'لا مكان ولا زمان' ثنائية الألم والخذلان في سوريا
دمشق ـ في عمل درامي يتجاوز القوالب التقليدية ويذهب عميقًا في جوهر التجربة الإنسانية، يقدّم مسلسل "لا مكان لا زمان" رؤية فنية جريئة تحاول مقاربة المأساة السورية من زاوية مختلفة، لا تعتمد على التوثيق المباشر ولا على السرد السياسي الصريح، بل تنحاز إلى الإنسان بوصفه مركز الحكاية ومرآة الألم.
ويتكوّن العمل من ثلاثين حلقة موزّعة على عشر ثلاثيات، في بناء درامي غير نمطي يقوم على قصص متجاورة، تتقاطع في الثيمة وتختلف في التفاصيل، لتشكّل في مجموعها لوحة واسعة عن القهر والخذلان والأمل المؤجل.
ويحمل العنوان "لا مكان لا زمان" دلالة واضحة على خيار فني واعٍ، يسعى إلى فك الارتباط بين الحكاية وأي جغرافيا أو زمن محدد، فالمسلسل لا يقول إن ما نراه حدث هنا أو هناك، أو في سنة بعينها، بل يترك الباب مفتوحًا أمام تأويل واسع، يجعل القصص قابلة للتكرار في أي مكان تتشابه فيه ظروف القمع والاستبداد.
ويمنح هذا الخيار العمل بعدًا كونيًا، ويخرجه من كونه حكاية سورية محضة، إلى كونه سردية إنسانية عن الإنسان حين يُسحق تحت وطأة الخوف.
ويعتمد المسلسل على صيغة الثلاثيات، حيث تقدّم كل ثلاث حلقات قصة شبه مكتملة، بشخصياتها وصراعها ونقطة ذروتها، دون الحاجة إلى ربطها دراميًا بقصص أخرى، سوى عبر الخيط الإنساني العام، كما شكل العمل إيقاعًا متجدّدًا، ويجنّبه الوقوع في الترهل، كما يسمح بتقديم طيف واسع من الشخصيات والبيئات الاجتماعية.
في إحدى الثلاثيات، نتابع أمًا تحاول حماية أبنائها من بطش الواقع، فتجد نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات قاسية تتعارض مع غريزة الأمومة. في ثلاثية أخرى، شاب يعيش حالة ضياع وجودي، يبحث عن معنى لحياته وسط الخراب، بينما يتآكل داخليًا بين الرغبة في الهرب والشعور بالذنب.
ويؤكد أحد صنّاع العمل أن "اختيار صيغة الثلاثيات لم يكن قرارًا شكليًا، بل محاولة للإمساك بلحظات مكثفة من حياة أشخاص لم يُمنحوا فرصة حياة طويلة أو مستقرة، لأن الواقع نفسه كان مبتورًا". وتجعل هذه المقاربة كل حكاية أشبه بشهادة إنسانية، لا تطمح إلى الاكتمال بقدر ما تسعى إلى الصدق.
ويركّز "لا مكان لا زمان" على تفاصيل الحياة اليومية في ظل القمع، بعيدًا عن المشاهد الكبرى أو الأحداث الصاخبة. نرى فنانًا يُجبر على الصمت، ومعتقلًا سابقًا يحاول التعايش مع ذاكرة السجن، وامرأة تكتشف أن الخوف تحوّل إلى أسلوب حياة، لا شعور عابر.
الشخصيات هنا ليست بطولية بالمعنى التقليدي؛ إنها هشّة، مترددة، تخطئ أحيانًا وتنهار أحيانًا أخرى، لكنها تحاول أن تحافظ على ما تبقى من إنسانيتها.
ويشير كاتب العمل إلى أن "الرهان لم يكن على الحدث، لأن الحدث معروف ومكرّر، بل على أثره في الداخل الإنساني"، هذا التركيز على الداخل يمنح المسلسل طابعًا تأمليًا، ويجعل المشاهد شريكًا في التجربة، لا مجرد متلقٍ لها.
ورغم أن السياق سوري بامتياز، يتعمّد العمل عدم تثبيت الأحداث في زمن أو مكان واضحين. لا أسماء مدن، ولا تواريخ دقيقة، ولا إشارات مباشرة. هذا الغموض ليس نقصًا، بل جزء من الرؤية الفنية، التي تسعى إلى القول إن القمع حين يتشابه، يعيد إنتاج الألم نفسه مهما اختلفت الأسماء. ويعلّق أحد المخرجين المشاركين في العمل بأن "الغموض الزمني والمكاني مقصود، لأننا أردنا أن يشعر المشاهد أن ما يراه يمكن أن يكون حدث أمس أو يحدث الآن، هنا أو في أي مكان آخر".
ويضم المسلسل نخبة من نجوم الدراما السورية، يتقدمهم غسان مسعود الذي يقدّم أداءً مكثفًا، يوازن بين الصلابة والانكسار، ويمنح شخصياته عمقًا إنسانيًا بعيدًا عن الاستعراض.
ويقول مسعود في تصريح له "هذا العمل لا يقوم على البطولة الفردية، بل على بطولة المعنى. كل شخصية تحمل جزءًا من الوجع السوري".
وتقدّم صباح الجزائري أداءً مؤثرًا في أدوار الأمومة والفقد، مستندة إلى خبرة طويلة وحساسية عالية، حيث تؤكد أن "الدور أعادني إلى وجع الأمهات السوريات اللواتي عشن الخسارة بصمت".
كما يبرز مهيار خضور في تجسيد الشخصيات الرمادية، بينما يواصل سامر إسماعيل حضوره القوي في أدوار مشحونة انفعاليًا، مشيرًا إلى أن "أصعب ما في العمل هو الصدق، لأن الجمهور بات يميّز بسرعة بين الحقيقي والمصطنع".
ويشارك أيضًا أنس طيارة ودانا مارديني في أدوار تعكس صراع الجيل الشاب بين الطموح والخوف، فيما يضيف عبد الحكيم قطيفان ثقله المعروف في الأدوار الجريئة، وتمنح جفرا يونس حساسية خاصة للشخصيات النسائية.
وتأتي الحوارات بعيدة عن الخطابة، تعتمد على الجمل القصيرة والدلالات غير المباشرة، ما يعزز واقعية النص ويترك مساحة للتأويل. لا يقدّم المسلسل إجابات جاهزة، بل يطرح أسئلة أخلاقية وإنسانية عميقة: هل الصمت نجاة أم خيانة؟ كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على كرامته في ظل الخوف؟ وأين تقف حدود التضحية؟
ويختصر أحد كتّاب العمل روحه بقوله "لم نكتب لنُدين فقط، بل لنفهم، وربما لنُشفى قليلًا عبر الحكاية". هكذا، لا يقدّم "لا مكان لا زمان" مجرد مسلسل، بل تجربة وجدانية تسعى إلى ملامسة الألم، لا لاستثماره، وإلى تحويل الحكاية إلى مساحة للتأمل، والذاكرة، وربما الأمل.