مراكش تحتفي بالسينما الجريئة بتتويج 'سماء بلا أرض'
مراكش (المغرب) - توج الفيلم التونسي "سماء بلا أرض" للمخرجة أريج السحيري بالنجمة الذهبية، الجائزة الكبرى للدورة الثانية والعشرين من المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، الذي اختُتمت فعالياته السبت بالمدينة الحمراء، في دورة نُظِّمت تحت رعاية العاهل المغربي الملك محمد السادس.
وأعلنت لجنة تحكيم المهرجان برئاسة المخرج الكوري بونغ جون هو، خلال حفل الاختتام هذه الدورة الذي احتضنه قصر المؤتمرات بمراكش وعرف حضور نجوم الفن السابع وشخصيات من عالم الفن والثقافة والإعلام، عن تتويج "سماء بلا أرض"، الذي استفاد من دعم برنامج ورشات الأطلس، وتنافس مع 12 فيلما أخرى من مختلف البلدان حول العالم.
وتدور أحداث الفيلم حول ثلاث مهاجرات أفريقيات جمعتهنّ الصدفة في تونس، وكنّ يأملن في حياة أفضل، غير أنّ أحلامهن تصطدم بصعوبات الواقع المرير.
ويروي الفيلم قصة "ماري" القسيسة الإيفوارية والصحفية السابقة المقيمة في تونس، والتي تستضيف في منزلها "ناني" الأم الشابة الطامحة إلى مستقبل أفضل، و"جولي" الطالبة الطموحة التي تحمل على عاتقها آمال أسرتها في الوطن. وحين تنضم إليهن "كنزة" الطفلة ذات الأربع سنوات والناجية من حادث غرق، يتحول ملاذهن الصغير إلى عائلة مختلطة دافئة رغم هشاشتها، وسط مناخ اجتماعي يزداد اضطرابًا وقلقًا.
وحاز فيلم "سماء بلا أرض"، إضافة إلى "النجمة الذهبية"، جائزة أفضل دور نسائي في شخص الممثلة الإيفوارية ديبورا لوبي ناني.
وأشادت لجنة التحكيم بالفيلم باعتباره "عملًا سينمائيًا يجرؤ على مقاربة العالم من منظور مختلف، مستندًا إلى قوة شاعرية نادرة ورؤية فنية منخرطة بعمق في الواقع"، واعتبرته "تجربة جريئة تدعو إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالآخرين وبأنفسنا".
وكشفت هذه الدورة عن أعمال مفعمة بالجرأة، أبدعها سينمائيون تأملوا تعقيدات العالم بعيون جديدة. ومنحت لجنة التحكيم جائزتها الخاصة مناصفةً للفيلمين الوثائقيين "بابا والقذافي" للمخرجة الأميركية الليبية جيهان ك، و"ذاكرة" للمخرجة الأوكرانية فلادينا ساندو، وهما فيلمان يحملان بصمة شخصية عميقة يتقاطع فيها الحميمي مع محطات كبرى من التاريخ.
أما جائزة أفضل إخراج، فعادت إلى البريطاني أوسكار هدسون عن فيلمه "دائرة مستقيمة"، الذي ترك انطباعًا لا يُنسى بفضل صرامته الشكلية وإبداعه الفني. كما أشادت اللجنة بالأداء التمثيلي لبطلي الفيلم لوك تيتنسور وإليوت تيتنسور، ومنحتهما تنويهًا خاصًا.
ونال الممثل النيجيري سوبي ديرسو جائزة أفضل ممثل عن دوره في الفيلم البريطاني–النيجيري "ظل والدي" لأكينولا ديفيز جونيور.
وتعكس هذه التتويجات قوةَ المسابقة الرسمية، وتشهد على سينما جريئة لا تخلو من عنصر المفاجأة، قادرة على تحريك المشاعر، ومدفوعةٍ برؤى متفرّدة وبأداءٍ قوي للممثلين.
وتكوّنت لجنة التحكيم، التي ترأسها بونغ جون هو، من مبدعين يعكس مسارهم انفتاح المهرجان على التجارب السينمائية العالمية. وضمّت اللجنة: المخرج البرازيلي كريم عينوز، والمخرج المغربي حكيم بلعباس، والمخرجة الفرنسية جوليا دوكورناو، والممثل والمخرج الإيراني بيمان معادي، والممثلة الأميركية جينا أورتيغا، والمخرجة الكورية–الكندية سيلين سونغ، والممثلة البريطانية–الأرجنتينية أنيا تايلور-جوي، لتقدّم بذلك رؤية متعددة دقيقة ومفعمة بالالتزام.
وأعرب رئيس لجنة التحكيم عن سعادته بالمشاركة في المهرجان، موجّهًا الشكر إلى المهرجان وكلّ المغاربة، وقال إن الأفلام المتنافسة "كلها عظيمة، وإن كان بعض أصحابها فقط فازوا بالجوائز، فإنهم جميعًا رابحون ويستحقون التصفيق الحار".
وكرّم المهرجان في هذه الدورة أربع شخصيات مغربية وعربية وعالمية بارزة، هي: الممثل المصري حسين فهمي، والممثلة والمخرجة الأميركية جودي فوستر، والمخرج المكسيكي غييرمو ديل تورو، والممثلة المغربية راوية، تقديرًا لمساراتها الفنية الثرية.
كما استضاف المهرجان، ضمن فقرة "حوارات"، مبدعين من آفاق متعددة تقاسموا تجاربهم ورؤاهم الفنية والفكرية مع جمهور عاشق للفن السابع.
واقترح البرنامج الرسمي للمهرجان قائمة واسعة من 81 فيلمًا تمثل 31 بلدًا موزعة على عدة أقسام، منها ثمانية في عرض عالمي أول، وتسعة أفلام استفادت من دعم "ورشات الأطلس"، وأربعة عشر فيلمًا تمثل بلدانها في سباق جوائز الأوسكار.
وبحسب المنظّمين، استقبلت الفعاليات أكثر من 47 ألف متفرّج، بينهم سبعة آلاف طفل ومراهق تابعوا برمجة قسم الجمهور الناشئ والأسرة، مما يؤكد أهمية نقل الإبداع والمعرفة، باعتبارهما جزءًا أساسيًا من هوية المهرجان.
وكرّست دورة هذا العام من "ورشات الأطلس"، التي كان عرّابها المخرج الروماني كريستيان مونجيو، دورها في دعم السينما من مختلف أنحاء القارة والمنطقة، بحضور 350 مهنيًا اجتمعوا حول 28 مشروعًا واعدًا.
وتميّزت فعاليات الدورة الثانية والعشرين بالاكتشاف والمشاركة والجرأة، وتجلّت في المدينة الحمراء مسارات فنية جديدة، وبرزت حوارات مبتكرة، ولاقت الإبداعات السينمائية صدى واسعًا لدى جمهور متفاعل.
ومن خلال الجمع بين اكتشاف المواهب وتكريم المخرجين المتمرّسين، يواصل المهرجان الدولي للفيلم بمراكش تكريس هويته كفضاء تتحرك فيه السينما بحرية، ويقترب فيه صانعو الأفلام من جمهورهم المحبّ للمشاهدة.