ثقافة الطفل والعرب

بقلم: السيد نجم
سندباد الطفل العربي، رسم في اليابان

ربما إجمالا يمكن الإشارة إلى مفهوم "ثقافة الطفل"..أنها جملة العلوم والفنون والمهارات والقيم والمعارف التي نلقنها للطفل، والتي تلعب دورها في التأثير على سلوك الطفل في المجتمع.
كما يمكننا التعرف عليها مباشرة، من خلال متابعة إنتاج الطفل (في اللعب والحكى وربما في الحديث والسلوك اليومي).
ولا حيلة أمام الأجيال الناضجة والتي تسعى لبناء مستقبل أوطانها، إلا مراعاة "الطفل"، والاقتراب من عالمه، ثم تقديم كل ما هو معين وضروري لشد أذر الصغار لمواءمة حياتهم المستقبلية، التي هي حياة الأمة نفسها.
ودور المجتمع يبدأ بالأسرة أو بالأحرى بالأم..أن تبث في الصغير روح الانفتاح والتطلع إلى العالم، بحسن توظيف حواسه ومداركه، وحتمية الاستجابة إلى ما يدركه ويتعامل معها.

وقد وجد "الطفل" الموقع المناسب من الاهتمام في فكر وعمل رجال الفكر والعقيدة إبان ذروة ونضج الحضارة العربية الإسلامية. وربما يعود ذلك إلى عدة عوامل..
: الشعور الإنساني للمجتمع والفرد الناضج بالبنوة والأمومة، وهو ما أشار إليهما القرآن والسنة في أكثر من موضع.
:اهتمام الشريعة الإسلامية وبوضوح بشئون الطفل، وفى أحكام محددة، ومازالت مرجعا للعديد القوانين المدنية حتى الآن.
: لقي الطفل اهتمام المؤسسة الدينية، منذ بداية الدعوة وحتى رسخت وانتشرت.

انعكس ذاك الاهتمام في العديد من السلوكيات والظواهر التربوية والاجتماعية، إلا أن الفعل الحضاري انعكس أوضح وبجلاء مع العديد من المنجزات منها.. ما ألفه "ابن الجزار" الذي يعد أول منجز علمي في مجال الثقافة الصحية للطفل "سياسة الصبيان وتدبيرهم"، الذي قال فيه:"إن معرفة سياسة الصبيان وتدبير صحتهم باب عظيم الخطر جليل القدر، ولم أر لأحد من الأوائل المتقدمين المتطببين كتابا كاملا فيه".
أما الطبيب الفيلسوف "ابن سينا"، فقد أنجز للطفل جزءا هاما في كتابه الشهير في الطب المسمى بـ"القانون"..
كما كتب "الرازى" رسالة علمية مفصلة في أمراض الأطفال والعناية بهم..
ثم كتب "القرطبي" في موضوع "خلق الجنين وتدبير الحبالى والمولودين"..
أما "الطبري" فقد أفرد في كتابه "كناشة المعالجة البقراطية" مقالا في طب الأطفال..
يكفى أن نشير إلى أن الاهتمام بطب الطفل في أوروبا، واستخدام مصطلح طب الطفل فيها لم يستخدم إلا في القرن التاسع عشر فقط!

ولم يقتصر الاهتمام بالطفل في مجال الطب، حتى أن عالم جليل وصوفي شهير أورد ما أورده في مجال التربية والرعاية الاجتماعية للطفل في أكثر من كتاب، مثل "فاتحة العلوم"، و"أيها الولد"، و"إحياء علوم الدين"..ويعد الأخير أهمهم في هذا المجال، حيث وضع نظاما تربويا كاملا شاملا ومحددا بوضوح تام.
من أقوال الغزالى : "أعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأؤكدها، والصبى أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفسية ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قالب لكل ما يملأ به، فان عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة و وشاركه في ثوابه أبوه وكل معلم له ومؤدبو وان عود الشر وأهمل إهمالا البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالى له (إحياء علوم الدين: 783).
لقد اعتبر الغزالى الطفل جزء من نفس أبيه، يحفظ ويصان كما اعتبره أمانة ومسئولية أمام الله تعالى. وقرر أن النفس تخلق ناقصة وانما تكمل بالتزكية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم. حيث انه يقرر أن سلوك الخلق قابل للتغيير والتعديل.

كما لم يتوقف اهتمام "ابن سينا" بالطفل في مجال الطب (كما أشرنا)، بل لقي حفاوة وتحرصا منه في الجانب التربوي.
رأى ابن سينا في تثقيف الطفل وتهذيبه يتركز على العقل الذي يعتبر أساس ثقافة الطفل وتربيته، وهو ما وضح في رسالته المسماة "في المعقول"، وفيها قسم ابن سينا العقل إلى عقل نظري وعملي (كما جاء عند كانت فيما بعد)..ثم انتقل إلى أن ثقافة الطفل و تربيته وتهذيبه لابد أن تأخذ في اعتبارها طابع الطفل وتكوينه وأن الأطفال يختلفون في طباعهم وعقولهم وهذا الاختلاف والتفاضل بينهم هو من عطف الله وفضله.
يقول: "تم من عليهم بفضل رأفته منا بأن جعلهم في عقولهم وآرائهم متفاضلين كما جعلهم في أملاكهم ومنازلهم ورتبهم متفاوتين أما في استواء أحوالهم وتقارب أقدارهم من الفساد الداعية إلى فنائهم".
ويحدد ابن سينا بعدا آخر لتثقيف الطفل وتربيته وتهذيبه وهو الاستعداد والرغبة. ويتوسع ابن سينا في تحديد بدايات تثقيف وتربية وتهذيب الطفل ويتبعها بحسب مراحل نمو الطفل من الطفولة المبكرة والوسطى والمتأخرة.
وتتعدد الزوايا والرؤى التي تناول ابن سينا فيها جوانب الطفل المختلفة، وهو بذلك قدم للحضارة العربية الإسلامية وللحضارة الإنسانية إضافة حقيقية في هذا المجال. السيد نجم Ab_negm@yahoo.com

Mb_negm@hotmail.com