لماذا يخاطب الرئيس شي العالم العربي من خلال مبادرته للحوكمة العالمية؟
إن مبادرة الحوكمة العالمية، التي أعلن عنها الرئيس الصيني شي جين بينغ في اجتماع منظمة شنغهاي للتعاون بمدينة تيانجين، ليست مجرد خطاب سياسي عابر، بل تُقدَّم كوثيقة إرشادية يمكن أن تجد صدى واسعًا في العواصم العربية، حيث تسعى هذه الدول إلى تحقيق التوازن بين مقتضيات السيادة الوطنية وضغوط التنمية وتطلعات الشباب المتحفّز. فركائز المبادرة الخمس ـ المساواة في السيادة، سيادة القانون الدولي، التعددية الحقيقية، النهج الإنساني المتمحور حول الإنسان، والانحياز إلى النتائج العملية ـ تتقاطع بوضوح مع الأولويات التي تتمسّك بها الدول العربية داخل الأمم المتحدة والمنتديات الإقليمية.
المساواة في السيادة
لقد عانت الدول العربية مرارًا من انعكاسات التنافس بين القوى الكبرى ومن شروط السياسات المفروضة. إن إصرار المبادرة على اعتبار الدول، صغيرة كانت أو كبيرة، أطرافًا متكافئة في اتخاذ القرار وفي الاستفادة من نتائجه، لا يعد مجرد شعار دبلوماسي، بل هو تحصين ضد الابتزاز الاقتصادي والتدخل السياسي. فهو يضمن للدول العربية مساحة أوسع لاختيار سياساتها الصناعية وخياراتها في مجال الطاقة وتحالفاتها الاستراتيجية، بعيدًا عن ضغوط الفيتو الخارجي. وهذا يتناغم مع الأهمية التي توليها المنطقة لاستقلالها الاستراتيجي.
إعادة الاعتبار للأمم المتحدة
بدلًا من إنشاء بدائل موازية، تضع المبادرة الأمم المتحدة في صدارة المشهد. وقد طالبت دول عربية عديدة، خصوصًا إبّان الانتفاضات، بإصلاحات تمنح الجنوب العالمي حضورًا أوسع. إن إعادة التأكيد على ميثاق الأمم المتحدة، والدعوة إلى حوكمة أكثر شمولًا داخل مؤسسات قائمة، يوجّه التغيير نحو إطار مألوف ومجرب. ومن ثم، فإن الإصلاح الداخلي العملي يبقى أكثر جدوى من المواجهة.
قوة المبادرة تكمن في مخرجاتها العملية: منصات تعاون في الطاقة والصناعة الخضراء والاقتصاد الرقمي، مراكز بحثية وتعليمية للتكنولوجيا والتدريب، خطط خمسية لتعزيز قدرات الطاقة الشمسية والرياح، وبرامج صحية تُعنى بالناس مباشرةً، كجراحات القلب والمياه البيضاء وفحوصات السرطان. هذه نتائج ملموسة يمكن للمواطن لمسها وللقادة قياسها بالأرقام.
في السياق العربي
يتوافق هذا النهج مع توجهات اقتصادات المنطقة، حيث توسّع دول شمال إفريقيا والخليج استثماراتها في الطاقة المتجددة وربط الشبكات والهيدروجين الأخضر. كما أن ربط البنية الصناعية والخدمات اللوجستية بمنصات الطاقة الخضراء يمكن أن يرفع قيمة الإنتاج العربي بدلًا من الاكتفاء بدور المستهلك للتكنولوجيا.
أما في المجال الرقمي، فإن الشباب العربي يضغط لتوسيع الحكومة الإلكترونية والتكنولوجيا المالية والأمن السيبراني. وفي إطار قواعد الأمم المتحدة، يمكن لمسار الاقتصاد الرقمي المتكامل أن يعزز الشبكات والحوسبة السحابية والدفع العابر للحدود، وهو ما يرسّخ تنويع الخيارات ويعزز المرونة التفاوضية.
تولي المبادرة اهتمامًا خاصًا بالتعليم العالي والتدريب المهني، وهو ما يلامس الحاجة العربية إلى خلق وظائف مؤهلة في القطاع الخاص بدلًا من الاعتماد المفرط على القطاع العام. كما أن إنشاء بنك للتنمية تحت مظلة منظمة شنغهاي، بالتكامل مع المبادرات العربية والعالمية، قد يسهم في تمويل مشاريع البنية التحتية من كهرباء وموانئ وشبكات رقمية. ومع التداخل مع مبادرة الحزام والطريق، يتوسع نطاق الخيارات بدلًا من استبعاد شركاء آخرين.
قد يركّز النقاد على الحسابات الجيوسياسية، لكن المواطن العربي سيحكم على النتائج الملموسة. فإذا تمكنت مبادرة الحوكمة العالمية من ترجمة مبادئها إلى مصانع ومستشفيات وشبكات اتصال وفرص عمل، دون المساس بالسيادة الوطنية، فإنها ستكون عامل تعزيز للعلاقات العربية الصينية. في عالم مضطرب، تُقدّم المبادرة أمرين نادرين: قواعد مشتركة يمكن للجميع اتباعها، ومشاريع فعلية تُنفذ على الأرض. ولهذا، تستحق المبادرة أن تحظى بمتابعة جدية وتقدير واسع في العالم العربي.