مباحثات إيرانية عراقية في خضم توتر نووي وتصعيد إقليمي

فؤاد حسين يبحث مع نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زادة مسار العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها، إلى جانب تطورات الأوضاع الإقليمية ونتائج المفاوضات النووية بين إيران ودول 'الترويكا' الأوروبية.

بغداد/طهران - تحاول كل من إيران والعراق التعامل مع ضغوط داخلية وخارجية تهدد استقرارهما، في وقت تسعى فيه بغداد إلى لعب دور وساطة دبلوماسية بين واشنطن وطهران لتفادي تحوّل أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الطرفين، خصوصًا بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على إيران.
وقد استقبل وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، الأربعاء، نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زادة، في لقاء تناول مسار العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها، إلى جانب تطورات الأوضاع الإقليمية ونتائج المفاوضات النووية بين إيران ودول "الترويكا" الأوروبية.
ويأتي هذا التحرك في وقت تشهد فيه إيران ضغوطًا متزايدة على خلفية برنامجها النووي، فيما تتخوف بغداد من أن تؤدي أي مواجهة مفتوحة بين طهران وتل أبيب، أو بينها وبين واشنطن، إلى جرّ العراق إلى أتون صراع لا ناقة له فيه ولا جمل، خاصة في ظل هشاشة الوضع الأمني والسياسي في الداخل.

وتحدثت مصادر دبلوماسية عراقية تحدّثت لـوسائل إعلام محلية ودولية عن مساعٍ نشطة تقوم بها بغداد لاحتواء التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، مشيرة إلى أن الحكومة العراقية نقلت رسائل غير مباشرة بين الطرفين خلال الأيام الماضية، في محاولة لتخفيف التوتر وتجنب تفجر مواجهة جديدة، خصوصًا بعد العدوان الإسرائيلي الأخير الذي استمر 12 يومًا واستهدف مواقع عسكرية ونووية في العمق الإيراني.
وتضيف المصادر أن القيادة العراقية، في ظل الانقسام الداخلي والتجاذب السياسي، تدرك خطورة تحوّل أراضيها إلى ساحة للرد أو للانتقام، سواء من قبل الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، أو من خلال عمليات تستهدف مصالح أمريكية، ما قد يُشعل فتيل فوضى أوسع تعجز بغداد عن احتوائها.
وقد حملت الزيارة الأخيرة لخطيب زادة وفق مراقبين، رسائل واضحة بأن إيران تتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها "حربًا فعلية" على عدة جبهات، بدءًا من الهجمات العسكرية، مرورًا بمحاولات خنقها اقتصاديًا عبر العقوبات، وصولًا إلى حملات الضغط السياسي والدبلوماسي التي تقودها واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون.
وقد أشار الدبلوماسي الإيراني خلال اللقاء إلى أن العدوان الإسرائيلي الأخير "أعاد صياغة المفاهيم الأمنية والعسكرية" داخل إيران، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على طريقة تعامل طهران مع ملفات المنطقة، بما فيها العراق، الذي يشكل عمقًا استراتيجيًا لها.
لكن هذه "الهيمنة الإيرانية الناعمة" داخل العراق باتت محط انتقاد داخلي متزايد، سواء من قبل قوى وطنية تعتبر النفوذ الإيراني تجاوزًا للسيادة، أو من جهات شعبية ترى أن تورّط العراق في صراعات إقليمية أضرّ بالوضع الأمني والاقتصادي الهش.
والملف النووي الإيراني كان أيضًا ضمن المحاور التي طُرحت في مباحثات بغداد، حيث ناقش الطرفان نتائج المفاوضات الأخيرة بين طهران والترويكا الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا)، والتي وصلت إلى طريق مسدود بعد قرار الدول الأوروبية الثلاث تفعيل آلية "سناب باك"، التي تتيح إعادة فرض العقوبات تلقائيًا على إيران.
وكانت هذه الخطوة الأوروبية قد أتت بعد جولة مباحثات في جنيف، فشلت في تحقيق اختراق، وسط إصرار طهران على حقها في تطوير برنامجها النووي لأغراض سلمية، مقابل تشكيك غربي متواصل في نواياها.
وتخشى بغداد من أن تؤدي الضغوط الغربية على إيران إلى ردود فعل ميدانية في العراق، حيث لا يزال الوجود الأمريكي العسكري والاستخباراتي مستهدفًا بين حين وآخر، فيما تُتهم فصائل مسلحة عراقية موالية لطهران بتنفيذ عمليات تهديد لمصالح واشنطن وحلفائها.
وكان العدوان الإسرائيلي الأخير على إيران، الذي دام من 13 إلى 24 يونيو/حزيران، وشمل منشآت نووية وعسكرية، بمثابة جرس إنذار للمنطقة كلها، حيث أثار مخاوف من انزلاق سريع إلى مواجهة إيرانية–إسرائيلية شاملة قد تتحول إلى حرب إقليمية.
في هذا السياق، تؤدي الدبلوماسية العراقية دورًا حذرًا، إذ تسعى حكومة بغداد لاحتواء التوتر قدر الإمكان، وتقديم نفسها كطرف قادر على بناء جسور بين واشنطن وطهران، خصوصًا أن كليهما تربطهما علاقات ومصالح في الداخل العراقي، وإن كانت متفاوتة في طبيعتها وعمقها.