هجرة العقول تضرب مفاصل اقتصاد إسرائيل منذ هجمات 7 أكتوبر

موجة مغادرة للكفاءات غير مسبوقة منذ عام 2023 جراء الأزمات السياسية والأمنية المستمرة في دولة الاحتلال تؤدي إلى نزيف حاد في قطاعات الطب والتكنولوجيا والبحث العلمي وتضرب تنافسية الاقتصاد على المدى الطويل.
ظاهرة تؤثر على الفئات الاكثر دخلا والاقل عمرا
خسائر ضريبية فادحة وتراجع ملحوظ في الاستقرار الأكاديمي والمهني

تل أبيب - منذ اندلاع الأزمة السياسية التي رافقت مشروع تعديل النظام القضائي مطلع عام 2023، ثم الحرب المستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، تحولت ظاهرة هجرة أصحاب الكفاءات من إسرائيل من ملف اقتصادي محدود إلى مصدر قلق استراتيجي يتصدر عناوين الصحف الإسرائيلية، وسط تحذيرات من أن البلاد تشهد أكبر موجة "هجرة عقول" منذ سنوات.

وتجمع صحف اقتصادية وعامة، بينها "كالكاليست" و"ذي ماركر" و"هآرتس" و"يديعوت أحرونوت" و"The Times of Israel"، على أن الظاهرة لم تعد تقتصر على ارتفاع عدد المغادرين، بل باتت تمس الفئات الأكثر تعليما وتأثيرا في الاقتصاد، مثل الأطباء والمهندسين والباحثين والعاملين في قطاع التكنولوجيا.

وتستند غالبية هذه التقارير إلى دراسة أعدها باحثون من جامعة تل أبيب، اعتمادا على بيانات رسمية صادرة عن المكتب المركزي للإحصاء، وسلطة السكان والهجرة، وسلطة الضرائب، ووزارة الصحة، ومجلس التعليم العالي، خلصت جميعها إلى أن إسرائيل دخلت منذ عام 2023 مرحلة جديدة من الهجرة السلبية تختلف في حجمها ونوعية المشاركين فيها عن الاتجاهات السابقة.

وبحسب الدراسة، غادر نحو 90 ألف إسرائيلي البلاد بين يناير/كانون الثاني 2023 وسبتمبر/أيلول 2024، بينهم قرابة 50 ألفًا خلال عام 2023 وحده ونحو 40 ألفًا خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2024، مقارنة بمتوسط سنوي بلغ نحو 25 ألف مهاجر في السنوات السابقة، ما يعني أن وتيرة المغادرة تضاعفت تقريبا.

لكن الباحثين يؤكدون أن الخطر الحقيقي لا يكمن في العدد، بل في نوعية المغادرين، إذ أظهرت البيانات أن نحو 19 ألفا من المهاجرين يحملون شهادات جامعية، بينهم مئات من حملة الدكتوراه في العلوم والهندسة والرياضيات، وآلاف المهندسين، فضلا عن أطباء وأصحاب دخول مرتفعة يشكلون ركيزة الاقتصاد الإسرائيلي.

أطباء ومهندسون يهربون من جحيم الحرب

وفي تصريحات نقلتها الصحف الإسرائيلية، وصف البروفيسور إيتاي آتر، أحد معدي الدراسة، الزيادة بأنها "كبيرة بل دراماتيكية"، معتبرا أن إسرائيل تعتمد بصورة أساسية على رأس المال البشري، وأن استمرار خروج أصحاب المهارات العالية يمثل تهديدًا طويل الأمد لقدرة الاقتصاد على الحفاظ على تنافسيته.

ويبرز القطاع الصحي باعتباره أحد أكثر القطاعات تضررًا. فقد كشفت صحيفة "هآرتس" أن نحو 950 طبيبا غادروا إسرائيل خلال عامي 2023 و2024، بينما يبلغ صافي الهجرة السلبية، بعد احتساب العائدين، نحو 510 أطباء.

والأكثر إثارة للقلق، وفق الصحيفة، أن ثلثي هؤلاء تخرجوا من كليات الطب الإسرائيلية، وأن نسبة كبيرة منهم تجاوزت الأربعين من العمر، ما يعني أن النظام الصحي يخسر أطباء ذوي خبرة تراكمية يصعب تعويضها بسرعة، بعد سنوات طويلة من الاستثمار في تدريبهم.

كما تشير الدراسة إلى أن عدد الأطباء المغادرين خلال الفترة الأخيرة تجاوز بكثير المستويات المسجلة قبل الأزمة، وهو ما دفع صحفا إسرائيلية إلى التحذير من انعكاسات مباشرة على قدرة المستشفيات على مواجهة النقص المتزايد في الكوادر الطبية.

ولا تبدو الصورة أفضل في قطاع التكنولوجيا، الذي يمثل أحد أعمدة الاقتصاد الإسرائيلي.

فقد أفادت بيانات هيئة الابتكار الإسرائيلية، التي تناولتها الصحافة الاقتصادية، بأن نحو 8300 موظف في قطاع التكنولوجيا انتقلوا للعمل في الخارج بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ويوليو/تموز 2024.

وأظهرت البيانات أن وتيرة المغادرة ارتفعت مباشرة بعد اندلاع الحرب إلى أكثر من 1200 موظف شهريا، قبل أن تستقر خلال النصف الأول من عام 2024 عند نحو 826 موظفًا شهريًا، مقارنة بنحو 571 موظفًا قبل الحرب وأقل من 500 شهريا في عام 2022.

وتقول صحيفتا "كالكاليست" و"ذي ماركر" إن الظاهرة لا تقتصر على انتقال الموظفين، بل تشمل أيضا نقل شركات ناشئة مقارها القانونية إلى الولايات المتحدة، وافتتاح مراكز تطوير خارج إسرائيل، وزيادة طلبات الانتقال للعمل في أوروبا وأميركا الشمالية، في ظل تراجع ثقة المستثمرين واستمرار حالة عدم اليقين السياسي والأمني.

وتشير الدراسة كذلك إلى أن عدد المهندسين الذين غادروا إسرائيل ارتفع إلى نحو 3000 خلال الفترة المشمولة، مقارنة بنحو 1039 مهندسا فقط في عام 2022، فيما بلغ عدد حملة الدكتوراه الذين غادروا 633، مقابل 285 في العام السابق، وهو ما اعتبره الباحثون مؤشرًا واضحًا على تسارع هجرة الكفاءات العلمية.

وفي معطيات أحدث تعكس استمرار الاتجاه خلال عامي 2024 و2025، تشير بيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية إلى أن صافي الهجرة السلبية بقي مرتفعا، مع تسجيل عشرات الآلاف من المغادرين سنويًا مقابل عودة محدودة، ما جعل عامي 2024 و2025 من أعلى السنوات من حيث صافي الخروج منذ أكثر من عقد.

كما تُظهر تقديرات أكاديمية أن نحو 12% من حملة الدكتوراه الإسرائيليين يقيمون خارج البلاد، وترتفع النسبة إلى أكثر من 25% في تخصصات الرياضيات وعلوم الكمبيوتر، وهي من أبرز ركائز قطاع التكنولوجيا.

وتضيف هذه المؤشرات أن الهجرة لم تعد مرتبطة فقط بالظرف الأمني المباشر، بل بدأت تأخذ طابعًا ممتدًا يتعلق بقرارات استقرار طويلة الأمد لدى فئات شابة ومتعلمة.

أما من الناحية الاقتصادية، فتقدر الدراسة أن مغادرة أصحاب الدخول المرتفعة كلفت الخزانة الإسرائيلية نحو 1.5 مليار شيكل من إيرادات ضريبة الدخل وحدها، دون احتساب الخسائر غير المباشرة المرتبطة بتراجع النشاط الاقتصادي أو انتقال الشركات والاستثمارات إلى الخارج.

وتوضح بيانات سلطة الضرائب أن أكثر من ثلاثة أرباع المغادرين تقل أعمارهم عن أربعين عاما، فيما ارتفعت نسبة أصحاب الدخول المرتفعة بين المهاجرين من نحو ربع المغادرين في السنوات السابقة إلى ما يقارب الثلث بعد عام 2023، وهو ما يعكس انتقال الظاهرة من هجرة أفراد إلى نزيف يطال الفئات الأكثر إنتاجية.

وفي موازاة ذلك، حذرت تقارير أخرى نشرتها "هآرتس" من اتساع الهجرة الأكاديمية، مشيرة إلى أن عشرات الآلاف من الإسرائيليين الحاصلين على مؤهلات جامعية يقيمون في الخارج، وأن نحو ربع الحاصلين على درجة الدكتوراه في الرياضيات يعيشون خارج إسرائيل، في مؤشر تعتبره الأوساط الأكاديمية مقلقًا بالنسبة لقدرة الجامعات ومراكز البحث على الحفاظ على مكانتها العلمية.

ورغم اختلاف التوجهات السياسية للصحف الإسرائيلية، فإن معظمها يتفق على أن الأزمة الحالية نتجت عن تداخل عدة عوامل، أبرزها الانقسام السياسي الذي رافق مشروع تعديل القضاء، والحرب الممتدة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الإحساس بالاستقرار، إلى جانب سهولة انتقال أصحاب المهارات العالية إلى أسواق عمل توفر رواتب أعلى وفرصًا بحثية أوسع.

وتخلص الصحافة الإسرائيلية إلى أن استمرار هذا المسار قد لا ينعكس فقط على سوق العمل، بل قد يمس القطاعات التي يقوم عليها الاقتصاد الإسرائيلي، وعلى رأسها التكنولوجيا والطب والبحث العلمي، في وقت يرى فيه باحثون أن معالجة الظاهرة لن تقتصر على الحوافز الاقتصادية، بل ستتطلب استعادة الشعور بالاستقرار السياسي والأمني الذي دفع جزءا من النخبة المهنية إلى البحث عن مستقبل خارج البلاد.