مباحثات إماراتية أميركية لتسريع الشراكة في التكنولوجيا المتقدمة
واشنطن - بحث خليفة المبارك رئيس جهاز الشؤون التنفيذية لإمارة أبوظبي مع كبار المسؤولين الأميركيين وعدد من أعضاء الكونغرس، خلال زيارة أداها مؤخرا إلى واشنطن، سبل تعزيز التعاون بين الإمارات والولايات المتحدة لا سيما في القطاعات الرائدة ويتصدرها الذكاء الاصطناعي، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تعزيز تحالفاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع شركاء موثوقين قادرين على المساهمة في المنافسة العالمية المتصاعدة.
وتعكس اللقاءات التي عقدها المبارك مع جيه دي فانس نائب الرئيس الأميركي، وسكوت بيسنت وزير الخزانة وهوارد لوتنيك وزير التجارة وجاكوب هيلبرغ وكيل وزارة الخارجية للشؤون الاقتصادية، اقتناعا أميركيا بأهمية الإمارات كشريك استراتيجي في القطاعات التي ستحدد شكل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
وتدرك واشنطن أن أبوظبي لم تعد مجرد مستثمر خليجي في الأسواق الأميركية، بل أصبحت مصدراً لرؤوس الأموال طويلة الأمد التي تحتاجها الولايات المتحدة لتطوير صناعاتها الاستراتيجية وتعزيز تنافسيتها. ويبرز ذلك من خلال خطة الإمارات لاستثمار 1.4 تريليون دولار في الاقتصاد الأميركي خلال العقد المقبل، وهي من أكبر الالتزامات الاستثمارية الأجنبية المعلنة تجاه الولايات المتحدة.
وتشمل هذه الاستثمارات قطاعات حيوية مثل الطاقة والتصنيع المتقدم وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، وهي المجالات التي تحتل صدارة الأولويات الاقتصادية الأميركية في ظل احتدام المنافسة التكنولوجية العالمية.
وتنظر واشنطن إلى الإمارات باعتبارها منصة موثوقة لتوسيع منظومة الذكاء الاصطناعي الأميركية عالمياً، خاصة في ظل ما تمتلكه من بنية تحتية متطورة وقدرات استثمارية ضخمة.
وفي هذا السياق، أسست "شراكة تسريع الذكاء الاصطناعي" التي أُطلقت خلال زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الإمارات العام الماضي، لمرحلة جديدة من التعاون تتجاوز حدود الاستثمار التقليدي نحو بناء منظومات تكنولوجية متكاملة.
كما أن الاستثمارات التي تقودها شركات إماراتية مثل "G42" و"MGX" في مجالات الرقائق المتقدمة ومراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، تمنح الدولة الخليجية الثرية موقعاً متقدماً ضمن خريطة التكنولوجيا العالمية، وتوفر للولايات المتحدة شريكاً قادراً على دعم توسع شركاتها التقنية خارج حدودها.
ولا يقتصر الأمر على استفادة أبوظبي من التكنولوجيا الأميركية، بل تحقق واشنطن بدورها مكاسب اقتصادية وصناعية مباشرة من هذه الشراكة. فمشروع إنشاء أول مصهر جديد للألمنيوم في الولايات المتحدة منذ نحو خمسين عاماً بواسطة "الإمارات العالمية للألمنيوم" يمثل نموذجاً للاستثمارات التي تدعم إعادة إحياء الصناعات الأميركية وتعزيز سلاسل التوريد المحلية.
كما تسهم الاستثمارات الإماراتية في خلق فرص عمل جديدة داخل الولايات المتحدة، وهو ما يمنح هذه العلاقة بعداً اقتصادياً وسياسياً يحظى باهتمام متزايد لدى صناع القرار الأميركيين.
وعلى الرغم من تصاعد أهمية التكنولوجيا، لا يزال قطاع الطاقة يشكل أحد أعمدة العلاقة بين البلدين. فشركات إماراتية كبرى مثل "أدنوك" و"مصدر" و"إكس آر جي" توسع حضورها في السوق الأميركية من خلال مشاريع وشراكات في مجالات الطاقة التقليدية والمتجددة والبنية التحتية.
وتنسجم هذه الاستثمارات مع الرؤية الأميركية الرامية إلى تعزيز أمن الطاقة وتنويع مصادرها، فيما تمنح الإمارات موطئ قدم أوسع داخل أكبر اقتصاد في العالم.
وتكشف التحركات الأخيرة أن واشنطن باتت تنظر إلى الإمارات باعتبارها أكثر من مجرد حليف إقليمي؛ فهي شريك اقتصادي وتكنولوجي قادر على المساهمة في تحقيق الأهداف الأميركية المرتبطة بالابتكار والصناعة والطاقة. وفي المقابل، تستفيد أبوظبي من الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق الأميركية بما يدعم استراتيجيتها للتحول إلى مركز عالمي للمعرفة والاقتصاد الرقمي.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة، تبدو الشراكة بين البلدين مرشحة لمزيد من التوسع، مدفوعة بتقاطع المصالح في القطاعات الأكثر تأثيراً في مستقبل الاقتصاد العالمي، وهو ما يفسر حرص الجانبين على الارتقاء بالعلاقة من مستوى التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.