سامي حواط يحط رحاله في اوسلو

اوسلو
غناء للشعوب

كان لاوسلو وعربها خاصة من اللبنانيين والفلسطينيين حفلة صاخبة وحارة مع الفنان الملتزم سامي حواط ورفيقة دربه في فرقة الرحالة، عازفة الكانون المرموقة وفاء البيطار "مدام غريب"، وقد وصلوا الى اوسلو الباردة مباشرة من ايطاليا الدافئة حيث كانوا في ايطاليا قد احيوا عدة حفلات في مدن عدة منها تريستا وبيتسينزا.. في اوسلو جعلت الرحالة من رحيل العرب المهاجرين محطة لإلقاء التحية على جزء أصيل من الأمة العربية. فكانت أمسية حواط محاطة بالمحبين من كل الجهات، وأخذت حقها من الإعلام النرويجي، فاستضافته كل من محطتي التلفزة النرويجيتين تي فى 2 وأنر كو.
انشد سامي حواط للرأي العام الذي لازال صوته الحاسم يتردد صدىً قويا، ويوصل صرخات الشعوب العربية المحبوسة في مغاور وكهوف الشرق، العالقة في مستنقعات التخلف والتبعية والولاء للسلطان والراعي وكبير القوم... أنشد الفنان الملتزم بصوته الجميل للشعوب التي يريدونها أن تعيش في عهد عاد، وفي غيبوبة أهل الكهف.. كأن النفق الذي دخلت به بلادنا وحتى موسيقانا وأغاني أيامنا هذه، أصبح نفقا بلا نهاية، بلا نقطة ضوء ودونما نور في الفتحة الظاهرة على آخره.
أنشد سامي حواط الذي أحاطت به جماهيره وأحاط به محبوه في أوسلو للأيام التي وصلناها.. أيامنا في زمن ما بعد سقوط بغداد، وتيتم الانتفاضة الفلسطينية في نضالها على كل الجبهات... أنشد كمن لم ينشد منذ زمن في حضرة المهاجرين، هؤلاء الذين احتفظت ذاكرة بعضهم بالتاريخ والأزمنة والأمكنة كما تركوها في مرحلة حروب لبنان الصغير على مكانته الكبيرة. وكان صدى صوته مسموعاً وهدير كلماته متبوعاً بأصوات الذين حافظوا على أصواتهم بالرغم من بعد المسافة وتركة الماضي الثوري العتيد.
أحيا سامي السهرة بسحر عوده الذي قسم الموسيقى لأقسام ولحن الكلام فكانت الأغاني تنبع من الحناجر كأنها أصوات مياه الينابيع وهي تتدفق من جبال الغضب، كأنها المياه والنار والحمم تتفجر، تنطلق،فتصهل من البراكين العربية الراكدة، براكين الشعوب المغلوب على أمرها، المفعول بها من قبل فاعلين صفتهم مشبوهة وصفاتهم ملعونة.
أشعل سامي الذي عرفناه في كثير من الأعمال الفنية، الموسيقية والمسرحية حماس الحضور، فكان التجاوب مع أغانيه كبيرا جدا، وكان الحضور يحفظها عن ظهر قلب، يرددها معه كأنها من أغاني الساعة، مع انه مضى على ظهورها سنوات طويلة، ومنها أحد الاخوان، أنا مش كافر، بس الجوع كافر، وأغاني أخرى لا تقل عنها شهرة ولا تنقصها المعاني الكبيرة.
أعاد سامي حواط الجمهور الى لبنان وفلسطين والبلاد العربية التي تنتظر فجر الحرية وشمس الديمقراطية الحقيقية، لا ديمقراطية أمريكا وأعوانها. وعاد الحضور مع عود سامي الناطق وكمان وفاء المتكلم الى بيروت ست المدن وسيدة العواصم، عاشوا تجربتهم معها من جديد، تذكروا الماضي القريب البعيد بكل ما فيه من سرور وبسمة وفرح وعذاب وتعاقيد وتجاعيد وفشل مشاريع كبيرة وأخرى صغيرة.
كان سامي القادم من بيروت يحمل في صوته الشادي صوت الذين لهم كل صوت، تحية للذين لم يندثروا في غياهب المهاجر، وظلوا ينشدون للوطن، للقضية و للحرية.. عاش سامي بين أحبته ورفاق دربه الطويل في النرويج التي تقع جغرافياً على رأس قمة الكرة الأرضية، كأنها قمعة البطيخة كما يقولون في بلادنا العربية السعيدة... ومن أوسلو التي جاءت بسلام لم يقدم للفلسطينيين أي سلام ولا أي أمان، بدأ سامي حواط أمسيته يوم الخميس الماضي بمقطوعة موسيقية رائعة بعنوان فلسطين، وقال انه يبدأ بفلسطين لأنه تربى على القضية الفلسطينية والنضال من أجلها، ونحن أبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان وأطفالنا يعرفون سامي ورحالته خير معرفة ويحفظون أغانيه الكثيرة عن الأطفال وعن فلسطين ولبنان والشعوب المغلوب على أمرها.
تلحفت الجموع في السهرة بصوته الذي اعطاها الدفء، وتدفئ الحضور بكلماته الساخنة، فصارت موسيقاه مدفأة المكان، وارتدت الريح الباردة عن الناس حين ارتطمت بجدران صوته الحساس. سامي كان لحافنا الدافئ بالرغم من صقيع المكان وثلوج العاصمة النرويجية و برد اوسلو البيضاء. صارت الأمسية دافئة والأجواء حارة، فذابت الثلوج وبانت القلوب بيضاء بيضاء مثل ثلج اوسلو في الشتاء.
في هذه الأيام التي أصبحت بيضاء هنا وسوداء في بلادنا هناك، نوجه التحية للفنان اللبناني الملتزم سامي حواط الذي لازال ملتزما محيطه وعالمه العربي الكبير وعوالمه الأممية الأكبر. يحمل الأطفال أمانة في عنق عوده وصوته وألحانه وكلماته المنتقاة.. يرحل سامي الى أطفاله في كل مدينة وقرية وبلدة ومخيم، ينشد للانتفاضة الشعبية، للثورة المستمرة بوعي من يحب الحياة لأجل الحياة بكرامة وحرية، ينشد سامي للسلام ولفجر الحرية القادمة لا محالة.