هل يتنصت كلبك عليك؟

دراسة تثبت أن بعض الكلاب تمتلك قدرة بشرية مذهلة على تعلم أسماء الأشياء عبر الاستماع لمحادثات البشر الجانبية دون توجيه مباشر، مما يحطم الاعتقاد السائد بأن التعلم لدى الحيوانات يقتصر على التلقين والمكافأة.

فيينا (ايطاليا) – في كشف علمي جديد يعيد رسم حدود الذكاء الحيواني وتطور القدرات اللغوية، أظهرت دراسة حديثة نُشرت في مجلة "ساينس" (Science) المرموقة أن فئة من الكلاب الموهوبة تمتلك قدرة استثنائية على تعلم أسماء الأشياء بمجرد "التنصت" على محادثات البشر، وهي مهارة كانت تُعتبر لسنوات طويلة سمة بشرية فريدة تظهر لدى الأطفال في مراحل نموهم الأولى.

الدراسة، التي قادها فريق من الباحثين في جامعة الطب البيطري بفيينا بالتعاون مع مشروع "الكلاب العبقرية" (Family Dog Project)، تقدم دليلاً دامغاً على أن الكلاب لا تتعلم فقط من خلال التوجيه المباشر أو المكافآت المرتبطة بالتدريب، بل يمكنها استيعاب المعلومات المعقدة من خلال مراقبة التفاعلات الاجتماعية بين أطراف ثالثة.

ما وراء التدريب التقليدي

لسنوات، ساد الاعتقاد بأن الكلاب تتعلم الكلمات عبر عملية تكرار مجهدة (Associative Learning)، حيث يتم ربط الكلمة بمكافأة أو فعل محدد. إلا أن البحث الجديد، الذي نُشر يوم الخميس، يشير إلى وجود آلية معرفية أكثر تعقيداً تُعرف بـ "الرسم السريع" (Fast Mapping)، وهي القدرة على تكوين فرضيات حول معنى الكلمة من تجربة واحدة أو سماع عارض.

إنها تراقبنا، وتستمع إلينا، وتبني روابط بين الأسماء والأشياء في ذهنها

تقول شاني درور، الباحثة الرئيسية في الدراسة: "ما وجدناه هو أن بعض الكلاب، وتحديداً تلك التي نطلق عليها 'متعلمي الكلمات الموهوبين'، لا تحتاج إلى أن نوجه لها الكلام لكي تتعلم. إنها تراقبنا، وتستمع إلينا، وتبني روابط بين الأسماء والأشياء في ذهنها تماماً كما يفعل الطفل الصغير وهو يستمع إلى والديه يتحدثان على طاولة العشاء".

اعتمد الفريق البحثي في تجربته على مجموعة مختارة من الكلاب من سلالات ذكية، أبرزها "بوردر كولي" (Border Collie)، التي أثبتت مسبقاً قدرتها على حفظ أسماء عشرات الألعاب. وفي بيئة خاضعة للرقابة، وُضع الكلب في غرفة مع صاحبه وباحث آخر، حيث بدأ الطرفان البشريان محادثة عفوية حول "لعبة جديدة" مخبأة في مكان ما، دون النظر إلى الكلب أو منحه أي إشارة بصرية.

المثير للدهشة في نتائج الدراسة، هو أن الكلب لم يكن بحاجة لرؤية اللعبة أثناء نطق اسمها. عندما طُلب من الكلاب لاحقاً جلب اللعبة بالاسم الذي سُمع "عرضاً"، نجحت الغالبية العظمى في تحديد اللعبة الصحيحة من وسط مجموعة من الألعاب المألوفة وغير المألوفة.

تتجاوز أهمية هذه الدراسة مجرد كونها "قصة لطيفة" عن ذكاء الحيوانات الأليفة؛ فهي تمس جوهر الأبحاث حول أصل اللغة البشرية. فوفقاً للتقرير المنشور في "ساينس"، فإن هذه القدرة الاجتماعية على التعلم تشير إلى أن اللبنات الأساسية لفهم اللغة كانت موجودة في الثدييات قبل وقت طويل من تطوير البشر للقدرة على النطق المعقد.

ويوضح الباحثون أن هذه النتائج تكسر "الاحتكار البشري" لفهم السياق الاجتماعي للتواصل. فإذا كان بإمكان الكلب فهم أن كلمة معينة تشير إلى شيء ما لمجرد أنها ذُكرت في سياق محادثة بين شخصين آخرين، فإن ذلك يعني امتلاك الكلب لـ "نظرية ذهن" مبسطة، تمكنه من فهم نوايا الآخرين التواصلية.

الاستثناء لا القاعدة

ومع ذلك، يشدد البحث على أن هذه المهارة ليست عامة لدى جميع الكلاب. فبينما فشلت الكلاب "العادية" في الاختبارات المتكررة للتعلم بالتنصت، برزت فئة "الموهوبين" كنموذج فريد. ويقدر العلماء أن هذه الفئة تمثل أقل من 1% من مجتمع الكلاب العالمي.

يقول خبراء مستقلون لرويترز إن هذا التباين يفتح آفاقاً جديدة لدراسة العوامل الوراثية والبيئية التي تخلق "العبقرية". فهل هي طفرة جينية في سلالات معينة؟ أم أنها نتاج بيئة غنية بالتفاعل البشري المكثف؟

والدراسة تأكيد على أن عالمنا مليء بالمعلومات التي "تلتقطها" الحيوانات من حولنا دون أن ندري. ومع صدور هذا البحث، سيتعين على أصحاب الكلاب الموهوبة الحذر أكثر مما يقولون في حضور حيواناتهم، فربما تكون "آذان الجدران" هذه المرة... آذان كلابهم الوفية.