرق متخصصة تتولى تنظيف المذهبات وصيانة الأجزاء التي يُصيبها التلف جراء الزحام والاحتكاك. كما يُرفع الجزء السفلي من الكسوة سنوياً قبيل موسم الحج بنحو ثلاثة أمتار حمايةً لها من التمزق، ويُغطى الجزء المكشوف بقماش قطني أبيض يتناسب مع أجواء الموسم وبياض إحرام الحجاج.
في هذا المشهد المتكرر سنة بعد سنة، تتجلى عناية المسلمين ببيت الله الحرام، وتتجسد المعاني الكبرى التي يحملها هذا الثوب الأسود المطرّز بالذهب؛ ثوب لا يُلبَس، بل يُهدى لله، تعبيراً عن محبة لا تخبو وولاء لا يتزعزع.