نبيلة عبيد.. ذاكرة السينما المصرية
القاهرة – في مشهد يختلط فيه الحنين بالاعتراف، عاد اسم الفنانة المصرية القديرة نبيلة عبيد إلى دائرة الضوء بعد تكريمها الأخير من التلفزيون المصري، فكانت المناسبة وكأنها إعادة قراءة لمسيرة فنية امتدت لأكثر من خمسة عقود، صنعت خلالها عبيد حضورا استثنائيا في السينما والدراما، وأصبحت رمزا من رموز الثقافة الشعبية في مصر والعالم العربي.
وربطت عبيد، التي وصفت مبنى ماسبيرو بـ'البيت الأول'، لحظة تكريمها بالذاكرة العاطفية لبداياتها الفنية، حين كان التلفزيون المصري منصة لصناعة النجومية وتشكيل وجدان الجمهور. ويضيف هذا البعد العاطفي إلى التكريم قيمة تتجاوز الدرع التقديرية التي تسلمتها، ليصبح بمثابة اعتراف مؤسسي بدور الفن في صياغة الهوية الوطنية، وتأكيد على أن النجومية ليست مجرد حضور على الشاشة، بل علاقة ممتدة بين الفنان والجمهور.
واستطاعت الديفا المصرية منذ أواخر الستينيات، أن تفرض نفسها كوجه صاعد، لتتحول سريعا إلى 'نجمة مصر الأولى'. وتنوعت أعمالها بين الدراما الاجتماعية والرومانسية والتشويق، لكنها اشتهرت خصوصا بأدوار المرأة القوية والمثيرة للجدل، ما جعلها رمزاً للتعبير عن تحولات المجتمع المصري. ومنحها هذا التنوع قدرة على الجمع بين الأداء الفني والجاذبية الجماهيرية، وهو سر استمرارها لعقود طويلة دون أن تفقد بريقها أو تأثيرها.
وداء تكريمها الأخير في إطار احتفالي على هامش تسجيل سهرة تلفزيونية خاصة بعيد الأضحى، حيث شاركت جمهورها عبر وسائل التواصل الاجتماعي صورة جمعتها برئيس قطاع التلفزيون المصري خلال تسلمها الدرع التقديرية. وقد أثار الحدث تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل، حيث اعتبر كثيرون أن الاحتفاء بها هو تكريم لجيل كامل من الفنانين الذين أسسوا ملامح السينما المصرية الحديثة.
وتكمن أهمية الحدث أيضا في رمزيته الثقافية، ففي وقت تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتنافس المنصات الجديدة على جذب الجمهور، تبدو العودة إلى رموز مثل نبيلة عبيد بمثابة تذكير بأن النجومية لم تكن مجرد أرقام مشاهدات أو متابعات على الشبكات الاجتماعية، بل علاقة عميقة صنعتها أعمال ناقشت قضايا اجتماعية وإنسانية، وقدمت شخصيات نسائية مركبة لا تزال حاضرة في المخيلة.
وقد تعاونت عبيد مع نخبة من كبار المخرجين والمؤلفين، ما أتاح لها فرصا فنية غنية ساهمت في صقل موهبتها وتعزيز مكانتها. ومن أبرز ما ميّز مسيرتها الفنية قدرتها على تجسيد شخصيات تعكس أبعاداً إنسانية واجتماعية عميقة، حيث عُرفت بأدوار المرأة القوية والمثيرة للجدل في آن واحد. هذا التنوع في الأداء جعلها تحظى بشعبية واسعة لدى مختلف فئات الجمهور، ورسخ مكانتها كواحدة من أهم نجمات الشاشة.
وإلى جانب السينما، كان لها حضور مهم في الدراما التلفزيونية، حيث قدمت أعمالا لاقت نجاحا كبيراً على مستوى المشاهدة والنقد، وأسهمت في ترسيخ صورتها كفنانة شاملة قادرة على التنقل بين الوسائط الفنية المختلفة.
وقد شكل هذا التنوع أحد أسرار استمرارها في الساحة الفنية لعقود طويلة دون أن تفقد بريقها أو تأثيرها.
وجاء تكريمها الأخير من التلفزيون المصري ليؤكد مجددا قيمة هذه المسيرة، وليسلط الضوء على رمزية العلاقة بين الفنان والمؤسسات الإعلامية الوطنية، خاصة أن ماسبيرو كان وما يزال منصة رئيسية لصناعة وتوثيق تاريخ الفن المصري. وقد عبّر عدد كبير من الفنانين والإعلاميين عن تقديرهم لهذا التكريم، مشيدين بما قدمته نبيلة عبيد من أعمال أثرت الساحة الفنية، ومعتبرين أن استمرار تكريم رموز الفن يعد خطوة مهمة للحفاظ على الذاكرة الثقافية وتقدير روادها.
وبين الماضي والحاضر، تظل مسيرة نبيلة عبيد نموذجاً لمسيرة فنية استثنائية استطاعت أن تجمع بين الاستمرارية والتجديد، وبين الحضور الجماهيري والاعتراف النقدي. ومع كل تكريم جديد، تتجدد الإشادة بإرثها الفني الذي لا يزال حاضراً في وجدان المشاهد العربي، ليبقى اسمها واحداً من أبرز الأسماء في تاريخ السينما المصرية والعربية.