واشنطن تعتمد 'أساطيل الظل' لنقل النفط عبر مضيق هرمز
أبوظبي - أشرف الجيش الأميركي على عدد كبير من العمليات السرية لنقل النفط من سفينة إلى أخرى للحفاظ على استمرار صادرات الطاقة من الخليج، مستخدما مسيرات جوية وبحرية، بالإضافة إلى طائرات هليكوبتر، في عملية تهدف إلى توجيه القوافل نحو ناقلات تنتظرها، وتستخدم العملية على أطراف مضيق هرمز تقنية نقل استخدمتها إيران مرارا للتحايل على العقوبات، كما استخدمتها الصين وروسيا وكوريا الشمالية في ما يعرف بـ"أساطيل الظل".
وحدد 11 مصدرا مطلعا على العملية موقعين تجري فيهما عمليات نقل النفط، أحدهما قبالة سواحل الفجيرة في الإمارات والآخر قبالة ميناء صحار في عمان. وتشير بيانات شحن ولقطات من أقمار صناعية إلى أن العملية بدأت في أوائل مايو/أيار، وشاركت فيها ما لا يقل عن 92 سفينة.
وأظهرت لقطات الأقمار الصناعية أنه تسنت رؤية 17 زوجا من السفن تقوم بعمليات متزامنة لنقل النفط في الموقعين حتى 11 يونيو/حزيران. وأشارت أربعة مصادر، من بينها مسؤول أميركي سابق مطلع على تفاصيل إسقاط إيران لطائرة هليكوبتر من طراز أباتشي في التاسع من يونيو/حزيران، إلى أن هذه الطائرة كانت تشارك في المهمة.
وشنت الولايات المتحدة غارات ردا على إسقاط الطائرة. وباستخدام لقطات الأقمار الصناعية تم رصد تجمع ستة أزواج من ناقلات النفط في منطقة صغيرة قبالة ميناء صحار في اليوم الذي أسقطت فيه الطائرة الأباتشي.
وقال مسؤول دفاعي أميركي إن قوات القيادة المركزية لا تشارك في أي عملية نقل نفط من سفينة إلى أخرى في عرض البحر. وأفاد مسؤولون أميركيون إن فردي طاقم الطائرة جرى إنقاذهما باستخدام زورق مسير. ولم تشر أي تقارير سابقة إلى حجم عمليات النقل بين السفن وكيفية عملها ودور الطائرة الأباتشي في العملية.
والموقعان اللذان تجري فيهما عمليات النقل هذه في خليج عمان بالقرب من مخرج مضيق هرمز قريبان من الحدود التي رسمتها هيئة إدارة الممرات المائية في الخليج العربي، وهي هيئة إيرانية جديدة أنشئت لإدارة مضيق هرمز. وتتعرض السفن التي لا تمتثل لأوامر إيران لخطر الهجوم بالمسيرات والصواريخ من الحرس الثوري الإيراني. وتعرض ميناء الفجيرة نفسه لقصف إيراني متكرر خلال الفترة التي جرت فيها هذه العملية بقيادة الولايات المتحدة.
وقالت مجموعة فانجارد البريطانية لإدارة المخاطر البحرية إن "قذيفة مجهولة" أصابت ناقلة نفط قبالة سواحل عمان مؤخرا. وأضافت في بيان أن الطاقم بخير وأن ذلك تسبب في بعض التسرب من الحمولة، لكنه لم يتسبب في أضرار بيئية. ولم تحدد المجموعة ما إذا كانت الناقلة تشارك في عملية نقل من سفينة إلى أخرى.
وردت إيران على الحرب الأميركية الإسرائيلية بجعل مضيق هرمز في حكم المغلق بعد أن كان يمر منه قبل الحرب ما يقارب خمس استهلاك النفط العالمي. وتسبب ذلك في أكبر تعطل لإمدادات الطاقة العالمية في التاريخ وارتفاع معدلات التضخم عالميا. ويبدو أن عمليات النقل من سفينة إلى أخرى، على الرغم من أنها محفوفة بالمخاطر وغير فعالة، هي جزء من جهود الإدارة الأميركية للمساعدة في عودة التدفقات النفطية من الخليج لطبيعتها. وقال الرئيس دونالد ترامب إن مضيق هرمز سيفتح يوم الجمعة بموجب اتفاق سلام إطاري مع إيران تم إعلانه هذا الأسبوع، لكن التفاصيل لا تزال غامضة.
وخلص تحقيق أجرته رويترز ونشرته في 20 مايو/أيار إلى أن إيران أنشأت نظامها الخاص لتوجيه السفن عبر الجانب المقابل من المضيق، والذي يشمل نقاط تفتيش على الجزر واتفاقات دبلوماسية وأحيانا دفع رسوم.
وقالت ثمانية من المصادر، ومنهم متعاقد أمني خاص شارك في تلك المهمات، إن عمليات النقل الأميركية تخضع لسيطرة الجيش الأميركي بالكامل.
وأفاد أحد المصادر وصور الأقمار الصناعية بأن الناقلات تبحر إلى نقطة التقاء قبل وصولها إلى المضيق، ثم تغادر تباعا بفروق في المواعيد بحيث تفصل بينها مسافات تتراوح من ثلاثة كيلومترات إلى أربعة كيلومترات. وذكرت أربعة مصادر أن السفن توقف أجهزة الإرسال والاستقبال بها وتخفف إضاءتها.
وذكر مصدر أن سلسلة من النقاط الإحداثية على المسار تتيح للجيش الأميركي مراقبة إبحار الناقلات المعنية، لكن الأميركيين "يراقبونك طوال الوقت بالتأكيد".
وعندما تمر الناقلات عبر المضيق مباشرة خارج المنطقة التي أعلنتها إيران تحت سيطرتها، تتوقف الناقلات بجوار السفن المستلمة، وهي ناقلات نفط عملاقة، لبدء عمليات نقل الشحنات. وتستغرق هذه العمليات ما بين 24 و40 ساعة حتى تكتمل. ثم تعود الناقلات الفارغة عبر المضيق، في حين تنطلق الناقلات العملاقة المحملة بالنفط إلى وجهتها.
وما يجعل عملية نقل النفط من سفينة إلى أخرى ممكنة هو وجود عدد قليل من جهات الشحن المستعدة لإرسال سفنها عبر المضيق لتسليم النفط إلى الناقلات المنتظرة رغم القيود الإيرانية.
لكن العملية محفوفة بالمخاطر. ويقول نوام رايدان الزميل الكبير في معهد واشنطن المتخصص في المخاطر البحرية "لا يمكن معرفة متى قد تقرر إيران البدء في استخدام المسيرات أو الزوارق الحربية لمنع حتى تلك السفن من عبور المضيق".
وتستخدم إيران تقنية النقل من سفينة إلى أخرى منذ سنوات للتحايل على العقوبات لأنها تخفي مصدر النفط. وعادة ما يشغل الإيرانيون سفينتين في كل مرة لتجنب رصد عملياتهم ولأن صادراتهم قبل الحرب كانت صغيرة نسبيا. في حين توفر العملية بقيادة الولايات المتحدة، والتي تنطوي على عمليات نقل ضخمة، حماية أفضل للمنتجين في الخليج من الهجمات الإيرانية حتى يتمكنوا من نقل الخام والمكثفات والمنتجات البترولية إلى المشترين الدوليين.
وقالت رويترز إنها راجعت أكثر من 12 صورة بالأقمار الصناعية التقطت من الثاني من مايو /أيار حتى 11 يونيو/حزيران تظهر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى تشارك فيها أساطيل ناقلات مملوكة لدول خليجية وسفن تديرها شركات دولية تستلم النفط. وأظهرت بيانات الشحن من مجموعة بورصات لندن وكبلر التقاء ناقلات تعمل في المنطقة خلال الفترة نفسها.
واستنادا إلى الصور، هناك ما لا يقل عن 90 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات البترولية ربما نُقلت عبر الشبكة البحرية منذ أوائل مايو/أيار. ولا تزال هذه الكميات، استنادا إلى سعة الناقلات، صغيرة مقارنة بمتوسط الشحنات قبل الحرب البالغ نحو 20 مليون برميل كانت تمر عبر المضيق يوميا.
وكتب مايكل فرومان رئيس مجلس العلاقات الخارجية في مذكرة الجمعة "مع ضعف القواعد القديمة، من المثير للسخرية أن تتبع الولايات المتحدة الآن نهج الصين وروسيا وكوريا الشمالية وحتى إيران، وبدأت ما يطلق عليها 'أساطيل الظل' التابعة لتلك الدول هذه التقنيات على وجه التحديد للتحايل على عقوبات الولايات المتحدة والأمم المتحدة".
ويشير فرومان إلى ممارسة إرسال سفن عبر المضيق مع إغلاق أجهزة الإرسال والاستقبال، وهو ما ذكره ترامب في تعليقات أدلى بها في العاشر من يونيو/حزيران بعد إسقاط الطائرة الأباتشي.
وقالت ستة مصادر على دراية مباشرة بالعملية إن الولايات المتحدة دعمت السفن المشاركة من خلال المراقبة الجوية وفحص الامتثال والرصد بدلا من المرافقة البحرية.
وأظهرت مراجعة لسجلات الشحن أن شركات تشغيل ناقلات دولية تهيمن على جانب الاستقبال في العملية، وألمحت إحداها، وهي دايناكوم تانكرز مانجمنت ومقرها اليونان، إلى جهودها لإيجاد طرق مبتكرة لشحن النفط عبر المضيق منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط.
وقال جورج بروكوبيو مؤسس الشركة في مؤتمر "كابيتال لينك" للشحن الذي عقد في أثينا في الأول من يونيو/حزيران "حرية الملاحة أمر أساسي ولا يمكن لأحد أن يفرض رسوما أو أي عبء آخر". وأضاف "نحن هنا لخدمة الجميع، واليونان لديها تقليد في كسر الحصار منذ العصور القديمة... لا أريد الخوض في مزيد من التفاصيل، لكنني أعتقد أن التلميحات كافية لفهم ما أعنيه".
وذكر مصدر آخر من الأمن البحري أن النظام الجديد يفرض مخاطر خاصة به على القطاع. وأضاف "هناك نقص في البيانات الموثوقة"، مشيرا إلى أن أجهزة الإرسال والاستقبال المستخدمة لإبلاغ مواقع السفن يجري إيقاف تشغيلها وأن "الشركات لا تقدم تقاريرها عبر مراكز الإبلاغ المعتادة"، وأفاد عدد من المسؤولين في قطاع الشحن إن هذا يهدد بحدوث تصادم بين السفن التي تبحر ليلا وأضواءها مطفأة بسرعات لا تسمح بالمناورة بسهولة.
وقالت أربعة مصادر مطلعة على الترتيبات إن شركات التشغيل التي تسعى للدخول في هذا النظام مطالبة بالخضوع لعملية مراجعة للامتثال قبل تخصيص منافذ عبور لها. وتشمل العملية تقديم معلومات إلى مكتب التعاون والتوجيه البحري للشحن التابع للبحرية الأميركية في البحرين. وطلب من شركات التشغيل في وثيقتين مبدئيتين للامتثال، تقديم سجلات تتبع للمكان الجغرافي كاملة وكشف كامل عن الملكية الفعلية ووثائق الشحن والاستعداد لفحص البضائع. وفي حالة الموافقة على الطلبات، تخصص منافذ عبور للسفن المشاركة وتظل على اتصال بالمكتب التابع للجيش الأميركي في البحرين طوال الرحلة.
وكشفت سجلات شحن أن الصادرات الإماراتية مثلت حصة كبيرة من عملية النقل الأميركية. وقالت ستة من المصادر إن شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) من أنشط المشاركين في عمليات النقل التي تقودها الولايات المتحدة.
ونشطت شركة ناقلات النفط الكويتية أيضا في عمليات النقل. وأظهرت بيانات على موقع "ناتكر تراكرز دوت كوم" أنه جرى سحب حوالي 2.3 مليون برميل من النفط الخام من إحدى سفن الشركة قبالة سواحل ميناء صحار العماني في السادس من يونيو/حزيران، أحد أكثر الأيام ازدحاما لعمليات النقل.
وشوهدت السفينة "سي.روبي" المستلمة للشحنة بعد خمسة أيام قبالة الساحل الجنوبي الغربي للهند، وكانت متجهة إلى الصين حيث كان من المتوقع تفريغ الحمولة. وقال رايدان "لا أرى حلا دائما في كل هذا... هذا حل مؤقت في ظروف استثنائية".