مبادرة أممية لتبادل الأسرى في السودان تمهّد لمسار تهدئة

مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان يقترح تنسيق آلية لتبادل الأسرى بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

الخرطوم - أعلنت الحكومة السودانية ترحيبها بمبادرة أممية جديدة تهدف إلى فتح مسار إنساني لتبادل أسرى الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، في خطوة يُنظر إليها باعتبارها اختبارا أوليا لإمكانية إعادة بناء قنوات ثقة بين الطرفين بعد أكثر من 3 أعوام على اندلاع الحرب.

وأكد وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم أن الحكومة تنظر بإيجابية إلى المقترح الذي قدّمه مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافستو، والمتعلق بتنسيق آلية لتبادل الأسرى بالتعاون بين مكتب المبعوث الأممي واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وشدد الوزير على التزام الحكومة بالإجراءات القانونية والدولية بشأن ملفات المحتجزين، مع التأكيد على أولوية الحفاظ على أرواح السودانيين داخل مناطق النزاع وخارجها.

في المقابل، لم تصدر قوات الدعم السريع موقفا رسميا فوريا من المبادرة، ما يترك الباب مفتوحا أمام احتمالات متعددة، تتراوح بين القبول المشروط أو التريث في انتظار ضمانات إضافية تتعلق بآلية التنفيذ والرقابة.

وتأتي هذه التطورات في سياق حرب مستمرة في السودان منذ أبريل/نيسان 2023، والتي دخلت عامها الرابع وسط تعثر واضح في مسارات التفاوض السياسية وغياب أي اختراق حقيقي نحو تسوية شاملة. وفي هذا الإطار، يبرز ملف الأسرى بوصفه أحد أكثر الملفات الإنسانية حساسية وتعقيدا، نظرا لتشابكاته القانونية والإنسانية والأمنية، ولارتباطه المباشر بملف الثقة بين طرفي النزاع.

ويُعد إشراك اللجنة الدولية للصليب الأحمر عنصرا محوريا في أي عملية تبادل محتملة، باعتبارها جهة محايدة تتمتع بخبرة طويلة في إدارة ملفات المحتجزين في النزاعات المسلحة. وقد سبق للجنة أن لعبت أدوارا لوجستية وإنسانية في مراحل سابقة من الحرب، شملت ترتيبات إطلاق سراح ونقل محتجزين، بناء على طلب أطراف النزاع وتحت إشراف دولي.

ويرى مراقبون أن إعادة تفعيل هذا المسار الإنساني قد يشكل مدخلا تدريجيا لخفض التوتر، حتى في ظل استمرار غياب اتفاق سياسي شامل، إذ غالبا ما تُستخدم عمليات تبادل الأسرى كبوابة لبناء الحد الأدنى من الثقة بين الأطراف المتحاربة.

غير أن هذا التحرك الأممي يتزامن مع تصاعد لافت في العمليات العسكرية والهجمات بالطائرات المسيرة ضد أهداف مدنية ومنشآت خدمية، ما يعكس هشاشة الوضع الميداني وتعقيد مسار أي تهدئة محتملة.

وفي ولاية النيل الأبيض، أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل شخصين وإصابة سبعة آخرين، بينهم امرأة، إثر هجوم بطائرة مسيرة استهدف محطة وقود في مدينة ربك. ووصفت الشبكة الحادث بأنه ثاني استهداف من نوعه خلال أقل من أسبوع في الولاية، محذرة من تداعيات استمرار ضرب البنية التحتية المدنية على الوضع الإنساني، خصوصا أن المنطقة تُعد ممرا رئيسيا لحركة الإمدادات والنازحين.

وفي تطور موازٍ، أفادت مجموعة "محامو الطوارئ" بأن هجوما بطائرة مسيرة استهدف سوق الصياح في شمال دارفور، ما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة العشرات، إضافة إلى اندلاع حرائق واسعة وأضرار كبيرة في السوق الذي يُعد مركزا تجاريا حيويا يخدم عشرات القرى في المنطقة.

ويعكس تزامن المبادرة الأممية مع تصاعد العمليات العسكرية مفارقة واضحة بين مسارين متناقضين: مسار إنساني يسعى إلى تخفيف آثار الحرب عبر تبادل الأسرى، ومسار ميداني يتجه نحو مزيد من التصعيد على الأرض.

وفي ظل هذا المشهد، يبقى مستقبل المبادرة مرتبطا بمدى استعداد الطرفين للانخراط في ترتيبات إنسانية أولية قد تشكل، ولو جزئيا، مدخلا لخفض التوتر، أو على الأقل تقليل كلفة الحرب على المدنيين الذين يواصلون دفع الثمن الأكبر للنزاع المستمر.