هل يعود أقدم حزب مصري إلى صفوف المعارضة

يصعب القول إن حزب الوفد في عهد القيادة الجديدة سيكون مواليا للحكومة، كما كان في عهد رئيسه السابق.

القاهرة - قد لا ينشغل الكثير من المواطنين بما يجري داخل الأحزاب المصرية من تطورات، موالاة أم معارضة، بعد أن فقدت جانبا كبيرا من الزخم السياسي الذي كانت تمثله.

لكن ما حدث في حزب الوفد الليبرالي، يوم الجمعة، وهو أقدم الأحزاب في مصر، يشير إلى تغير كبير يتجاوز أروقته الداخلية، حيث اختارت الجمعية العمومية السيد البدوي رئيسا للحزب، بفارق ثمانية أصوات عن منافسه هاني سري الدين، في اقتراع مباشر بمقر الحزب بالقاهرة، أكد من تابعوه أنه اتسم بالشفافية، وحصل على إقرار صريح من المرشح الخاسر بنزاهة العملية الانتخابية وتهنئة الفائز فيها.

تعيد تجربة الانتخابات حزب الوفد إلى الواجهة السياسية، كعنصر مهم في صفوف المعارضة الوطنية، بعد فقدانه لجانب معتبر من بريقه خلال فترة رئيسه السابق عبدالسند يمامة، والذي مالت سياساته لدعم الحكومة، والخروج من فضاء المعارضة، إذ تخلى عما عرف عن الوفد من تصورات ليبرالية وامتلاكه قدرة على الحضور المؤثر في الشارع والنخب، والنجاح في أن يكون مزعجا للحكومة داخل البرلمان.

تؤكد عودة السيد البدوي لرئاسة الحزب للمرة الثانية، بعد فترة أولى منذ حوالي ثمانية أعوام شهدت رواجا سياسيا لافتا، وجود تغيرات في الأجواء العامة بمصر، حيث بدأت الحكومة تفسح المجال للأحزاب الجادة لممارسة دورها، وظهرت تحولات داخل الوفد نفسه، فالمرشحان (البدوي وسري الدين) كلاهما حمل أجندة مغايرة عن تلك التي حملها يمامة وأدخلت الحزب نفقا مظلما وأدت إلى موته سريريا.

وكشفت تصورات كل من البدوي وسري الدين قبيل إجراء الانتخابات عن رغبة في استعادة حزب الوفد لدوره الوطني الذي يمتد إلى أكثر من مئة عام منذ تأسيسه على يد الزعيم الراحل سعد زغلول عام 1918، ومحاولة تنظيم صفوفه مرة أخرى لاحقا على يد الراحل فؤاد سراج الدين، بما يجعله رقما مهما في المعادلة الحزبية بمصر.

يأتي السيد البدوي محملا بأحلام من انتخبوه ومن يعتقدون أنه سيكون قادرا على إنهاء الخلافات داخل الحزب، فالهيئة العليا التي انتخبته بأغلبية بسيطة تشعر أن هذه النتيجة غير مطمئنة، وأن تيارا عريضا قد يمثل معارضة داخلية قوية، وما لم يتمكن البدوي من تبني سياسات تعيد الُلحمة للحزب سيواجه انتقادات حادة من الخصوم، وعليه أولا أن يستوعب عددا كبيرا منهم ضمن أروقة الحزب وهياكله الرئيسية، كي يستيطع الوفد أن يكون حزبا مؤثرا في الساحة المصرية، التي زادت فيها أحزاب الموالاة، وندرت فيها أحزاب المعارضة التي تملك رؤية سياسية حقيقية.

تكمن قوة حزب الوفد في ميراثه الطويل، وحنكة الكثير من الزعامات التي تولت قيادته تباعا، وقدرته على أن يمثل المعارضة الوسط، التي لا تميل إلى الصدام مع الحكومة، أو تبني رؤى خيالية ضدها.

وكانت هذه الصيغة واحدة من ابداعات حزب الوفد عندما شكل حكومات قبل ثورة يوليو/تموز 1952، وعندما انخرط في صفوف المعارضة بعد إعادة ترتيب الأوضاع الحزبية في مصر منتصف السبعينات من القرن الماضي في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، وما تلاها من تطورات، شهدت فيها البلاد صعودا وهبوطا لدور الأحزاب عموما، حتى تجاوز عددها المئة حزب بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011، وأصاب الوفد ما أصاب غالبية الأحزاب المصرية من شلل سياسي، يحاول بعضها التخلص منه حاليا.

يصعب القول إن حزب الوفد في عهد القيادة الجديدة سيكون مواليا للحكومة، كما كان في عهد رئيسه السابق، فالسيد البدوي من الجيل الذي تشرب بعض الشيء من المعين الصافي سياسيا لحزب الوفد، وزامل الكثير من قياداته الرشيدة في نهاية عمرهم، ويحمل على كتفيه جزءا من الميراث الوطني للحزب العريق، وعاصر فترة سياسية ساخنة في مصر خلال رئاسته للحزب في المرة السابقة، وأداره بطريقة حفظت للحزب توازنه دون إنحياز سافر للحكومة أو مماطلة عندما حمل لواء المعارضة.

يبدو طريق قيادة المعارضة مهيأ أمام الوفد، لأن الأحزاب المحسوبة عليها فاقدة للقدرة على الحراك، ونشأة عدد كبير منها حديثة لم يمكنها من تراكم الخبرات مثل الوفد. كما أن الحكومة بحاجة إلى إعادة الاعتبار للحياة السياسية بعد أن تسابقت الأحزاب، موالاة ومعارضة، في دعمها بلا مواربة، ولم يعد هناك حزب نقي سياسيا يستطيع قيادة دفة المعارضة، في وقت تستعد فيه البلاد لتوسيع نطاق الحريات، وفتح نافذة في المجال العام.

وما لم يكن هناك حزب أو أكثر في مواجهة الحكومة سوف يعتقد الناس أن الحكومة تدير مسرحية سياسية تتواءم مع حساباتها في المرحلة المقبلة.

يملك حزب الوفد الكثير من المقومات للقيام بدور مناسب وسط ركام المعارضة، بحكم نشأته التاريخية الممتدة، واحتفاظه بصورة إيجابية في وجدان قطاعات تتوق إلى رؤيته كحزب نشط على الساحة المصرية، وهي مهمة يحاول السيد البدوي القيام بها، وسيجد من يدعمونه داخل الحزب وخارجه، لأنه من الشخصيات التي تميل إلى المواءمات، ولا يمثل عنصر إزعاج لخصومه، وبإمكانه إدارة العلاقة مع أي حكومة بالشكل الذي يراعي الظروف الداخلية الحرجة والأوضاع الخارجية القلقة.

وفي اللحظات الحاسمة سيكون إضافة تأييد النظام الحاكم أو معارضته، فمصداقية الوفد التي اكتسبها طوال عقود بقاياها محفورة في ذاكرة شريحة كبيرة من المصريين.

يقول مراقبون إن مهمة السيد البدوي ليست هيّنة، فقد جاء بعد فترة عانى فيها الوفد من جمود سياسي مزدوج. داخل الحزب وفي الفضاء العام. وعليه إعادة ترتيب الصفوف بما يتماشى مع المستجدات التي تتطلب رؤية واضحة وإرادة قوية وقدرة على استعادة العافية السياسية التي كان عليها الوفد في سنوات سابقة.

ويضيف هؤلاء المراقبون إن المساحة التي سيتحرك فيها الوفد ليست كبيرة، وعليه السعي نحو كسب المزيد من المساحات السياسية من خلال نجاحه في تقديم صيغة تقنع الجمعية العمومية بأن القيادة الجديدة حريصة على لم الشمل، وتملك من المقومات ما يجعلها محل احترام من الجميع، حيث تحتاج الحكومة إلى قيادة المعارضة بدرجة عالية من الهدوء، بما لا يؤثر على توازناتها أو يحدث خللا في الآليات التي اعتادت عليها، ما جعلها متربصة بحزب الوفد ومرتاحة لما كان عليه من خمول سياسي.

أمام الرئيس الجديد لحزب الوفد فترة لإعادة ترتيب أوراقه، فانتخابات البرلمان بغرفتيه انتهت خلال الأسابيع الماضية، مجلس النواب ومجلس الشيوخ، ولم يكن للوفد نصيبا كبيرا في كليهما، وليس مطالبا بخوض اختبار شعبي في وقت قريب، وعليه أن يستثمر بوادر انفتاح الحكومة على الأحزاب ومنحها هامشا للحركة السياسية.

وإذا أخفق في أن يثبت كرامة سياسية ستكون الطبعة الثانية من البدوي مختلفة عن سابقتها، ولن يصمد كثيرا أمام مطالب من راهنوا عليه وسيصبح يومها الوفد متوافقا مع الأحزاب الأخرى، في صفتها الكرتونية، أي بلا تأثير في المعادلة السياسية.