ناصيف زيتون يجدد لقاءه بجمهور قرطاج

الفنان السوري يحيي سهرة استثنائية شكل خلالها مع الحضور بمدارج المسرح الأثري العريق لوحة من الانسجام والتفاعل.

تونس - في ثامن عروض الدورة الـ59 من مهرجان قرطاج الدولي جدّد الفنان السوري ناصيف زيتون العهد مع جمهور نسج معه علاقة متينة وخاصة منذ صعوده الأول على ركح المسرح الأثري العريق سنة 2017. ومنذ اللحظات الأولى لاعتلائه الركح، تجلّت الكيمياء التي تسري بين الفنان وجمهوره وتعززت على نسق أغنية "تكة" التي ترشح إيقاعات وحماسة وهو ما ينسحب أيضا على "نامي عصدري".

وفي لقائه بجمهوره، الذي لم يخلف معه الموعد للمرة الخامسة على التوالي، لم يخف ناصيف زيتون انتظاره لمهرجان قرطاج الدولي من سنة إلى أخرى وعن قربه من قلبه الذي يكبر بلقاء جمهوره، على حد تعبيره.

ففي ليلة استثنائية نسج فيها الفنان السوري وجمهور قرطاج خيوط عشق لا تنقطع، كان الصوت واحدا والفرح مضاعفا، في أمسية جددت العلاقة الفريدة التي تجمع هذا الفنان بجمهور قرطاج.

أطل ناصيف زيتون الأربعاء ضمن فعاليات الدورة 59 لمهرجان قرطاج الدولي، ليؤكد من جديد أن هذا الركح له مكانة خاصة في قلبه، وأن لقاء جمهوره هنا موعد ينتظره من سنة إلى أخرى بشغف لا يخبو، جمهور يليق به لقب "الجمهور الكورال"، إذ لم يفوت مقطعا إلا وردده معه بصوت واحد، ليشكلا معا لوحة من الانسجام والتفاعل.

وتميز الحفل ببداية مؤثرة قدم فيها زيتون تحية وفاء للملحن والمبدع الراحل زياد الرحباني الذي غيبه الموت في السادس والعشرين من يوليو/تموز الجاري، وذلك بأداء أغنية "قديش كان في ناس" التي لحنها الراحل لوالدته السيدة فيروز، فكانت لحظة امتنان لجيل كامل من العمالقة الذين أثروا الذاكرة الفنية العربية.

ووفاء لفلسطين، غنى ناصيف زيتون أيضا أغنية "وين ع رام الله" مهديا إياها للجمهور العربي، في لحظة وحدت القلوب تحت سماء قرطاج وأكدت أن الفن يظل صوتا حرا للقضايا العادلة.

ولأن قرطاج يزدهر بالمفاجآت، استضاف زيتون الفنان التونسي مرتضى الفتيتي، ليقدما معا ديو "يا سيدي انسى"، ويكشفا عن مقطع من عمل جديد. وبطلب من زيتون، غنى مرتضى أغنيته الشهيرة "يا بابا"، فشارك الجمهور الفنانين ترديدها بمحبة، ليزيد هذا التلاحم من حرارة السهرة.

وعلى مدى ساعتين، غنى ناصيف زيتون باقة من أشهر أغانيه التي يحفظها الجمهور عن ظهر قلب، مثل "حب جنون"، و"نامي على صدري"، و"مش عم تزبط معي"، و"أزمة ثقة"، و"مجبور"، وغيرها، ليحول مدرجات قرطاج إلى فضاء مفتوح للعشق والغناء الجماعي بصوت واحد.

وظل ناصيف زيتون منذ فوزه بلقب "ستار أكاديمي" عام 2009، وفيا لصوته وجمهوره، مضيفا إلى رصيده ألبوم "يا صمت" (2013) و"طول اليوم" (2016) وعددا من الأغاني التي تصدرت الاستماعات على منصة اليوتيوب خاصة منها أغاني شارات بداية مسلسلات عربية ناجحة مثل "الهيبة" و"للموت".

وفي كل محطة، يثبت ناصيف زيتون أن بينه وبين جمهوره خيوط عشق وصوتا واحدا لا ينقطعان من قرطاج إلى كل مسارح الفن العربي، إذ طيلة البرنامج الغنائي كان صوته يتلوّن دون أن يتغيّر، فيه مساحات من اللين والقوة والعذوبة والعاطفة، توليفة يجيد تعديلها والتحكم فيها فهو لا يكتفي بإطلاق صوته من حنجرته، بل يوشح الكلمات بشحنة من الإحساس. وفي تنقله بين أغانيه القديمة والجديدة، لم تكن هناك فجوة في التلقّي، خاصة وأن الجمهور يتتبع النسق ويحفظ  التحوّلات، وينغمس مع كل تغيير وهو ما يعكس علاقة خاصة بين الفنان والجمهور، وبين الصوت والمغنى والإحساس بالمعنى.

ويمتد المهرجان الذي يرتبط اسمه بإحدى أشهر المدن التونسية حتى 21 أغسطس/آب المقبل ببرنامج يشمل 20 سهرة فنية متنوعة من بينها ثمان تونسية وتسع عربية وثلاث عالمية.

وانطلقت الدورة التاسعة والخمسون لمهرجان قرطاج الدولي بالعرض الأوبرالي "من قاع الخابية" للموسيقار محمد القرفي في سهرة فنية مستمدة من ذاكرة الموسيقى التونسية. لكن على غير المعتاد جاء الإقبال على الحفل ضعيفا، وقد عبّر عدد من الحضور لوكالة تونس أفريقيا للأنباء "وات" عن خيبة أملهم إزاء ما وصفوه بعرض "دون المنتظر لا يرقى إلى مستوى افتتاح مهرجان عريق كمهرجان قرطاج الدولي".

وكان برنامج الدورة التاسعة والخمسون، التي تقام للمرة الأولى منذ تأسيس المهرجان دون مدير فني، تعرض لانتقادات متعددة قبل انطلاقه تعلق بعضها بترشحيات المشاركين والتنظيم.

ويضم برنامج هذه الدورة عشرين عرضا لفنانين وفرق موسيقية من تونس وبلدان عربية وأجنبية. وقد غابت القارة الأفريقية تقريبا عن برمجة هذه السنة، لأول مرة، رغم الدور التاريخي للمهرجان في مدّ جسور التعاون الثقافي والفني بين شمال القارة وعمقها الأفريقي، في حين تستأثر العروض العربية بنصيب الأسد ضمن البرمجة حيث تسجل الدورة حضورا لافتا لأصوات فنية من أجيال مختلفة، من ذلك نجوى كرم ونانسي عجرم والموسيقار إبراهيم معلوف وغيرهم، إلى جانب الفنانة الإماراتية أحلام التي ستختتم عروض الدورة.