هيثم الزبيدي.. رحلة إنسانية وإعلامية خالدة في ذاكرة الأمة

منال الزبيدي: لم يكن هيثم مجرد صحافي أو قائد إعلامي، بل كان إنسانا استثنائيا تميّز بالنبل والكرم.

 كتاب "هيثم الزبيدي: شهادات عن رحيل ملامحه البقاء"، الصادر في طبعتين، جمع فيه صديق رحلته كرم نعمة جميع المقالات التي كتبت من قبل صحافيين وكتاب عراقيين وعرب بعد رحيله ونشرت في صحيفة "العرب" والمطبوعات والمواقع الأخرى. وصدر الكتاب بطبعتين عن دار "خريف للنشر" في تونس ودار "عناوين" في القاهرة.

البدايات والمسيرة

الكتاب ليس مجرد سيرة لرجل غادر عالمنا في 17 مايو 2025، بل هو وثيقة حية تجمع أصوات عشرات الشخصيات من مختلف أنحاء العالم، تروي قصة رجل جعل من الصحافة رسالة لخدمة الناس، ومن الكلمة جسرا للحقيقة. من بغداد إلى لندن، من الهندسة إلى الإعلام، ومن التحديات الشخصية إلى بناء إرث إعلامي عالمي، يقدم الكتاب صورة ملهمة لهيثم الزبيدي، الذي كان، كما أصفه في شهادتي بعنوان "وداعا يا حبيبي"، رمزا للإنسانية والتفاني. هذه "الجدارية الوداعية"، كما يصفها الكتاب، تكشف كيف شكّل هيثم وعيا عربيا حديثا، متجاوزا الحدود الجغرافية والفكرية، ليترك إرثا يحمل ملامح البقاء.

بدأت رحلة هيثم الزبيدي في العراق، حيث أظهر ذكاء استثنائيا منذ طفولته. يروي د. خيري الزبيدي في شهادته "أبدى هيثم ذكاء حادا في وقت مبكر، إذ كان دائما متقدما بخطوات واسعة على أقرانه في مختلف مراحل دراسته. كان يحل المعادلات الرياضية المعقدة بسهولة، وكأنها ألعاب ذهنية، وكان يقرأ الكتب العلمية بنهم غير عادي."

يضيف ابنه عمر الزبيدي "كان والدي مختلفا. رفض الانحياز إلى أيّ طرف. عندما سألته كيف يحافظ على موضوعيته في عمله الصحفي، أخبرني أن على المرء أن يكون مراقبا، كبومة حكيمة، تراقب بصمت في ظلمات الليل."

هذا الذكاء قاده إلى دراسة الهندسة الكهربائية في جامعة بغداد، حيث التقى بزوجته منال، التي تتذكر تلك الأيام بقولها "هناك التقيتك أول مرة، وهناك بدأت صداقتنا التي لم تنته. كنا نلتقي صباحا في نادي الجامعة قبل المحاضرات، لكنك دائما تتأخر… وتأتيني بوردة من حديقة منزلك لتُخمد غضبي."

عمل تأمّلي شامل
عمل تأمّلي شامل

وتضيف لمحة عن شغفه بالتفاصيل "كنتَ تزرع الأزهار الغريبة. ما زلتُ أذكر وردتك ذات اللونين الأحمر الداكن والأسود، تلك التي أهديتني إياها بفخر، وقد نجحتَ في تجربتك الأولى بالتهجين. كنتَ تقول: الجمال في التفاصيل، والتفاصيل تحتاج إلى صبر." وتكمل منال في شهادتها "كنتَ تحبّ الموسيقى، لكنك لم تكن تستمع إلا لما يرتقي بالروح، كنتَ تقول إن الموسيقى لغة الروح التي لا تحتاج إلى ترجمة".

في عام 1988، انتقل هيثم إلى لندن بمنحة دراسية للدراسات العليا في "إمبريال كوليدج"، حيث حصل على الماجستير في الهندسة الكهربائية عام 1990. لكن العقوبات الاقتصادية على العراق حالت دون استكماله للدكتوراه مباشرة، فاضطر للعمل لتأمين معيشته. وجد ملاذه في صحيفة "العرب"، كما تروي منال "وجدتَ نفسك في صحيفة العرب التي أسسها الراحل أحمد الصالحين الهوني، وهناك بدأتَ كمدقّق لغوي وانتهيتَ رئيسا لمجلس إدارتها ورئيسا لتحريرها. اجتمع شغفك بالسياسة وولعك بالعربية، فكان هذا المكان ملاذك وملعبك."

يصف عبدالكريم البليخ هذا الانتقال "لم يكن الأمر خيارا مهنيا صرفا. كان تخليا نبيلا عن مستقبل مضمون في مجالات أكثر استقرارا. تخلى عن معطف الهندسة النووية… ليرتدي بذلة الصحافي الميداني، ثم التحريري، ثم المفكّر الذي يقود الجريدة لا فقط بالسياسات، بل بالرؤية والحدس والإحساس بالتفاصيل الصغيرة." ويضيف "كان يرى في الكلمة سلاحا، وفي الصحيفة وطنا لمن لا وطن لهم."

يلفت محمد الهوني في شهادته "وجد د. هيثم فرصته في صحيفة العرب، حيث انضم إلى فريقها منطلقا من بداية السلم كمدقق لغوي، مستفيدا من عشقه الكبير للغة العربية وتعلقه بآدابها وتراثها الزاخر. رغم أن والده، محمد حمزة الزبيدي، كان من كبار قياديي الدولة العراقية آنذاك، حيث شغل منصب عضو مجلس قيادة الثورة وعضو القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، ثم رئيسا لوزراء العراق بين عامي 1991 و1993، إلا أن ابنه هيثم اعتمد على نفسه في عمله داخل العرب. بذلك، قدم صورة ناصعة عن أسرته ووطنه، فأن يعمل ابن رئيس وزراء العراق مدققا لغويا في صحيفة فهو مؤشر تلقائي على شرف الأصل، ونزاهة المنبت، ونظافة اليد."

محمد الهوني: كان د. هيثم مؤمنا بأن من لا يتقدم يتأخر
محمد الهوني: كان د. هيثم مؤمنا بأن من لا يتقدم يتأخر

ويؤكد الهوني "كان د. هيثم مؤمنا بأن من لا يتقدم يتأخر، وما لا يتجدد يبلى بفعل التكرار والجمود. انعكس هذا الفكر الإبداعي إيجابا على ‘العرب’، التي تحولت بالفعل إلى ملتقى للحوار، ومرصد للتحولات، وساحة لمواجهة الأفكار الهدامة والمتطرفة. كان هيثم يعمل بصمت، لكنه كان يترك أثرا عميقا في كل من حوله، سواء في غرفة التحرير أو في الحياة.”

المؤسس الثاني لـ"العرب"

يذكر في مقدمة الكتاب "يصفه العارفون بشؤون الصحف العربية بأنه المؤسس الثاني لـ'العرب' في 2012 بعد المؤسس الأول الفقيد الحاج أحمد الصالحين الهوني، الذي أسس الصحيفة في العام 1977."

وتضيف زوجته "نجح الفقيد الزبيدي بالشراكة مع الأستاذ محمد الهوني… في إرساء آليات تحريرية غير تقليدية تقدم للقارئ الإفادة والإضافة بالرغم من المنافسة الكبيرة مع الفضائيات ووسائل الإعلام الحديثة. تحولت صحيفة 'العرب' خلال فترة وجيزة… إلى مصدر من مصادر الخبر العربي في وسائل الإعلام الأجنبية التي كانت تبحث عن إعلام عربي يفكر ويكتب بالطريقة التي تقدم الإجابات".

يقول الهوني "كان هيثم يؤمن أن الإعلام العربي يجب أن يكون صوتا عالميا، يحمل الرواية العربية بكل صدق وموضوعية." في شاهد على العصر الرابع، يكتب هيثم "المعرفة أصبحت أدوات، وتحولت الأدوات إلى عبء على الناس،" مشيرا إلى "الحاجة إلى إعلام يوازن بين التكنولوجيا والإنسانية".

أما موقع ميدل إيست أونلاين فكان أحد أبرز إنجازات هيثم كان إدراكه المبكر لأهمية التحول الرقمي. في عام 2000، فقد أطلقه باللغتين العربية والإنجليزية، وهو ما يصفه د. خيري الزبيدي "كان من أوائل الرواد الذين أدركوا مبكرا أهمية التحول الرقمي في الإعلام، فأسس منصة 'ميدل إيست أونلاين'.. لتكون من أوائل المبادرات الرقمية العربية المستقلة."

لم يكن هيثم الزبيدي مجرد صحافي أو قائد إعلامي، بل كان إنسانا استثنائيا تميّز بالنبل والكرم. تروي زوجته منال "كنتَ زوجا نبيلا، وفيّا، هادئا في حديثك، دقيقا في اختياراتك، صارما حين يتطلب الأمر. لا أنسى مروءتك، ووقوفك الأخلاقي في أصعب المواقف." وتضيف "كنتَ تحترم الجميع، من أصغر موظف إلى أكبر مسؤول، وكنتَ تؤمن أن الكرامة هي أساس العلاقات الإنسانية."

ويؤكد عبدالكريم البليخ قولها "حين كان الصحافي الشاب يحتاج إلى عملية جراحية لعينيه، لم يتردد الزبيدي في تحمّل تكاليفها كاملة. لم يفعلها ليستعرض، بل لأنه يؤمن أن الموهبة لا تكتمل من دون صحة الجسد، وكرامة الإنسان." فيما رأى حجاج سلامة في د. هيثم: أنه "شخص نادر الوجود قلما يجود الزمان بمثله بحق، وشخصية ملهمة… قادر على أن يمنحك الطمأنينة والثقة، ويدفع بك للأمام." ويروي "كان هيثم يستمع للجميع، ويعطي كل شخص حقه في التعبير، حتى لو اختلف معه."

 هيثم لم يرحل تماما، فصوته يظل حاضرا في كل كلمة كتبها
هيثم لم يرحل تماما، فصوته يظل حاضرا في كل كلمة كتبها

يصفه كرم نعمة "كان هيثم يعمل ويده تطعم الآخرين،" مشيرا إلى تفانيه في خدمة فريقه والقراء. ويضيف في شهادته "كان يحمل هموم الناس، ويحترم عقولهم، ويسعى دائما لتقديم ما ينيرهم".

في كتابه "شاهد على العصر الرابع: في نقد الحاضر والسؤال عن المستقبل"، يظهر هيثم كمثقف ناقد يتجاوز حدود الصحافة إلى التأمل الفكري العميق. يقول كرم نعمة "هيثم عقلية هندسية بحثية لكنه في الجانب الآخر مشاهد حذق للظواهر والمعضلات الأدبية والسياسية والمجتمعية."

ينتقد هيثم في كتابه تراجع دور المثقف العربي "عجزَ المثقف العربي… عن تقديم التفسيرات الفكرية أو حتى القدرة على وصف ما يحدث في المشهد الدامي." ويضيف "استعارة أدوات الآخرين صنعت غربة المثقف عن الناس، وما قادت إلاّ إلى ابتعاد المثقف القديم عن الواقع وابتعاد الناس عنه."

وفي موضع آخر، يكتب "لقد غاب المثقف عن دوره كصوت للناس، وصار بعضهم مجرد ناقل لأفكار مستوردة،" مشددا على ضرورة تجديد الفكر العربي ليتواصل مع الواقع.

يوضح كرم نعمة "كان هيثم يرى أن المثقف الحقيقي هو من يحمل هموم أمته ويعمل على تغيير الواقع".

معركته الأخيرة

واجه هيثم الزبيدي مرض السرطان بشجاعة نادرة، كما يروي خيري الزبيدي "كان يستيقظ كعادته مبكرا، عند الخامسة صباحا ليبدأ اتصالاته… مستفيدا من فروقات التوقيت أو لينهمك في الكتابة أو القراءة." حتى في أحلك لحظاته.

يؤكد ابنه عمر الزبيدي "واجه والدي معركته مع السرطان بشجاعة لا تتزعزع، ورفض الاستسلام، حتى في اللحظات الأخيرة." هذه الشجاعة كانت تعبيرا عن إيمانه بالحياة، كما يذكر محمد الهوني "كان هيثم يعمل بصمت، لكنه كان يترك أثرا عميقا في كل من حوله، سواء في غرفة التحرير أو في الحياة."

ابنته دنيا تروي كيف كان والدها يحمل مسؤولية أخلاقية تجاه عمله "لم تكن الصحافة، بالنسبة إليه، مجرد مهنة، بل مسؤولية أخلاقية ترتكز على النزاهة والمعرفة، ويغذيها شعور عميق بالواجب تجاه قرّائه." وتضيف "كان يقول لي دائما: اكتبي ما تؤمنين به، لكن تأكدي أنكِ تملكين الحقائق أولا. القارئ يستحق الحقيقة، مهما كانت مرة".

رحل هيثم الزبيدي في 17 مايو 2025، تاركا إرثا إنسانيا وإعلاميا يتجاوز حدود الزمان والمكان. يقول محمد الهوني "كان هيثم رمزا للصدق والالتزام، ترك بصمة لا تُمحى في صحيفة 'العرب' وفي قلوبنا."

يختتم الكتاب بتأكيد أن هيثم لم يرحل تماما، فصوته يظل حاضرا في كل كلمة كتبها، وفي كل فكرة ألهمها، كما يقول عمر الزبيدي "لطف وكرم وحكمة أبي لم ترحل معه. إنها باقية فينا."

في "شاهد على العصر الرابع"، يختم هيثم تأملاته قائلا "المعرفة التي لا تخدم الناس هي عبء، والمثقف الذي لا يحمل هموم أمته ليس إلا ظلا بلا جوهر،" مؤكدا التزامه برسالة فكرية وإنسانية عميقة.