هجوم على موقع للجيش السوري في البوكمال يكشف حجم التحديات الأمنية

فلول داعش وتنظيم قسد والميليشيات العراقية من بين أبرز القوى المتهمة بتنفيذ الهجوم المركب على مقر تابع للفرقة 86.

دمشق - تشهد الساحة السورية تصعيدًا أمنيًا متزايدًا في عدة جبهات، مع تنامي الهجمات ضد مواقع الجيش السوري في مناطق متفرقة من البلاد، وسط تعقيدات داخلية وإقليمية تزيد من هشاشة الوضع الميداني، وتضع القوات الحكومية أمام سلسلة من التحديات الأمنية المعقدة.
فقد أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بإصابة ثلاثة عناصر من وزارة الدفاع السورية بجروح متفاوتة، جراء إلقاء قنبلة على مقر تابع للفرقة 86 في مدينة البوكمال، شرقي البلاد، في حادثة لم تُعرف الجهة المنفذة لها بعد. وأوضح المرصد أن "عبوة ناسفة بدراجة نارية انفجرت أثناء خروج دورية للفرقة لملاحقة المهاجمين، ما أدى إلى إصابة العناصر الثلاثة بجروح"، في مؤشر جديد على تصاعد الهجمات ضد القوات الحكومية في تلك المنطقة الحدودية الحساسة.
وبحسب وسائل إعلام سورية رسمية، فإن “دوي الانفجار الذي سمع مساء اليوم في مدينة البوكمال قرب الحدود السورية – العراقية، ناجم عن انفجار عبوة ناسفة أمام مقر الفرقة 86 بالقرب من مدرسة المعري”، فيما تواصل الأجهزة الأمنية تحقيقاتها لمعرفة الجهة التي تقف وراء الحادث.

ويأتي هذا الهجوم في وقت تتزايد فيه التوترات بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، حيث أعلنت وزارة الدفاع السورية الأسبوع الماضي مقتل جنديين وإصابة ثالث، إثر استهداف نقطة عسكرية تابعة للجيش قرب سد تشرين شرق محافظة حلب بصاروخ موجه.
في المقابل، نفت "قسد" حينها مسؤوليتها عن الهجوم، مؤكدة أنها "لم تنفذ أي عملية استهداف في محيط سد تشرين"، ومجددة التزامها بمبدأ "عدم التصعيد والحفاظ على الاستقرار في مناطق التماس".
إلا أن مراقبين يرون أن موقف "قسد" لا ينفي واقع التوتر القائم بين الطرفين، خاصة في محافظتي دير الزور وحلب، حيث تتكرر الاشتباكات المحدودة التي تعكس صراع نفوذ ممتد منذ سنوات. وتشير المعطيات إلى أن هذه المواجهات تتجاوز الحسابات الميدانية، لتعبّر عن خلافات سياسية وهيكلية عميقة، تتعلق بإدارة المناطق الشرقية الغنية بالنفط، وملف السيطرة على المعابر والموارد.
ورغم توقيع اتفاق 10 مارس/آذار الماضي، الذي نصّ على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لقسد ضمن إطار الدولة السورية، فإن تنفيذ بنوده لم يكتمل. إذ ظلّ الاتفاق حبرًا على ورق في ظل استمرار التباين حول آليات الدمج وتقاسم الموارد والنفوذ، بينما لا تزال أصوات الاشتباكات تتردد في دير الزور ومنبج وريف حلب الشرقي، في دلالة على هشاشة التفاهمات بين الجانبين.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن "الاستنفار الدائم" في صفوف الجيش السوري ليس مجرد ردّ فعل مؤقت على هجمات متفرقة، بل هو جزء من حالة توتر مزمن بين دمشق و“قسد”، التي تسيطر بدعم من التحالف الدولي على مناطق واسعة من الشمال الشرقي السوري.
وفي موازاة ذلك، تواجه القوات السورية تحديًا متصاعدًا من فلول تنظيم داعش، الذي كثّف في الأشهر الأخيرة من هجماته في البادية السورية ومحيط دير الزور والرقة. ورغم الخسائر الكبيرة التي مُني بها التنظيم خلال السنوات الماضية، فإن خلاياه لا تزال تنفذ عمليات خاطفة تستهدف نقاط الجيش والقوافل العسكرية، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية الوعرة للبادية الممتدة بين حمص ودير الزور.
ويرى محللون أن تصاعد نشاط "داعش" في الشرق السوري يعكس فراغًا أمنيًا تركته حالة الانقسام بين القوات الحكومية و“قسد”، ما يسمح للتنظيم بإعادة ترتيب صفوفه وتنفيذ هجمات نوعية تربك المشهد الميداني وتزيد من الضغط على الجيش السوري.
وإلى جانب خطر التنظيمات المسلحة، تواجه القوات السورية تحديات متزايدة بسبب الميليشيات العراقية الموالية لإيران المنتشرة في المناطق الحدودية مع العراق، خاصة في محيط مدينة البوكمال. ورغم أن هذه المجموعات تُعدّ حليفة للنظام السوري في بعض الجبهات، فإن وجودها الميداني بات يشكل مصدر قلق أمني وسياسي متزايد لدمشق.
فبحسب مصادر ميدانية، تتحرك تلك الميليشيات بشكل شبه مستقل، وتمتلك خطوط إمداد وسلاح خاص بها، الأمر الذي يقلص من سيطرة الجيش السوري على الحدود الشرقية. كما أن بعض فصائلها وجهت خلال الأشهر الأخيرة تحذيرات مباشرة للحكومة السورية بشأن مستقبل العلاقة في حال حدوث تغييرات سياسية أو أمنية داخل البلاد.
ويرى مراقبون أن التداخل بين أدوار هذه المجموعات وارتباطها بالحرس الثوري الإيراني جعل من البوكمال ودير الزور مناطق نفوذ متنازع عليها، ما يهدد بتفجر صراعات جديدة قد تتجاوز حدود سوريا نحو العراق.
ومع استمرار تعدد مصادر التهديد – من "قسد" في الشمال، و"داعش" في البادية، والميليشيات العراقية على الحدود – يجد الجيش السوري نفسه أمام خريطة أمنية معقدة تتطلب إدارة دقيقة ومتوازنة. فبينما يسعى إلى تثبيت سيطرته على كامل الجغرافيا السورية، تبدو هذه المهمة أكثر صعوبة في ظل تداخل القوى المحلية والإقليمية وتناقض المصالح الدولية داخل البلاد.
ويؤكد محللون أن التحدي الأكبر أمام دمشق اليوم لا يكمن فقط في مواجهة العمليات العسكرية، بل في إعادة بناء منظومة أمنية قادرة على ضبط هذا المزيج المتشابك من التهديدات، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة جديدة تعيد البلاد إلى مربع الفوضى.