مفهوم الحرب: تغاير المعيارية في الواقع الدولي الجديد

مع الحروب العديدة التي شنتها الولايات المتحدة، منذ العقدين الاخيرين من القرن العشرين وحتى أيامنا هذه، أمست الحرب ام الحقائق، وترافق ذلك مع عبور العالم الى لحظة جديدة من الحكم والسيادة، لحظة تغايرت معها المفاهيم بتغاير المعيارية والحدثية، وشهدت تحول الولايات المتحدة الى امبراطورية جديدة، إذ باتت تتسيد المجال العسكري برمته في العالم، وهي تتطلع اليوم الى امتلاك الكلية المكانية والزمانية، فحلت بذلك مرحلة كاملة من الافكار والاحداث والتحليلات حول الحروب الاحتمالية لهذه الامبراطورية التي تحيل الى لغة الصواريخ والدبابات مهمة كتابة الوقائع على الارض، ساعية الى ان تحقق حروبها قطيعتها الكارثية مع كل اسباب ومسوغات الحروب السابقة، سواء المفترضة منها ام المتخيلة، وقاطعة مفهوم الحرب عما تحقق له من مركبات وحمولات سابقة تراكمت عبر السنين، حتى غدت الحرب في معيارية الخطاب الامبراطوري الجديد رسالة الأمة الاميركية الجديدة الى العالم، والتي يدعي الامبراطور المغرور المتوج عليها انه كُلف بها تكليفا إليها، بما يحقق له كأصولي الحسنة بأضعاف أمثالها، مع أنها في حقيقة الامر رسالة نفعية المحتوى، تكلف البشرية إزهاق ارواح الآلاف، بل الملايين من الأبرياء.
كانت الحرب حربا رادعة، اي ردع عدوان، او دفاعا عن ارض او حق مغتصب، لكن في المعيارية الجديدة للنظام الامبراطوري صارت الحرب وقائية او استباقية، تتحكم في وقائيتها نفعية ومصالح المحافظين الجدد والشركات التي يعملون لصالحها او معها في المركز الامبراطوري، فإذا كان هناك ثمة احتمال ما لتعرض المصالح الامبراطورية في اي بقعة من العالم، توجب شن حرب على من يسبب ذلك التهديد، او حتى على من تكون له النية في ذلك. لكن الحرب غير الشرعية تبقى، قبل كل شيء، فعلا يتناقض مع القانون الدولي، حتى ولو أتت بنتائج مرجوة منها، كخلع مستبد مثل صدام حسين مثلا. وعليه فإن المقدمة الكلية لكل ما يتبع مفهوم الحرب على الصعيدين المفهومي والجيوسياسي صارت تخضع لمنطق القوة الامبراطوري، الذي غلّب الارادة على العقل، ولم يسعفه في ذلك غير امتلاك النظام الامبراطوري لأقوى جيش في العالم. جيش تكمن قوته في قدرته على الانتشار السريع في اي مكان محتمل على وجه الارض، وبالتالي فإن منظري منطق ارادة القوة، وصانعي حروب النظام الامبراطوري، باتوا أسرى وقائع وأحداث معياريتهم العدوانية في شن الحروب. وعليه لن تنفع اصوات الحركات المناهضة للحرب، ولا ركام خطابات السلام، في منعهم عن تنفيذ خططهم العدوانية، فهم يرون الى الحرب وكأنها استعراضا لعبقرية القوة المعلوماتية والالكترونية ولأدواتها العالية الدقة والكفاءة في إحداث الخراب والمجازر، وفي نفس الوقت امتلاك التفوق التكنولوجي لمحو آثارها الهائلة والمدمرة.
لكن هل يمكن الحديث عن الحرب اليوم من غير الاحالة الى الواقع الدولي الجديد؟ وهي ليست إحالة بسبب الطابع الكوني لمفهوم الحرب، بل لأن مسألة الحرب تقتضي موقفا منها، وهو موقف يتجه نحو رفضها بوصفها حربا، وبالأخص حين تفقد صفة الشرعية او العدالة، مع ان هذا الموقف الرافض يكتسي اليوم أهمية مميزة، خصوصا وأن عالم ما بعد الحرب الباردة، كانت أمامه فرصة كبيرة للتعايش السلمي والتعاون في بناء الفضاء الكوني المشترك الذي يتسع للجميع.
من جهة اخرى فقد سال حبر كثير حول مفهوم "الحرب العادلة"، إذ على الرغم من محاولات الحداثة الاوروبية استئصال هذا المفهوم الفقير، وإلغائه من تراثها القروسطي، لكنه عاد ليحتل مركزا رئيسا في النقاش الدائر على صعيد الفكر السياسي في العالم الامبراطوري الذي نعيش فيه اليوم. ويستند المفهوم المذكور الى دعوات تحيله الى مشروعية استخدام القوة العسكرية طالما تستند الى مبرر أخلاقي، وفي هذا الصدد تجهد رسالة المثقفين الاميركيين الى العالم الاسلامي في تسويغ سند كهذا، كما يستند الى فعالية الأداء العسكري للقوة في سبيل تحقيق الهدوء، وفرض النظام الذي تراه سلطة القوة مناسبا. وهذان العنصران يشكلان اساس امبراطورية النظام الجديد وتقاليدها الجديدة، فالعدو اليوم في ظل هذه المعيارية الامبراطورية بات أمرا مألوفا، حيث تجري عمليات اختزاله الى مجرد هدف ينبغي استئصاله بعملية "جراحية"، كونه ينتمي الى "الدول المارقة" او دول "محور الشر" مثلا. إنه عدو بالمطلق الميتافيزيقي، بوصفه يشكل تهديدا للنظام الاخلاقي الجديد؛ نظام وأسلوب وقيم الحياة الاميركية ومبادئها. كل ذلك ترافق مع تشكل نموذج جديد لمفاهيم الدولة والسيادة وحق التدخل، فقد زال بريق السيادة للدولة القومية واستقلاليتها، بزوال القيود المفروضة على حرية السوق، وزوال التناحرات الكبرى بين الدول المتقدمة، ومع ذلك فإن السلطة الامبراطورية تخاف، كما يقول "ميشال فوكو"، من الفراغ وتحتقره، لذا فهي تبحث على الدوام عما يشغل ذلك الفراغ.
لقد بنى بوش عقيدته عبر التشديد على ما يسميه الارهاب وحربه المستمرة ضده، ولا تقدم هذه العقيدة اية شرعية لحروب إدارته، لكنها تهدف الى بلورة الهيمنة الامبراطورية على النظام العالمي، وإرساء سياسة عالمية للسيطرة، وهي سياسة احادية تحاول الحلول محل القانون الدولي الذي أرسته شرعة الأمم المتحدة، ولا تلقى القبول من طرف دول عديدة في العالم، فضلا عن ان المجتمع الدولي هو من التعقيد بحيث لا يمكن قيادته من طرف مركز امبراطوري، بواسطة سياسة لا تقر إلا بالقوة العسكرية. تلك السياسة الامنية التي ترتكز في مرجعيتها الى الشكل الهوبزي ( نسبة الى هوبز) للنظام الأمني المتراتب، وهي سياسة متقادمة وجرى تجاوزها عالميا.
إن الأحادية المهيمنة في النظام الامبراطوري الجديد لن تولد غير تأثيرات يصعب ضبطها وتقديرها، وستفرز عمليات فرض الهيمنة الاميركية في اكثر الميادين حساسية آليات مقاومتها موضوعيا وذاتيا، سواء داخل اميركا ام خارجها، الامر الذي ينتج عنه ان قيام نظام للحرب في المركز الامبراطوري، من خلال العسكرة التي تحاول الاجهاز على منجزات دولة القانون، بالتعدي على الحريات العامة والفردية للمواطنين الاميركيين والحد منها وتقييدها، ومن خلال الحروب والصراعات المتزايدة دوليا، لن يفض الا بمزيد من عدم الاستقرار، ومزيد من الرفض والاستنكار والمعارضة. * عمر كوش، كاتب سوري