محمد بوعزة يتناول تأويل النص من الشعرية إلى ما بعد الكولونيالية

الوعي بأهمية المنهج الذي يشكل ملمحا ابستيمولوجيا لكل النظريات الحديثة، أسهم في بلورة استراتيجية القراءة الحديثة للنص العربي.


كل قراءة تأويل مادامت تصدر عن موقف ورؤية


من غير نوع ما من النظرية لن نعرف ما هو العمل الأدبي أصلا


التحليل الدلائلي بصفته علما للنص هو النص

أكد الناقد والباحث د. محمد بوعزة أن النقد العربي الحديث، وبفعل صيرورة المثاقفة، لم يكن بمعزل عن آثار التحولات النظرية والمعرفية. فقد أسهم الانفتاح على المرجعيات الغربية، في ضخ دينامية جديدة في صيرورة النقد العربي، أتاحت له أن يطور مفاهيمه وتصوراته وأشكال مقاربته للنص العربي، في مغامرة حضارية لا تخلو من تحديات لتجاوز "ثوابت القراءة الكلاسيكية" للنص العربي، نحو استكشاف قراءة حديثة. 
وقال في كتابه "تأويل النص من الشعرية إلى ما بعد الكولونيالية": إن الوعي بأهمية المنهج الذي يشكل ملمحا ابستيمولوجيا لكل النظريات الحديثة، قد أسهم في بلورة استراتيجية هذه القراءة الحديثة للنص العربي، التي يتطلع إليها النقد العربي الحديث منذ عصر النهضة، حيث تشكلت معالم وعي منهجي جديد في مقاربة النص العربي على أسس مرجعيات نظرية تراهن على علمية التحليل، أو على الأقل تراعي الشروط الابستيمولوجية المعقولة لإنتاج معرفة مقبولة بالنص". 
وقد استطاعت هذه القراءة الحديثة أن تؤسس منذ طه حسين مفهوما جديدا للأدب العربي، وأن تعيد قراءة روائع التراث العربي برؤى جديدة، أثارت سجالا نقديا عنيفا، يعكس عمق الاختلافات الاجتماعية والإيديولوجية بين خطابات النهضة العربية. 
ويندرج رهان الكتاب الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في سياق هذا الأفق المعرفي الجديد الذي فرضته النظريات الحديثة، والذي انخرط النقد العربي في مغامرته منذ عصر النهضة، حيث تمثلت المعضلة الأساسية لمشروعه النهضوي في إشكالية قراءة النص العربي. حيث ينشغل د. محمد بوعزة بتفكيك إشكالية القراءة في نماذج نظرية متعددة "الهرمنوطيقا السردية عند ريكور، سوسيولوجيا الرواية عند باختين، السيميائيات عند كريستيفا، سيميوطيقا القراءة عند إيكو، التفكيك عند دريدا، القراءة ما بعد الكولونيالية عند إدوارد سعيد". ويسعى إلى توضيح استراتيجية القراءة التي يقترحها كل نموذج، باستجلاء المفاهيم المؤطرة لسيرورة اشتغالها، واستقصاء المرجعيات التي تقف وراء أسسها.
 في سعيه وراء هذا الرهان المنهجي، ينطلق بوعزة من قناعة جوهرية تتمثل في مقولة تيري ايلغتون "من غير نوع ما من النظرية، مهما تكن متسرعة أو ضمنية، لن نعرف ما هو العمل الأدبي أصلا، أو كيف يجب أن نقرأه". حيث يرى أن كل قراءة تطمح إلى إنتاج معرفة ملائمة بالنص، ببنيته وسياقاته، لا بد لها من تحقيق درجة معقولة من الوعي المنهجي.

قراءة إدوارد سعيد في نقد الثقافة الغربية تنطلق من تفكيك النص بوعي متزامن يفرض على النص ازدواجا خطابيا، يتيح له قراءة ما هو مسكوت عنه.

يقترح بوعزة منظورا تأويليا للسرد، ينطلق من اعتباره أنموذجا للصياغة الذاتية للذات وللعالم، حيث رأى أن السرد بالنسبة لريكور يكشف عن جوانب شمولية في الوضع الإنساني. وتكمن أهمية الهيرمينوطيقا السردية عند بول ريكور في تجاوزها للتصور التقني الشكلاني للسرد الذي كرسته البنيوية، حيث تنظر إلى السرد على أنه خطاب رمزي لا ينفصل عن تجربة الإنسان في الوجود، لأن ما تنتجه الذات من قصص يتيح لها أفقا رمزيا لتمثيل تجربتها وتمثيلها، أي تأملها وتصويرها في خطاب تخييلي نوعي، هو عالم النص الذي تخلقه الحبكة السردية، حين تنقل التجربة من سياق زماني (عالم المرجع) يتميز بتشتت أحداثه وتنافر عناصره، إلى سياق تخييلي تنتظم عناصره المرجعية في إطار بنية الحكاية، مما يكسبها أبعادا فنية ودلالية جديدة. 
لذلك يؤكد بول ريكور على أهمية التجربة الإنسانية كبعد ثقافي رمزي مكون للسردية، لأنها تمثل مرجعا للسرد سواء كان سردا خياليا أو سردا تاريخيا. 
ويضيف أن "الهيرمينوطيقا السردية عند بول ريكور تجاوزها للسرديات البنيوية، بتأكيدها على مسألة المرجع، حين تستحضر مفهوم الزمانية، أي التجربة والعالم، ليس من زاوية نظرية الانعكاس التقليدية التي تلغي دينامية النص، بل من منظور تفاعلي يؤكد على دور البنية السردية والرمزية في إعادة صياغة الواقع، وفق ما تقتضيه استراتيجية السرد من تمثيل تخييلي للأحداث، بحيث يكون النص السردي نتاج تمفصل مزدوج بين التجربة والبنية السردية عبر وساطة التخييل السردي". 
ويقارب د. بوعزة النموذج الحواري الذي يصوغه باختين كخاصية محايثة للنص الروائي "تكمن قيمة هذا النموذج في طبيعته الدينامية، ذلك أنه يشيد استراتيجيته في القراءة في سياق حوار نقدي متعدد الأطراف، يسائل فيه انغلاق الشكلانيين الروس وشكلانية مقاربتهم الأدبية للنص، كما ينتقد النزعة المادية الآلية للفكر الماركسي في تفسير النصوص الأدبية، باعتبارها انعكاسا لوقائع إيديولوجية خارجية من جهة ثانية. وقد مكنه هذا الوعي النقدي المزدوج من صياغة نموذج حواري في قراءة النص الروائي قادر على فهم خصوصية إيديولوجية النص الروائي، بالتأكيد على اعتبار الشكل الحواري هو نقطة الارتكاز في كل تأويل للإيديولوجيا في الرواية".
ويتتبع مسار النموذج السيميائي الجديد عند جوليا كريستيفا في قراءة النص، الذي تقترح من خلاله علما جديدا للنص تسميه بـ "التحليل الدلائلي". وتكمن قيمة هذا "العلم الأدبي" من الزاوية الابستيمولوجية، في كونه يمثل نموذجا ديناميا تستخلصه كريستيفا من محاورتها لنماذج معرفية وفلسفية متعددة، النموذج اللساني (سوسور وبيرس) والنموذج التحليلي – نفسي (فرويد ولاكان) والنموذج الماركسي (ماركس وألتوسير). وهذا ما سمح لكريستيفا أن تطور علما للنص منفتحا على حدود التقاطع بين السيميائيات والمادية الجدلية والتحليل نفسي والفينومينولوجيا ونظرية الأدب والنسوية.
ويشير بوعزة إلى إن موضوع التحليل الدلائلي بصفته علما للنص هو النص. وتنبني استراتيجيته التحليلية كنقد للمعنى ولعناصره وقوانينه، وينطلق من تصور تفكيكي للنص "كجهاز عبر لساني يعيد توزيع نظام اللسان. بمعنى أن علاقته باللسان الذي يتموقع داخله هي علاقة إعادة توزيع (صادمة بناءة) ولذلك فهو قابل للتناول عبر المقولات المنطقية لا عبر اللسانية الخالصة".
ويقول "بهذا التصور التفكيكي لمفهوم النص، تكون كريستيفا أحد أبرز المنظرين الذين قاموا برسم معالم المنعطف الابستيمولوجي، من الابستيمي البنيوي إلى الابستيمي ما بعد البنيوي. ففي استراتيجية التحليل الدلائلي لم تعد غاية التحليل إظهار بنية موحدة للنص، تعتبر تجليا لبنية مجردة في إطار نحو النص، ولكن إنتاج بنينة للنص، تعين تعدده، وانفلاته من أي شكل (بنية) نهائي ومكتمل. وبذلك استبدلت الصورة السكونية المغلقة عن النص التي ترافق مفهوم البنية، بصورة دينامية تفكيكية مفتوحة، معبر عنها بمفاهيم الدلالية والهدم والبناء وإعادة التوزيع، والممارسة والإنتاجية". 

غلاف الكتاب
صعود أسطورة القارئ

وفي مقاربته استراتيجية التأويل تساءل بوعزة: هل التعددية متناهية أم لامتناهية؟ حاول تفكيك هذه الإشكالية من خلال قراءة مزدوجة تواجه بين البرنامج التأويلي عند إيكو الذي ينبني على مرجعية سيميوطيقية، وبين البرنامج التأويلي عند دريدا الذي ينبني على فلسفة التفكيك. 
يسلم إيكو بالتصور العقلاني الذي يعتبر التأويل سيرورة بناء للموضوع التأويلي، ويفترض هذا البناء للعلامة حدودا في تأويل دلالاتها. فالنص علامة سيميائية مادية يفرض حضوره بلغته ومعايير تجنسه وأعراف قراءته. هذه المعطيات ينبغي على كل تأويل استحضارها من أجل إنتاج فهم ملائم بالنص، لأنها تشكل تقييدات لسانية ونصية لمسار التأويل في بنائه لدلالات النص. 
على عكس ذلك، ينطلق البرنامج التأويلي لدريدا من تصور هرمسي للتعددية يعتبرها تعددية لامتناهية، بحيث يظل رهان التأويل مفتوحا على مغامرة اللانهائية. فلا وجود في تصوره التفكيكي لحدود نصية، ذلك أن ما يشكل هوية النص هو السيميوزيس (صيرورة إنتاج الدلالة) اللامتناهي، لأن كل علامة تحيل على علامة ضمن دورة هرمسية، بحيث لا تنتهي لعبة الإحالات المفتوحة عند حد أو غاية. والنص كأي علامة لا ينتج نفسه إلا من خلال اللعبة التكرارية للإحالات.
ويرى د. بوعزة في قراءة إدوارد سعيد في نقد الثقافة الغربية "قراءة تنطلق من تفكيك النص بوعي متزامن يفرض على النص ازدواجا خطابيا، يتيح له قراءة ما هو مسكوت عنه. بمعنى أنها تمارس نقدا من الداخل للنظرية الغربية، وبالتالي تمارس استراتيجيتها النقدية باعتبارها إعادة قراءة تفكيكية تنبني على وعي ما بعد كولونيالي بمفهوم الاختلاف بين التواريخ والثقافات، يمكنها من إحداث انزياح داخل الابستيمولوجيا الإمبريالية التي صاغت ضمنيا تصورات النظرية الغربية عن الآخر، وتحكمت في تمثيل صوره وعلاماته". 
ويؤكد أن "كل قراءة تأويل. مادامت كل قراءة تصدر عن موقف ورؤية، حين تموضع النص نظريا ضمن منظور معين. وبهذا المعنى التأويلي نفهم قولة ألتوسير لا توجد قراءة بريئة، لأننا كلنا مذنبون في القراءة. و"سوء القراءة"، أي عدم براءتها، نفهمه بالمفهوم التأويلي الإيجابي، الذي يعني استحالة وجود قراءة بريئة، منزهة عن سياسات التأويل ومصالحه الدنيوية، وبالتالي استحالة وجود قراءة أحادية تدعي نزاهة الحقيقة، متعالية على شروط سياقاتها المعرفية والثقافية والاجتماعية، وغير "ملوثة" - بتعبير إدوارد سعيد - بدنيوية المصالح والسلطة والموقع. 
إن سوء النية التأويلي هو ما يميز القراءة المنتجة باعتبارها فعلا تأويليا حفريا، ينتهك سلطة النص، بالحفر في المسكوت عنه، لأنها تفترض أن نوايا المؤلف لا تطابق بالضرورة مقاصد النص، وبذلك تنتهك سلطة المؤلف في فرض الوصاية على مجال تلقي النص وتداول دلالاته. بالمقابل هل توجد قراءة نزيهة "تصدر عن حسن النية؟ ولكن ما معنى حسن النية عندما يتعلق الأمر بالقراءة؟" إذا كان كل قارئ يقرأ النص انطلاقا من موقع معين "سلطة /طبقة/ عرق/ جندر" وفي ضوء الشروط الممكنة التي يتيحها سياق القراءة.
ويضيف بوعزة "ليس المهم ما يقوله المؤلف، مادام النص لا يصرح بكل علاماته، وما دامت كل علامة تحيل على علامة في سيرورة معقدة ومتجددة بتجدد سياقات القراءة. في دورتها يتجدد النص ويعيش أكثر من حياة. وإن التعدد الذي هو قدر كل قراءة خلاقة، ليس مسألة فوضى، أو نزوة ذات قارئة عصابية مهووسة تلتذ - بحسب بارث - بتفكيك علامات النص بحافز متعة اللعب، بل إن هذا التعدد إشكالية ابستيمولوجية جدية، إنه مسألة موت أو حياة، موت المؤلف وصعود أسطورة القارئ. وهو من الناحية الابستيمولوجية ضرورة نصية ومعرفية".