محمد حبلص: تجربتي الشعريّة في بداية تفتّحها اعتنقت فلسطين قضيّةً ووطنًا

الشاعر والدكتور: أنا حين أعتبر أنّ الشعر لا يخلو من المنطق لا أنفي عنه الحالة الفنيّة فالمنطق هو المضمون والفنّ هو الّلغة والأسلوب.
ضحى عبدالرؤوف
بيروت

يخطئ من يُبعد الشعرَ عن العقل والمنطق وهو إذا تجرّد منهما يصبح هلوسةً وهذيانًا لا بدّ للشعر أن يحافظ على رسالته القديمة الساميّة الّتي تتمثّل بقول شوقي :"والشعر إن لم يكن ذكرى وعاطفة أو حكمةً فهْو تقطيعٌ وأوزانٌ" والعاطفة في الشعر متشعّبة  فهي يمكن أن تكون من حبيبٍ إلى حبيب أو من الشاعر إلى الوطن أو إلى الإنسان والوجود وواهمون أولئك المهلوسون الذين يظنّون أنّ الشعر يخلو من الرسالة ولكنّ رسالته فنيّةٌ خالصة وهو ينبغي أن يعبّر عن الوجود تعبيرًا فنيًا مجرّدًا من المصلحة والأجر.

 إنّ الشعرَ الحق هو الّذي يُكتب لذاته ويخاطبُ الوجود بغير مصلحة سوى المصلحة الفنيّة ولا ضَير أن يكون منطقيًا ما دام يُكتب لأجل الفنّ ولأجل الإبداع متحررًا من القيود الّتي أوجدها الإنسان وقيّد نفسه بها والشعر في هذه الحال يكون مثالًا يُحتذى به يتعقّبه الطلاب والشعراء الجدد. فيتحررون هم كذلك من القيودِ المصنوعة ويكتبون الشعر لأجل الشعر وليس لأجل غاية أخرى، وفي هذا السياق يقول الشاعر والدكتور محمد حبلص" لقد استطعتُ في منهجيّتي الشعريّة أنْ أجمع حولي طلابي من الشعراء أرعاهم متأثرين بكتابتي دارسين لها وباحثين فيها طلاب ماستر ودكتوراه، وأنا بهم فخور وسعيد ولولا أنّ المنطق الّذي يحكمه الفنّ ويصوره موجودٌ في قصائدي لما التفّ الطلاب حولي وها أنا ذا في تجربتي الشعريّة أرعاهم وأُقيم لهم الأمسيات وأفسحُ أمامهم المجال واسعًا للمشاركة في إلقاء قصائدي في أمسيات مستمرّة . أنا حين أعتبر أنّ الشعر لا يخلو من المنطق لا أنفي عنه الحالة الفنيّة فالمنطق هو المضمون والفنّ هو الّلغة والأسلوب وهذان العنصران متحدّان منسجمان كلاهما يُعطي الآخر من ذاته وجوهره وفي هذا السياق أنفي قول القائلين:" إنّ الشعر يُكتب في اللا وعي" هذه المقولة خاطئة ومشوشة ومخرّبة إذْ إنّ الشعر للوهلة الأولى يأتي في لحظة اللا وعي  فكرةً وموضوعًا وقضيّة ولكن بعد هذه اللحظة الّتي تخلو من الوعي يتدخل العقل مقدّمًا اللغة الفنيّةَ التي تقدّم الموضوع للمتلقي قصيدةً شعريّةً زاخرةً بالصور الفنيّة، زاخرةً بعناصر الجمال. " ومع الشاعر والدكتور محمد حبلص أجريت هذا اللقاء.

 - تحرّر الشعر من المنتظم فانفلتت الأوزان وبات الشعر الموزون خاص جدًا وليس عام لماذا برأيك ؟ وهل تحافظ على الإيقاع الكلاسيكي في الشعر؟

في البدء أحييك عزيزتي وأشكرك كثيرًا على هذه المقابلة الّتي أتوخى من خلالها كشف الغموض عن الإشكاليّة المستمرّة التي تتمثّل بطبيعة القصيدة العموديّة والقصيدة الحديثة التفعيليّة ولا أعني سواهما في مسألة الشعر  وكتابة القصيدة لأنّ كلّ مكتوب يكون خارج المنظوم هو من النثر وليس من الشعر، ولا يكون الشعر نثرًا كما لم يكون النثر شعرًا، هذه حقيقة علميّة أكاديميّة مخوّلٌ أن أقولها بصراحة من غير مواربة ولا مهادنة، باعتبار أنّني أستاذ الأدب العربي في الجامعة اللبنانيّة، على أساتذة الأدب أن يعلّموا طلابهم الفرق بين الشعر والنثر، شكلًا وجوهرًا؛  لهذا يا عزيزتي أعتبر أنّ الشعر لم ينفلت من المنظوم في قصيدتيه الكلاسيكيّة العموديّة والحديثة التفعيليّة.  وفق النظام العمودي يكتب الشاعر قصيدته الّتي وفاقًا لبحر من البحور الخليليّة فتتألّف القصيدةُ من أبيات تنتهي  جميعها بروي واحد كالراء أو الباء أو اللام أو الهمزة…

أمّا قصيدة التفعيلة فهي كالعموديّة موزونة تمامًا وقد حلّت فيها الجملة الشعريّة محلّ البيت والجملة الشعريّة فيها تطول وتقصر وفاقًا لمزاج الشاعر وحاله النفسيّة والفنيّة وقد يتنوّع فيها الروي أو لا يتنوّع ليست المشكلة هنا، والفرق بين القصيدتين هو في الشكل وليس في المضمون؛ فالقصيدة القديمة شكلًا تتألّف كما ذكرنا من أبيات متتالية تنتهي برويٍ واحد، والقصيدة الحديثة شكلًا تتألّف من جملٍ شعريّة كما أسلفنا تنتهي برويٍ واحد أو قد يتنوّع الروي. هذا هو الفرق في الشكل وهو فرقٌ بسيط وهذا يقودنا إلى اعتبار الحداثة الشعريّة هي في المضمون وليست في الشكل؛ فنحن نصوّر ما يجري في العالم اليوم على النظام العروضي القديم أو الجديد وهذا يعني أنّ الحداثة في القصيدة هي مرتبطةٌ بمضمونها وليس بشكلها فما نفعُ قصيدة تفعيليّة تنتمي إلى ما عُرِف بالشعر الحر لتحرّرها من وحدة البيت ووحدة الروي إذا كانت لا تتصلُ بالحياة ولا تعبّر عن هواجس الإنسان ومشكلاته، وتستطيع القصيدة العمودية القديمة شكلًا أن تكون حديثة مضمونًا إذا عبّرت عن الحياة والإنسان وهي تستطيع وقد أثبتت التجربة ما أقول؛ وشاهدي على هذا هو شعر الأولين كالمتنبي وأبي تمام وأبي نواس وشوقي والأخطل الصغير الّذين جددوا في الشعر مضمونًا وحافظوا على المنظوم ولم يكسروا القاعدة ما زال شعرهم حيًّا بل خالدًا في ذاكرة الأمّة أكثر من الشعر التفعيلي، فنحن نجد في القصيدة العموديّة بيتًا واحدًا قد يختصر قصيدة تفعيليّة بكاملها وشعر المتنبي خيرُ مثال إذْ كان في بيتٍ واحد من الشعر يوجّه رسالة تعليميّة أو إرشاديّة أو ثوريّة وإنسانيّة وهذا يتمثّل بقوله في إرشاد الأمّة إلى حقيقة الدّين وجوهره:

" أغاية الدّين أنْ تحفوا شواربكم      يا أمّةً ضحكت من جهلها الأمم".

أو حين يطرحُ قضيّة الحريّة متفلسفًا في تعريفها بقوله:

 " والعبدُ ليس بحرّ صالحٍ لأخٍ      لو أنّه  بثياب الحرّ مولود".

إنّ الذين يعتبرون يا عزيزتي القصيدة العموديّة هي للخاصة من النخبة وهي ما زالت تفرض هيبتها على الساحة الأدبيّة ويهرب منها المتشاعرون لعجزهم على إنجابها بطريقةٍ جديدة، بلغةٍ جديدة، بموضوعاتٍ جديدة؛ فيهربون إلى التفعيلة وأنا ممن كتب دواوين من شعر التفعيلة ومنه من يهرب إلى كتابة النثر متوهمًا أنّ ما يكتبه شعر وليس النثر كالشعر كما ذكرنا في بداية الجواب، والدليل حجّة الله في القرآن الكريم على أولئك الذين اعتبروا القرآن شعرًا ووصفوا النبيّ بأنّه شاعر فنفى الله عنه صفة الشعر وقوله في الآية التالية:

وما علّمناه الشعر وما ينبغي له

إنّ الشعر علم وأهم عناصره الوزن وكلّ كلام خارج الوزن ليس شعرًا .

يزعجك النقد متى ؟ كيف؟ ولماذا ؟ ومن ينتقد محمّد حبلص اليوم؟

لا أغالي يا عزيزتي إذا قلت إنّ الناقدين الذين كتبوا نقدًا في شعري هم كثيرون وقد كثروا في هذه الآونة وهم في معظمهم أكاديميون أهلُ اختصاص وأساتذة جامعيون يفهمون أصول النقد ويسعون إلى الحقيقة الفنيّة المجرّدة وقد رافقتني الكتابات النقديّة منذ بداية تجربتي إلى اليوم؛ فنشرت في شعري مقالات نقديّة كثيرة في صحفٍ يوميّة ومجلّات أدبيّة متنوعة وأنا هنا أعترف بأنّني لم أنزعج من النقد الّذي تناول شعري لمرّة واحدة؛ لأنّني أؤمن بحرية الناقد كما أؤمن بحرية الشاعر.

إنّ الشاعر الّذي يزعجه النقد فيقبل بعضه ويرفض بعضه هو شاعرٌ إنتقائي ينتقي ما يوافق عنجهيته واستكباره وهو في هذه الصفة يجب أن لا يطلب لنفسه ما يرفضه لغيره. إنّ الشاعر الّذي يرغب أن يكتبَ الشعر متحررًا من الشروط والقيود الاجتماعيّة والسلوكيّة التي تفرضها العادات والتقاليد ينبغي كذلك أن يُفسح المجال أمام الناقد الّذي يتناول شعرَهُ ليقول فيه ما يجد من قبحٍ وجمال في الّلغة والموضوع،  وأنا أرى أنّ الناقدَ حين يتناولُ في دراسته شعرًا إنّما هو يخدمه ويسهمُ في انتشاره سواءٌ أأظهر قبحه أو جماله وإنّني لا أمدحُ نفسي إذا قلت أنا متسامحٌ ومؤمن بحرية الرأي والكلمة فلا أضعُ شروطًا على الناقد وهذه الصفة التسامحيّة هي ثابتةٌ في عقلي ووجداني وسلوكي وهي تدلّ على ثقتي بنفسي فلا أخافُ نقد الناقدين ولا أضع له حدودًا أمّا أولئك الشعراء الّذين يقيّدون النقد ويضعون له حدودًا ثقتهم بأنفسهم متزعزعة ولأجل هذا هم يُحبطون ويتقهقرون إذا أظهر الناقدون قبحَ ما يكتبون في الّلغة أو المضمون في المبنى أو المعنى.

إنّني يا عزيزتي بهذه الصراحة اتّصفتُ وما زلت أتّصف في تجربتي الشعريّة ولن أتخلى عنها كذلك كما لا يُحبطني النّقد السيء لا يُحبطني النُقد الجيّد فأنا متوازنٌ نفسيًا وشعريًّا فلا تأخذني الخفّة ولا أسلكُ طريقَ الاستكبار حين يصفني الكثيرون بأنّني الفارس الأخير في الشعر أو بأنّني المتنبّي الّذي ظهر في هذا الزمان بعد غيابٍ طويل.

مرحبًا بالنقد وأهله وأنا عن نفسي أُخبرك يا عزيزتي وأُخبر القارئ ها هنا أنّني أشعرُ بمتعةٍ فائقة حين أقرأ النقد الفنّي الأكاديمي في شعري أو شعر غيري لأنّ الناقد المبدع يُعيد كتابة القصيدة بلغته النقديّة فيقدّمها للمتلقي بأسلوبٍ أدبيٍّ فنّيٍ ممتع يُحدث في ذات المتلقي الدهشة لأنّه يُخرِجُ منه لآلئ وجواهر لم تكن لتظهر للقارئ أو ربّما للشاعر نفسه لولا أنّ استنبطها الناقد الأصيلُ وجلّاها.

- الشعر العاطفي والرومانسي والهجاء هل من شعر قدمته لحرب فلسطين التي ما زالت جراحها تنزف ؟ وهل القصيدة في الحرب لها من يسمعها او يهتم لها؟

لا أُخفيك الحقيقة  إذا قلت إنّ فلسطين لم تبرح شعري باعتبارها قضيّةً قوميّةً وإنسانيّة مقدّسة في فترةٍ من فترات حياتي بل إنّ تجربتي الشعريّة في بداية تفتّحها اعتنقت فلسطين قضيّةً ووطنًا وأمّةً وإنسانًا والدواوين الّتي تتصلُ بفلسطين في تجربتي كثيرة ومنها "زئير العاصفة" و("قصائد متمرّدة" و"وحروفي الخضراء تثمر كالنخيل" و "عشتار تمشي في بساتيني" وما زلتُ إلى الآن أشعر بأنّ جرحَ فلسطين ينزُّ دمًا في وجداني ويتدفّق ألمًا من شرياني وأنا في هذا السياق لا أُظهر تباهيًا ولا أطلبُ منّةً إنّما أنا كتبتُ – وإن كنت لبنانيًّا من حيث الحدودُ القطريّة – لأرضي، لوطني، لمقدّساتي، لأمّتي، لتاريخي وحاضري ومستقبلي وفي سياق هذه الحرب الحالية العدوانيّة الهمجيّة الإجراميّة التي يشنُّها اليهود الإسرائيليون على غزة ولبنان كتبتُ قصائدَ تؤكّد إلتصاقي بالقضيّة، بالقدسِ وقيمتِها في وجداننا وأكدّتُ اتّحادي بغزة وبأهلها وبمجاهديها وإليك الشاهد من قصيدة "أنا غزة"

" إنّني، يا ناسُ غَزّيُّ الهوى         أُعلنُ الحبَّ، ولا أُخفي التياعا

في فؤادي غضبٌ محتدِمٌ،            ضاق عنه العصرُ والدهرُ اتساعا

كيف للأمةِ أن ترضى دمًى،         هُتِكَ العِرضُ، ولم يُبدوا دفاعا!!!

قادةٌ فينا، وفي ساح الوغى           لم يكونوا الأُسْدَ، بل كانوا الضباعا"             

أمّا فيما يتعلّق بالقصيدة التي تُقال في الحرب وبما يتعلّق بتأثيرها في المتلقي فأنا أُجيب عن هذا السؤال المهم كثيرًا بقولي:إنّ القصيدة التي تُقال في الحرب تؤثّر في المتلقي في زمن الحرب ولها من يسمعها في زمانها وهذا بدهي؛ فالإنسان يعيشُ الحقيقة أعني حقيقة المجتمع الّذي ينتمي إليه فعلى سبيل المثال نحن متأثرون بقضية فلسطين في بلاد الشام وخصوصًا لبنان أكثرَ من الأقطار العربيّة الأخرى برغم وجود الإستثناءات فها هو لبنان فتح الحرب على حدود فلسطين مع اليهود الغزاة وهذا أمر بدهي لأنّ الحدود على الحدود والطبيعة الاجتماعيّة واحدة، لا يندفع الإنسان أو يتحمّس للقصيدة الثوريّة إذا كان يعيش في الرخاء والسلام؛ هذه حقيقة لا يمكن إغفالها في زمن السلام يكثر شعر الحبّ والغزل بل يُهيمن وتنتشر الموسيقى ويعمّ الطرب ومثال هذا في تاريخ العرب كثير؛ فأبو نواس في أجواء الخمر والغناء كتبَ الخمريات والغنائيات والّلذات أمّا المتنبي في أجواء السيف في كنف سيف الدولة كتبَ الحرب وصوّر المعركة بأجمل الصور الملحميّة.

- القصيدة الخالية من الافكار والموضوع هي وليدة خواجر ووجدانيات ما رأيك ؟ وهل تنتقد  من خلال القصيدة بعض المواضيع الحياتية؟

لقذ ذكرتُ في إجابة سابقة خلال هذه المقابلة أنّ هناك اتحادًا وتكاملًا بين شكل القصيدة ومضمونها وأنّ لا إنفصال بينهما وهما متحدان يكملُ أحدهما الآخر ولا قيمة للقصيدة أعني القيمة الفنيّة بالمضمون وحده أو الشكل وحده وما المضمون سوى الموضوع وما الشكل سوى العنصر الفني؛ لهذا فإنّ كلّ قصيدة تخلو من الموضوع فهي قصيدة خاوية ولدت من خِواء ينبغي على الشاعر حتّى يكتب قصيدة نافعة أن يكون ممتلئًا همًّا وحزنًا وألمًا وفرحًا وسعادةً وقلقًا حينئذٍ تولد القصيدة ممتلئةً بقضايا الحياة وقضايا الإنسان.

إنّ أولئك الّذين يكتبون قصائد غير نافعة موضوعيًا وفنيًا هم شعراء عابسون في جوهر القصيدة تائهون في طريقها متخبّطون في مستنقعات ضياعهم لا يدركون للنجاة سبيلا وإنّنا لنسألُ ماذا يبقى من هؤلاء بعد أن يرحلوا لا يخلد منهم شيئًا في وجدان الأمّة وذاكرتها لأنّ قصائدهم خاوية. أمّا الشعرُ الخالد يا عزيزتي فهو الشعر الّذي يحملُ قضيّة أو حكمةً ويُكتب بلغةٍ فنيّة.  إنّ الشعرَ حينئذٍ بمثل هذه الصفات تحفظه الأمّة، تتداوله جيلًا بعد جيل. أمّا ترين معي أنّ الأمّة في كلّ أقطارها ما زالت تتداول شعر المتنبي وستظلّ لأنّه لامس وجدانها وعبّر عن حقيقتها وهويتها أمّا شعراء الحداثة بمجموعهم من غير ذِكر أسمائهم إنّما هم - إن ذكروا- يذكرون بأسمائم ولا يذكرون بأشعارهم وهذا مثالٌ يؤكّدُ هيبة القصيدة العموديَة الكلاسيكيّة ومرونتها التي تُتيحُ لها الاستمرار عبر الأجيال وهي بهذا الاستمرار قصيدة حديثة لأنّ الحداثة في الشعر هي مواكبة الزمن وليست شكلًا أو زيًّا فلا ينبغي علينا أن ننخدع بالرجل الّذي يرتدي زيًّا أوروبيًّا فنظنّه حديثًا في عقله وجوهره، إذْ في التجربة يتبيّن لنا أنّه رجعيٌ بأفكاره فظٌ بأسلوبه فننفر من معاشرته كما لا ينبغي لنا أن ننخدع بالرجل الّذي يرتدي زيًّا بدْويًّا فنظنّه رجعيًّا متزمتًا بأفكاره وحين الاحتكاك به ومعاشرته نجدهُ إنسانًا ممتلئًا ثقافةً يؤمن بالانفتاح الثقافيّ والاجتماعيّ والفكريّ فنبرِمُ معه علاقةً وطيدة لأنّنا وجدنا فيه ما يتفقُ مع روحنا وفكرنا وأسلوبنا في الحياة.

- مقياس التفعيلة في الالقاء الصوتي الذي تحافظ عليه ويضعك في ميزان تنظيمي قد يصفه البعض بالمنظم هل تستنكر ذلك وكيف تصفه؟

إنّ القصيدة يا عزيزتي ما هي إلّا ذاك التردّد بين الصوت والصورة وما هي إلّا تلك العلاقة بين المبنى والمعنى وأشرتُ في جوابٍ سابق إلى أنّ لا شعر من غير وزنٍ والوزنُ هو الإيقاع وهو الموسيقى ولكن على الشاعر الحاذق أن يجعلَ إيقاع القصيدة ومضمونها في التئامٍ تام فلا يُغلّبُ عنصرًا على حساب آخر فلا يهتمُ بالإيقاع على حساب الصورة والمضمون ولا يهتم بالمضمون والصورة على حساب الإيقاع وهذا الثنائي كالتوأم يولد دُفعة واحدة وكما يصعبُ علينا التفريقُ بين عنصري التوأم كذلك يصعبُ علينا التفريق بين الإيقاع والصورة وهذه الولادةُ الشعريّةُ الفنيّةُ لا يلدها متشاعرٌ ومتنطّحٌ للشعرِ بغير حقّ وبغير معرفة بل يلدها الشاعر الشاعر الّذي يمكن له بالعلم والفطرة أنْ يوازيَ بين الإيقاع والفكرة وفي مثل هذا النموذج الشعري يتجلّى الإبداع الفنيّ وتحدثُ الدهشة في نفس المتلقي فيصرخُ ويُصفّقُ وينفعلُ دُفعةً واحدة من غير توطئة أو تمهيد وليس يعرف كيف تمّ كلّ هذا.

بهذا القدر من الصعوبة يا عزيزتي تتمّ كتابةُ القصيدة بهذه الخبرة بهذه المعرفة بهذه الممارسة وليس بالتعدّي على حرمة الشعر وقداسته وترين معي كثرةَ المتشاعرين والمتشاعرات في هذا الزمن، كثرة المنتهكين لحرمة الشعر الّذين صحّ فيهم قولي : " وما الشعرُ إلّا السيف يخزى إذا نبا           ويفتكُ في أيدي الكماة البواسل".

على الشاعر إذن أن يوائم بين الموسيقى والفكرة لكي يجذبَ السامع أو القارئ؛ فالموسيقى الشعريّة لها الفعل نفسه في السمع والوجدان ولا قيمة للطرب السمعِ غير الطرب الوجداني.

إنّ القصيدةَ من غير موسيقى ولو كان مضمونها عظيمًا تجعلنا نشعر بالبلادة والكسل وكذلك الموسيقى من غير قيمة مضمونيّة عظيمة هي تدعونا إلى حفلة رقصٍ صاخبة لا جدوى منها.