مي فاروق تستحضر إرث أم كلثوم على مسرح قرطاج

سهرة الفنانة المصرية ضمن فعاليات مهرجان قرطاج تأتي امتدادا رمزيا لعلاقة خاصة ربطت كوكب الشرق بتونس.

تونس - اعتلت الفنانة المصرية مي فاروق، السبت، ضمن فعاليات الدورة التاسعة والخمسين من مهرجان قرطاج الدولي، ركح المسرح الأثري، لتقدم عرضا غنائيا بعنوان "أم كلثوم".

ويتنزّل العرض ضمن مرور 50 عاما على رحيل سيدة الطرب العربي وكوكب الشرق أم كلثوم (31 ديسمبر/كانون الأول 1898 - 3 فبراير/شباط 1975). وقد خُصّصت هذه السهرة الطربية لاستعادة أبرز أعمال أم كلثوم التي لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية.

وبدأت صفوف طويلة من الجماهير تتشكل أمام بوابات المسرح منذ ساعات المساء الأولى، في مشهد قلّ أن يتكرر في مثل هذه الأنماط الموسيقية عدا الأعمال التجارية. وقد توافدت أعداد كبيرة من المتفرجين من مختلف الأعمار على المسرح بالآلاف فاقت طاقة الاستيعاب التي تناهز 10 آلاف متفرج، بحسب وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، فامتلأت الممرات الجانبية وحتى المنافذ المخصصة لتدخل فرق الحماية المدنية، وهو ما اضطر عددا غير قليل من الحاضرين إلى متابعة العرض وقوفا.

وكان واضحا أن ما جمع هذا الجمهور هو عشقه للطرب في المقام الأول ثم الوفاء لفن ما يزال يحتفظ بقيمته رغم تغير الذوق العام وتحولات الصناعة الموسيقية. ومنذ اللحظات الأولى لصعودها إلى الخشبة، استحوذت مي فاروق على اهتمام الحضور.

وأطلّت مي فاروق بفستان أسود اللون أنيق يليق بالمناسبة ووقار ظاهر يشبه رهبة الوقوف أمام إرث أم كلثوم. واستهلت السهرة بأغنية "الحب كله" لتدخل مباشرة في صلب ما جاء الناس من أجله وهو إعادة إحياء أغاني أم كلثوم دون محاولة نسخها.

أما الميزة الأساسية في أداء مي فاروق أنها لا تقلّد أم كلثوم في صوتها وإنما هي تؤدي لها فقط، فهي تملك صوتا قويا قادرا على التلوين المقامي والتعامل مع الجمل الطربية الطويلة بمرونة. وقد بدا أداؤها متزنا يحترم بنية الأغاني الأصلية من دون إخلال ويُبقي على روح النص الموسيقي في مقابل اجتهاد محسوب في التفاصيل الصوتية.

ورافقت مي فاروق فرقة موسيقية تونسية تتضمن عازفين متميزين، تولى قيادتها المايسترو محمد الأسود الذي حافظ على الانسجام والتناغم بين الآلات الوترية والإيقاعية المختلفة ما ساعد على إبراز طبيعة هذه الأعمال الكلاسيكية من دون مبالغة في التوزيع أو البحث عن عناصر تجديد خارجة عن السياق.

وامتد البرنامج الغنائي حوالي ساعتين ونصف الساعة. وشمل باقة من أشهر ما غنّت أم كلثوم منها بالخصوص "الحب كله" و"هذه ليلتي" و"على بلد المحبوب" وجددت حبك ليه" و"فات الميعاد"، ليكون مسك ختام السهرة مع رائعة "ألف ليلة وليلة" التي أرادتها مي فاروق تخليدا لهذه الإطلالة على مسرح قرطاج العريق.

وتنقلت مي فاروق بين هذه الأغاني بثبات وثقة دون استعراض صوتي زائد. كما حافظت على وتيرة أداء سلسة. وكان تفاعل الجمهور لافتا حيث ردّد البعض الكلمات مع الفنانة فيما اكتفى آخرون بالإنصات وفي كل الحالات كان التصفيق يملأ المكان عند نهاية كل مقطع.

ورغم الجماليات البصرية المرافقة للعرض، إلا أن الرهان كان جليا بقوة وهو ما منح الصوت والموسيقى المساحة الكاملة. ومع نهاية الحفل، وقفت مي فاروق تحية للحاضرين وسط تصفيق طويل مخلّدة اسمها في قائمة كبار الفنانين الذين نالهم شرف الصعود على ركح هذا المسرح العريق.

وقد بدت هذه السهرة التي قدّمتها مي فاروق على ركح المسرح الأثري بقرطاج أيضا امتدادا رمزيا لعلاقة خاصة ربطت كوكب الشرق أم كلثوم بتونس، وهي علاقة تتجاوز البعد الفني لتلامس الذاكرة الوطنية والسياسية للشعب التونسي.

ففي ربيع سنة 1968، زارت أم كلثوم تونس بدعوة رسمية. وأحيت حفلين تاريخيين بقصر الرياضة بالمنزه يومي 31 مايو/أيار و3 يونيو/حزيران وذلك بمناسبة الاحتفال بالذكرى الثالثة عشرة لعيد النصر (1 يونيو/حزيران 1955)، وهي ذكرى إعلان الاستقلال الداخلي وعودة الزعيم الحبيب بورقيبة من منفاه إلى أرض الوطن.

كانت تلك الزيارة لحظة فارقة حيث استقبلت أم كلثوم استقبال القادة والزعماء، واعتُبر حضورها في تونس تتويجا لمرحلة من التلاقي الثقافي والسياسي بين مصر وتونس، فكان الحفل مناسبة للتعبير عن الانتماء المشترك إلى الفضاء العربي في بعديه الفني والنضالي.

وقد احتفظت الذاكرة التونسية بتلك المناسبة بسبب الأداء الفني الكبير الذي قدّمته "الست" ولأنّ حضورها جسّد نوعا من الإجماع حول صوت أصبح وقتها جزءا من الوجدان العربي المشترك. ومن هذه الزاوية، بدت سهرة مي فاروق السبت، تواصلا حيا مع لحظة تاريخية جمعت تونس بصوت كوكب الشرق أم كلثوم الذي لم ينقطع.

وأعربت مي فاروق في الندوة الصحفية التي تلت العرض عن سعادتها بالحفل الذي قدّمته ضمن فعاليات الدورة 59 لمهرجان قرطاج الدولي والذي خصص لإحياء الذكرى الخمسين لرحيل كوكب الشرق أم كلثوم.

ووصفت مشاركتها في مهرجان قرطاج بـ"الليلة التي يصعب تسميتها"، قائلة "لو كان عليّ أن أختار عنوانا لهذه السهرة فلن أجد أفضل من ليلة بألف ليلة لأنها ببساطة مختلفة ومميزة وغالية جدا على قلبي".

وذكرت أن اختيارها لإحياء ذكرى أم كلثوم في مهرجان قرطاج كان "شرفا عظيما ومسؤولية كبرى"، مشيرة إلى أن هذا المسرح يعتبر من أبرز المنصات الفنية في العالم العربي والوقوف عليه ليس بالأمر الهيّن، مشيدة بالجمهور التونسي الذي حضر العرض بأعداد كبيرة تجاوزت طاقة استيعاب المسرح، مؤكدة أنه جمهور "سميع، وعارف ويقدّر الجهد والعمل المتقن".

وفي ردّها على أسئلة بعض الصحفيين حول ما إذا كانت تجد صعوبة في الخروج من عباءة أم كلثوم، أكدت مي فاروق أن أداءها لأعمال كوكب الشرق لا يمثل عائقا أمام هويتها الفنية الخاصة وإنما يشكّل امتدادا طبيعيا لمسارها الغنائي.

وفي هذا السياق، قالت "أنا لا أقلّد أم كلثوم بل أؤدي لها، وهذا بحد ذاته أمر صعب لأن الناس متعلقة بالأصل ومرجعيتها عالية جدا... فلو الجمهور قَبِل مني هذا اللون فهذه شهادة نجاح لا قيد"، مضيفة أنها مستمرة أيضا في تقديم أعمالها الخاصة "لكن أم كلثوم تظل مدرسة نعود لها دائما".

وسُئلت مي فاروق عن مستقبل هذا العرض الطربي وهل من نية لتقديمه في بلدان عربية أخرى، فأجابت بأن المشروع ليس وليد اللحظة بل هو تجربة مستمرة منذ سنوات وقد سبق أن قدمته في عواصم عربية مختلفة، مؤكدة نيتها مواصلة إحياء ذكرى كبار الفنانين من الزمن الجميل.

ومن جانبه، تحدّث المايسترو محمد لسود، قائد الفرقة الموسيقية التونسية التي رافقت مي فاروق في العرض، عن صعوبة انتقاء الأغاني نظرا لضخامة إرث أم كلثوم وتنوعه بين القصائد والأدوار والمونولوغات، مضيفا "لم يكن من الممكن إحياء ذكرى أم كلثوم دون أداء أعمال "حب ايه" و"حلم"، لقد سعينا إلى تقديم مزيج من مختلف الأنماط الغنائية التي اشتهرت بها من القصائد إلى المونولوغات والأدوار. وقد ساعدنا على ذلك إلمام مي فاروق الكبير بهذا الرصيد إذ كانت على جاهزية تامة لكل مقترح وأدته بإتقان ودون تكلّف".

ويمتد المهرجان الذي يرتبط اسمه بإحدى أشهر المدن التونسية حتى الحادي والعشرين من أغسطس/آب الجاري ببرنامج يشمل 20 سهرة فنية متنوعة من بينها ثمان تونسية وتسع عربية وثلاث عالمية.

وانطلقت الدورة التاسعة والخمسون لمهرجان قرطاج الدولي بالعرض الأوبرالي "من قاع الخابية" للموسيقار محمد القرفي في سهرة فنية مستمدة من ذاكرة الموسيقى التونسية. لكن على غير المعتاد جاء الإقبال على الحفل ضعيفا، وقد عبّر عدد من الحضور لوكالة تونس أفريقيا للأنباء "وات" عن خيبة أملهم إزاء ما وصفوه بعرض "دون المنتظر لا يرقى إلى مستوى افتتاح مهرجان عريق كمهرجان قرطاج الدولي".

وكان برنامج الدورة التاسعة والخمسون، التي تقام للمرة الأولى منذ تأسيس المهرجان دون مدير فني، تعرض لانتقادات متعددة قبل انطلاقه تعلق بعضها بترشحيات المشاركين والتنظيم.

ويضم برنامج هذه الدورة عشرين عرضا لفنانين وفرق موسيقية من تونس وبلدان عربية وأجنبية. وقد غابت القارة الأفريقية تقريبا عن برمجة هذه السنة، لأول مرة، رغم الدور التاريخي للمهرجان في مدّ جسور التعاون الثقافي والفني بين شمال القارة وعمقها الأفريقي، في حين تستأثر العروض العربية بنصيب الأسد ضمن البرمجة حيث تسجل الدورة حضورا لافتا لأصوات فنية من أجيال مختلفة.