واقعية تفكيك حماس خلال شهرين

يبدو أن الحديث عن تفكيك سلاح حماس خلال فترة زمنية قصيرة يتجاوز كونه خطة قابلة للتنفيذ، ليصبح أداة سياسية وإعلامية تُستخدم في إدارة الصراع أكثر مما تهدف إلى حله.

تتداول وسائل إعلام عبرية في الأيام الأخيرة تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي حدّدا مهلة زمنية تمتد لنحو شهرين، بهدف دفع حركة المقاومة الإسلامية حماس إلى تفكيك ترسانتها العسكرية، في خطوة تُعدّ شرطًا أساسيًا للانتقال إلى أي ترتيبات سياسية أو أمنية لاحقة في قطاع غزة.

ويبدو أن هذا الطرح، الذي لم يصدر بشكل رسمي عن الجهات المعنية، أثار تساؤلات واسعة حول خلفياته وتوقيته وأبعاده الحقيقية، خاصة أن تسريب هذه المعلومات يأتي في توقيت بالغ الحساسية، مع استمرار حالة الجمود السياسي وغياب أي اختراق حقيقي في مسار التهدئة. وهذا بالتأكيد قد يفتح الباب أمام فرضية أن الحديث عن "مهلة زمنية" ليس سوى أداة ضغط نفسية وإعلامية تُستخدم لإعادة رسم المشهد التفاوضي وفق شروط جديدة أكثر تشددًا، تخدم أجندات أمنية وسياسية محددة.

وتطرح هذه التسريبات تساؤلًا مركزيًا حول ما إذا كان المقصود منها توجيه رسائل ضغط غير مباشرة إلى حركة حماس، أم أنها تعكس بالفعل توافقًا أميركيا ـ إسرائيليًا على الانتقال إلى مرحلة أكثر صرامة في إدارة ملف غزة، بعد تعثّر محاولات التوصل إلى تفاهمات طويلة الأمد خلال الشهور الماضية.

وتبدو واقعية مطلب "تفكيك السلاح خلال شهرين" محل تشكيك واسع لدى كثيرين، نظرًا لتعقيدات البنية العسكرية للفصائل الفلسطينية، وتجارب سابقة أثبتت أن نزع سلاح حركات مقاومة راسخة لا يتم بقرارات زمنية أو ضغوط إعلامية، بل يتطلب مسارات سياسية شاملة وضمانات أمنية عميقة، وهو ما لم يتوافر حتى الآن.

وتستحضر هذه الطروحات تجارب إقليمية سابقة، من جنوب لبنان إلى العراق، حيث فشلت محاولات تفكيك الجماعات المسلحة دون توافق سياسي شامل، وغالبًا ما أدت إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار. وفي الحالة الفلسطينية تحديدًا، يرتبط السلاح لدى فصائل المقاومة بمفهوم الردع والدفاع في ظل غياب أفق سياسي واضح أو ضمانات دولية ملزمة.

ومن زاوية أخرى، فإن الترويج لمهلة زمنية محددة قد يكون جزءًا من حرب نفسية تهدف إلى إرباك الداخل الفلسطيني، ودفع الشارع في غزة إلى الضغط على قيادته، في وقت يعيش فيه القطاع أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة، وهو ما يجعل أي خطاب تهديدي أكثر تأثيرًا على المزاج العام.

كما لا يمكن فصل هذا الطرح عن الحسابات الإقليمية الأوسع، حيث يُنظر إلى الملف الغزي كأداة ضغط متبادلة بين أطراف عدة، في مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، ودول إقليمية فاعلة من جهة أخرى، يُنتظر منها لعب أدوار الوساطة أو التأثير في مسار الأحداث، سواء عبر التهدئة أو عبر احتواء التصعيد.

وربما أن إثارة ملف "نزع السلاح" في هذا التوقيت قد تكون محاولة لفرض وقائع سياسية قبل أي حديث جدي عن ترتيبات "اليوم التالي للحرب"، أو عن شكل الإدارة المستقبلية للقطاع، بما يضمن عدم عودة المعادلات السابقة التي كانت ترى فيها تل أبيب تهديدًا طويل الأمد لأمنها.

وداخليًا، لا ينفصل هذا الخطاب عن المشهد السياسي في إسرائيل، حيث يواجه الائتلاف الحاكم ضغوطًا متزايدة من الشارع ومن المعارضة، ويبحث عن إنجاز سياسي أو أمني يمكن تسويقه للرأي العام، خاصة في ظل الانتقادات الواسعة لطول أمد العمليات العسكرية دون حسم واضح.

أما على الجانب الأميركي، فيُنظر إلى مثل هذه التصريحات باعتبارها جزءًا من محاولة إدارة التوازن بين دعم إسرائيل واحتواء التوتر الإقليمي، في ظل ضغوط داخلية متصاعدة تتعلق بالكلفة الإنسانية للحرب وتداعياتها على صورة واشنطن في المنطقة والعالم.

وفي حال انقضاء المهلة المزعومة دون تحقيق الهدف المعلن، تبقى كل السيناريوهات مفتوحة، بدءًا من تصعيد عسكري محدود أو واسع، مرورًا بإعادة تموضع ميداني، وصولًا إلى استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم" التي تُبقي القطاع تحت ضغط دائم دون أفق سياسي واضح.

وفي المحصلة، يبدو أن الحديث عن تفكيك سلاح حماس خلال فترة زمنية قصيرة يتجاوز كونه خطة قابلة للتنفيذ، ليصبح أداة سياسية وإعلامية تُستخدم في إدارة الصراع أكثر مما تهدف إلى حله، في وقت يظل فيه السؤال الأهم معلقًا: هل تقود هذه الضغوط إلى تسوية حقيقية، أم أنها تمهّد لجولة جديدة من المواجهة يدفع ثمنها المدنيون أولًا وأخيرًا؟