لبنان يتابع تقارير عن تحركات لفلول الأسد قرب الحدود مع سوريا
بيروت - مع انتشار وثائق وتسجيلات عن تحركات لعناصر من "فلول" النظام السوري المخلوع في مناطق لبنانية قرب الحدود، لاسيما في بلدة الحيصة بمحافظة عكار (شمال)، تتصاعد مخاوف وتحذيرات من محاولات لإعادة ترتيب المشهد العسكري ضد الحكومة السورية وسط مطالبات للسلطات الرسمية اللبنانية بالتحرك.
وأظهرت وثائق، بثتها مؤخراً وسائل اعلام قطرية، دور كل من قائد "اللواء 42" السابق غياث دلا، وقائد "قوات النخبة" السابق سهيل الحسن في تنسيق عمليات عسكرية وتنشيط خلايا موالية للنظام السابق، إضافة إلى تجهيز مكاتب في لبنان لإدارة هذه التحركات.
وسلطت الوثائق الضوء على وجود مجموعات عسكرية تابعة للفلول موزعة في المحافظات السورية، مع تفاصيل حول أعدادها وأشكال تسليحها وطرق تمويلها. وتكشف أن نحو 20 طيارًا سابقًا بقيادة اللواء الطيار محمود حصوري يقيمون في لبنان مع أسرهم، ويرغبون بالانضمام لقوات سهيل الحسن.
كما تشير إلى استعداد مجموعات لبنانية للمشاركة في تحركات مسلحة محتملة.
وبهذا الخصوص، قال الصحفي والناشط السياسي اللبناني جاد يتيم إن "لبنان يشهد انتشارًا لعدد من الضباط والعسكريين من النظام السوري السابق"، محذرًا من أن هذه الفئات تمثل "خطرًا أمنيًا كبيرًا".
وأوضح أن "الأعداد تقدر بالمئات، وتضم عمداء وضباط صف، وقد انتقل معظمهم إلى لبنان تحت حماية جهات حزبية وبغض النظر الأمني".
وأضاف أنهم "يشكلون شبكات فعالة تتعاون مع أطراف محلية وتحظى بحماية، ويُشتبه في تورطهم في أحداث ومجازر الساحل السوري في مارس/آذار الماضي، حيث ساهموا في التخطيط وقيادة بعض عمليات التمرد التي استهدفت المدنيين وزعزعت استقرار البلاد".
وحذر أن هؤلاء الأشخاص يمثلون "خطرًا مزدوجًا" على لبنان وسوريا مشددا أن فلول النظام السوري المخلوع "يشكلون تهديدًا للعلاقات مع الدول الصديقة مثل سوريا، كما يمكن استخدامهم بإثارة الفتن بالداخل اللبناني".
ولفت إلى أن "نشاطاتهم السياسية تشمل أيضًا تأمين التمويل والموارد لهم داخل لبنان، مع احتمال التحول في أي لحظة إلى خطر على الأمن اللبناني".
وأضاف أن "معظم هؤلاء متورطون في جرائم حرب، وبعضهم مطلوب للقضاء السوري والفرنسي، ما يجعل وجودهم في لبنان خطيرًا ويعرض البلاد لمخاطر مرتزقة محتملين".
وعن ما قال إنه "بطء التعامل الرسمي" مع الملف، قال الناشط السياسي: "لم نر حتى الآن جدية في معالجة الموضوع سواء على المستوى السياسي أو الأمني، فالمداهمات لا ترقى لحجم الخطر والمعلومات المتوافرة عنهم".
وفيما يتعلق بالتعاون الأمني بين لبنان وسوريا، أكد يتيم أن "هذا الملف يتطلب تعاونًا يوميًا وفعّالًا بين الأجهزة الأمنية في البلدين لضبط الحدود ومراقبة تحركات هذه الخلايا".
وشدد على أن "أي تخطيط لعمليات داخل سوريا قد يمتد تأثيره إلى الداخل اللبناني، ما قد يثير تعقيدات جديدة في العلاقات بين البلدين".
من جانبه، قال الصحفي المتخصص في الشؤون القضائية يوسف دياب إنه لا توجد أي معلومات لدى الأجهزة الأمنية اللبنانية عن تواجد أشخاص من "فلول" النظام السوري المطلوبين على الأراضي اللبنانية، رغم تداول الموضوع بشكل واسع في وسائل الإعلام المحلية.
وقال دياب، إن "الدولة اللبنانية لم تتلقَّ من السلطات السورية قائمة بأسماء هؤلاء الأشخاص المزعومين، كما أن الأجهزة الأمنية اللبنانية لم تحصل على أي معلومات تشير إلى وجود سوريين يخططون لعمليات أمنية ضد حكومتهم داخل لبنان".
واستطرد أن "الأجهزة تعمل في إطار الأمن الوقائي على متابعة أي معلومات عن هؤلاء الأشخاص، لكن حتى الآن لم يتم العثور على أي دليل على وجودهم" موضحا أن "الأنباء عن مخيمات تدريب في مناطق الهرمل (شمال شرق) والحيصة بعكار غير دقيقة، وأن الجيش اللبناني يتابع بشكل دوري، دون تسجيل أي وجود لمسلحين أو أنشطة تدريبية على أراضي البلاد".
وأشار دياب إلى أن "الدولة اللبنانية تواصل اليقظة الأمنية وتتابع الموضوع بشكل مستمر".
ولفت إلى ورود "مذكرة من الولايات المتحدة عبر الإنتربول بحق رئيس مكتب الأمن الوطني للنظام السوري السابق علي مملوك ومدير المخابرات الجوية السابق جميل حسن، المتهم بممارسة تعذيب ممنهج وعمليات إعدام، للتحقق من وجودهم على الأراضي اللبنانية".
وتحدث عن استنابة وردت من السلطات الفرنسية حول "عدد من الضباط السوريين المتهمين بقتل فرنسيين في دمشق قبل سقوط نظام الأسد".
والاستنابة مصطلح قضائي يعني تكليف سلطة قضائية مختصة سلطة إدارية أو قضائية أخرى القيام ببعض الأعمال كالتحقيق أو الاستماع إلى الشُهود.
وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية أن رؤوس النظام السوري المخلوع يواصلون حياتهم متخفين داخل وخارج البلاد، وأن بعضهم يواصلون حياة الترف، فيما يعاني آخرون من ظروف معيشية صعبة.
الأجهزة الأمنية اللبنانية تتحرى عن هذه الملفات
وأكد دياب أن "الأجهزة الأمنية اللبنانية تتحرى عن هذه الملفات، لكن حتى الآن لم يتم العثور على أي أثر لهؤلاء الأشخاص، سواء بالنسبة للمذكرة الأمريكية أو للاستنابة الفرنسية".
وختم بالتأكيد على أن ما يتم تداوله حول وجود مخيمات تدريب ومسلحين على الأراضي اللبنانية "غير صحيح، ولم يتم تسجيل أي نشاط عدائي أو تهديد ضد سوريا من قبل ضباط سوريين داخل لبنان".
وخلال جلسة مجلس الوزراء التي انعقد الخميس الماضي، أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن "بلاده لن تكون منطلقا لأي أعمال عدائية ضد سوريا"، دون مزيد من التفاصيل.
وردا على سؤال بشأن أنباء عن وجود ضباط من نظام الأسد في لبنان، قال عون، في مقابلة تلفزيونية، الأحد، إنه "لا وجود لهؤلاء الضباط كما قيل في إحدى محطات التلفزة، بل هناك لاجئون، وعناصر عسكريون علويون، وضباط من رتب صغرى لا يقدّمون ولا يؤخرون".
وأضاف "الجيش اللبناني ومديرية المخابرات والأجهزة الأمنية داهمت مخيمات في الهرمل (شمال شرق)، وأماكن تواجد سوريين في منطقة الشمال، ولم يتبين وجود أي أمر مما قيل" مؤكدا وجود "اتصال وتنسيق" مع الدولة السورية بهذا الخصوص.
والجمعة، أعرب نائب رئيس الحكومة اللبنانية الوزير طارق متري عن قلقه إزاء ما تداوله الإعلام عن تحركات مؤيدين للنظام السوري السابق، داعيًا الأجهزة الأمنية إلى التحقق من صحة المعلومات.
وقال متري، عبر منصة "إكس" إن "المسؤولية لا تقع على الأجهزة الأمنية وحدها، بل تشمل الجميع، من أجل درء مخاطر القيام بأي أعمال قد تسيء إلى وحدة سوريا أو تهدد أمنها واستقرارها، سواء في لبنان أو انطلاقًا منه".
وأضاف متري أنه "يجب تعزيز التعاون مع السلطات السورية على أساس الثقة والاحترام المتبادل".
وتبذل الإدارة السورية جهودا مكثفة لضبط الأمن وبسط سيطرتها، ضمن خططها للتعافي من تداعيات الحرب المدمرة وإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار والنهوض بالبلاد.