مشروع الكهرباء 24 ساعة تكريس للحكومة الخدماتية
تعطلت القطاعات الخدماتية في إقليم كردستان العراق نتيجة الحروب والمعارك التي قضت على الأخضر واليابس، كما أن الحصار الاقتصادي الذي كلف الشعب العراقي بجميع مكوناته ثمنًا باهظًا كان وراء تعثر الخطوات التنموية وقطع الطريق على الخطط الهادفة للنهوض بالبنية التحتية.
ومن المعلوم أن العراق يسبح على محيط من الموارد والطاقة، غير أن سوء الإدارة حال دون توظيفها لتلبية تطلعات المواطنين وتحقيق ما يبعد البلد عن منطقة الأزمات على الصعيد الخدمي، لكن ما دشّنته حكومة الإقليم بإعلان مشروع الكهرباء لمدة 24 ساعة يراه مراقبون خطوة مهمة على طريق البناء والازدهار، لأن توفير الكهرباء دون انقطاع، والتخلص من عوادم المولدات الأهلية، كانا بمثابة أحلام عصافير حتى الأمس القريب.
غير أن نجاح الحكومة وجرأتها في إطلاق هذا المشروع المبرمج بالحكمة والرؤية المستقبلية قد قلّص المسافات بين الإقليم ومرحلة التطور الفعلي على مستوى البنية التحتية. وأكثر من ذلك، فإن هذا المشروع يخدم بيئة إقليم كردستان العراق، ويؤدي إلى تقليص نسبة التلوث في الهواء. إذن، يُعدّ مشروع توفير الكهرباء على مدار 24 ساعة أحد أكثر المشاريع الاستراتيجية أهمية التي أنجزتها حكومة إقليم كردستان ضمن برنامجها الحكومي في الكابينة التاسعة، برئاسة السيد مسرور بارزاني.
ويأتي هذا المشروع في سياق رؤية حكومية ترمي إلى معالجة الإشكالات البنيوية في قطاع الطاقة، والانتقال من الحلول المؤقتة، أو ما يسمى مسكنات وحلولًا ملفقة، إلى المعالجات المستدامة طويلة الأمد. يعاني العراق عمومًا من أزمة كهرباء مزمنة تعود جذورها إلى عقود من غياب التخطيط، والاعتماد على المعالجات الجزئية، فضلًا عن الهدر المالي والإداري. وفي مقابل ذلك، يقدّم مشروع الكهرباء 24 ساعة في إقليم كردستان نموذجًا مغايرًا، يقوم على إعادة هيكلة قطاع الكهرباء، وتنظيم الإنتاج والتوزيع، وربط التسعير بالاستهلاك الفعلي، بما يحقق العدالة والكفاءة في آن واحد.
من الناحية الاقتصادية، يشكّل هذا المشروع ركيزة أساسية لتحفيز النمو، إذ إن استقرار الطاقة الكهربائية شرط جوهري لجذب الاستثمارات، وتطوير القطاعات الصناعية والتجارية، وتحسين بيئة الأعمال. كما يسهم المشروع في تقليل الاعتماد على المولدات الخاصة، وما يرافقها من كلفة عالية وتلوث بيئي، وهو ما ينعكس إيجابًا على الصحة العامة والإنفاق الأسري.
أما على المستوى الإداري، فإن المشروع يعكس توجّه حكومة مسرور بارزاني نحو ترسيخ مبدأ الحوكمة الرشيدة، وربط الخدمات العامة بالإصلاح المؤسسي. فالكهرباء هنا لم تعد مجرد خدمة، بل أداة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والحكومة، من خلال تقديم خدمة مستقرة وقابلة للقياس والتقييم.
إن أهمية مشروع الكهرباء 24 ساعة لا تكمن فقط في نتائجه المباشرة داخل إقليم كردستان، بل في كونه تجربة رائدة على مستوى العراق، حيث لم تنجح أي حكومة اتحادية حتى اليوم في تحقيق هذا الهدف بشكل شامل ومستدام. وعليه، يمكن النظر إلى هذا المشروع بوصفه نموذجًا قابلًا للدراسة والاستفادة منه في باقي مناطق البلاد.
خلاصة القول، إن مشروع الكهرباء 24 ساعة يمثّل تجسيدًا عمليًا لرؤية سياسية وإدارية واضحة، ويؤكد أن توفر الإرادة السياسية، كما في تجربة حكومة إقليم كردستان برئاسة مسرور بارزاني، قادر على تحويل الملفات المعقّدة إلى فرص إصلاح حقيقية ذات أثر ملموس.