سلطان بن طحنون: هيئة الثقافة والتراث لتقوية الروابط مع الماضي والتطلع للمستقبل

أبوظبي
التراث يلعب الدور الهام في تطور المجتمع فكرياً واقتصادياً

دشنت أبوظبي الأحد استراتيجيتها في الحفاظ على تراثها الثقافي وإدارته وذلك في افتتاح الملتقى الإقليمي للتراث العالمي في الدول العربية- متابعة التقارير الدورية وإدارة المعلومات الذي تستضيفه أبوظبي وللمرة الأولى، خلال الفترة من 4 – 8 ديسمبر 2005، تحت رعاية الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان رئيس هيئة أبوظبي للسياحة، وذلك بالتعاون بين هيئة أبوظبي للسياحة ومركز التراث العالمي لمنظمة اليونسكو.
وأكد الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان رئيس مجلس إدارة هيئة أبوظبي للسياحة في حفل افتتاح الملتقى الذي حظي بحضور دولي واسع أن تنفيذ استراتجية الحفاظ على التراث الثقافي لإمارة أبوظبي وإدارته، وتأسيس هيئة أبوظبي للثقافة والتراث يجسدان رؤية الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وولي عهده الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وشعب دولة الإمارات العربية المتحدة الذين يهدفون للحفاظ على تقوية روابطهم مع الماضي، مع التطلع قدماً لمستقبل مشرق.
وأشار الشيخ سلطان إلى أن هذه المناسبة العظيمة تعتبر واحدةً من المناسبات الكثيرة التي سوف تأتي من أجل دعم وتشجيع الحوار الثقافي بين الدول العربية، ومن أجل تعزيز الجهود لحماية التراث الجماعي والحفاظ عليه.
وعن قيمة التراث الثقافي وأهمية الحفاظ عليه أوضح أن التراث الثقافي الغني الذي تتقاسمه الإمارات مع الدول العربية الأخرى ظل عرضةً للتغير والضياع، ولذلك تعتبرعملية الحفاظ عليه ونقله للأجيال القادمة من أهم المسؤوليات، ولا بد من التأكد أيضاً من أن هذا التراث يلعب الدور الهام في تطور المجتمع فكرياً واقتصادياً، وأضاف أنه في الإمارات العربية المتحدة، وفي إمارة أبوظبي – على نحو خاص – أصبح موضوع التراث الثقافي يترأس جدول الأعمال، لأن التمدن المتسارع، وخطوات التغير السريعة، قد أثرت بشكلٍ كبير على التراث الثقافي، كما أثرت على شكل البيئة الطبيعية والثقافية.
وقال: إن الدور الهام الذي يمكن أن يلعبه التراث في التربية الثقافية المتكاملة، وفي بناء مجتمع معافى، وفي تعزيز قيمنا وتقاليدنا، وفي التطور الاقتصادي، حث الدولة على اتباع نهج شامل لزيادة الوعي بتراثنا الثقافي وتعزيزه، وقد تمكنت هيئة أبوظبي للسياحة وفريق خبراء اليونسكو من تحديد القضايا الحرجة التي تؤثر على هذا التراث. هذا وقد تم إعداد استراتيجية شاملة للحفاظ على التراث الثقافي لإمارة أبوظبي وإداراته، وقد تمت تغطية العديد من الأفكار مثل التعليم، ووسائل الإعلام، وحماية وإدارة المعلومات، وسن القوانين، وتنمية الموارد البشرية، والسياحة الثقافية، وغيرها من المواضيع، وتابع سموه: تمت صياغة مجموعة من المشاريع ينبغي أن تحظى بالأولوية في التنفيذ. وكان أهم شرط للتأكد من استدامة الإستراتيجية هو تحديد جهة ما تكون مسؤولة عن تنفيذها، كما تكون مسؤولة عن الحفاظ على التراث الثقافي لإمارة أبوظبي. وقد تم - بحمد الله – إنشاء هيئة أبوظبي للثقافة والتراث في 15 أكتوبر 2005، ونحن فخورون برؤية المطلب الرئيسي للاستراتيجية يتحول إلى واقع من خلال إنشاء هذه الهيئة.
واعتبر الشيخ سلطان بن طحنون أن إنجاز الاستراتيجية، والإعلان عن هيئة أبوظبي للثقافة والتراث يعتبر في حد ذاته، إنجازاً عظيماً على المستوى الإقليمي، وقال: نتطلع أن يصبح نموذجاً يحتذى في البلدان المجاورة، التي تتطلع قدماً لحماية تراثها الثقافي وتقويته، وبما أننا بدأنا في هذا الطريق، لا يسعنا إلا أن نواصل تنفيذ رؤية الفقيد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في الحفاظ على هوية وثقافة شعب الإمارات العربية المتحدة وتعزيزها، وكذلك رعاية التراث المشترك للأمة العربية.
ويتناول الباحثون في الجلسات العلمية للملتقى عدة مواضيع أبرزها سبل حماية مناطق الآثار التاريخية والمحميات الطبيعية والحفاظ على خصائصها الإنسانية والفنية، وضرورة تنمية الوعي والتثقيف تجاه القيمة العالمية للتراث والبيئة، والبحث في سبل المحافظة على المدن التاريخية والمواقع الطبيعية وإداراتها، وتحديد السمات الثقافية التي قد تكون لها قيمة عالمية استثنائية.
والجدير بالذكر أن دولة الإمارات سعت لتسجيل بعض المواقع الأثرية والطبيعية الهامة في اليونسكو وحمايتها كتاريخ وإرث حضاري عالمي، منها منطقة الهيلي حيث تعتبر مواقع العصر البرونزي في هذه المنطقة التاريخية والتي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد أكبر مجمع أثري موجود في دولة الإمارات العربية المتحدة من ذلك العصر، وقد تم ضم بعض تلك المواقع إلى حديقة الآثار في الهيلي والتي تم تشييدها لابراز آثار المنطقة وتسهيل زيارتها من قبل العامة. بينما بقي القسم الأكبر من تلك المواقع، إضافة إلى مواقع أخرى من العصر الحديدي التي تعود إلى حوالي 1000 سنة قبل الميلاد خارج الحديقة. بوشناقي: استراتيجية أبوظبي يمكن أن تكون مرجعاً للعديد من الدول أكد الدكتور منير بوشناقي نائب مدير عام منظمة اليونسكو لقطاع الثقافة أنه ولأول مرة تتاح فرصة لليونسكو للالتقاء مع مسؤولي التراث في الدول العربية وطرح قضايا متخصصة في التقييم التراثي وتسجيل مواقع جديدة في قائمة التراث العالمي، مؤكداً أن استراتجية أبوظبي للحفاظ على التراث الثقافي وإدارته يمكن أن تكون مرجعاً لكثير من الدول في هذا المجال.
وأوضح في كلمته في افتتاح الملتقى الإقليمي للتراث العالمي في الدول العربية- متابعة التقارير الدورية وإدارة المعلومات، أن تسجيل المواقع هو بداية مرحلة جديدة فالتعريف الذي يعلن عنه من قبل لجنة التراث العالمي تعتبر بداية لمراحل أخرى، مشيراً إلى أن التقييم والمتابعة يعتبران من أهم المسؤوليات التي يقوم بها مركز التراث العالمي في اليونسكو، مؤكداً أن الاعتراف بموقع لايعني أن المواقع الأخرى ليست ذات أهمية بل على العكس فإنه محفز لإدراج تلك المواقع والمحافظة عليها.
وأكد أن هناك عقبات ومشاكل كثيرة تواجه قضايا التراث في المنطقة العربية خصوصاً تلك المتعلقة منها بالعمران والتحديث، مؤكداً أنه إذا لم يتم أخذ القيمة العالية لمواقع التراث بعين الاعتبار فإنه ستكون هناك نتائج سلبية كبيرة على تراث البلدان العربية.
وقال إن اليونسكو تقدر عالياً أن يقوم بلد عربي لأول مرة بأخذ مسؤولية وضع خطة لحماية التراث، مشيراً إلى أنه ومنذ سنتين تم في أبوظبي دراسة كيفية الحفاظ على تراث أبوظبي الثقافي والمادي والطبيعي الأمر الذي تطلب الإعداد لاستراتيجية متكاملة للحفاظ على التراث والاستفادة منه مع التركيز على أهمية التراث وحمايته وعلاقته بقضايا النمو.
وعبر عن سعادته للمشاركة في تدشين استراتيجية أبوظبي معبراً عن شكر وتقدير العاملين وعلى رأسهم مدير عام اليونسكو للسلطات المحلية في دولة الإمارات لتنظيم الملتقى الاقليمي الذي يدل فهم عميق لأهمية التراث والثقافة في حياة الشعوب، مؤكداً أهمية الملتقى في مناقشة العديد من القضايا التي تهم الدول العربية في هذا المجال. المزروعي : هيئة التراث تروّج للتراث الثقافي للدولة وأكد محمد خلف المزروعي رئيس اللجنة المُنظمة للملتقى الإقليمي لمركز التراث العالمي (اليونسكو) دعم دولة الإمارات لاتفاقية اليونيسكو لحفظ التراث العالمي، والتي صادقت عليها دولة الإمارات العربية المتحدة في 11 مايو من العام 2001.... كما بيّن ضمن كلمته في افتتاح الملتقى الإقليمي للتراث العالمي في الدول العربية، أن تسمية المواقع الثقافية والطبيعية على قائمة التراث العالمي ليس من باب التفاخر ولكنه فرصة لتدعيم التزام أية دولة من الدول بالاهتمام بالتراث الذي تتقاسم قِيَمُه وغناه مع المجتمع الدولي على نطاق أوسع، كذلك هو فرصة لإصلاح البُنى الإدارية و التشغيلية لأية دولة بحيث تُقدم أفضل مالديها في سبيل حفظ وإدارة تراثها بما في ذلك المواقع الثقافية والطبيعية التي تتمتع بقيمة استثنائية.
وعبر المزروعي عن سعادته بإقامة حدثين بارزين في أبوظبي وهما: التراث العالمي في الاجتماع الإقليمي للدول العربية وطرح استراتيجية إدارة التراث الثقافي في أبوظبي، حيث يُجسد هذين الحدثين رؤية أبوظبي ومساعيها الدائمة في حفظ و تعزيز تراثها الثقافي، الذي يُعدّ جزءاً لايتجزأ من التراث الجماعي للدول العربية كلها، وقال: لقد منّ الله على دولنا العربية بتاريخ طويل امتد آلاف السنين وتراث غني هو عصب حياتنا اليومية ومعتقداتنا، ويقع على عاتقنا مسؤولية حماية هذا التراث وتعزيزه من خلال تحقيق التوازن في الموارد الثقافية.
وحول جهود أبو ظبي في مجال حماية وتعزيز التراث، تحدث سعادة المزروعي عن طرح استراتيجية التراث الثقافي في أبوظبي مُحددة ملامح الأمور الأساسية التي تؤثر على حفظ وتعزيز الموارد الثقافية في الإمارة، ولكن الأهم من ذلك هو تأكيدها على الحاجة إلى وضع إطار عمل خاص بالعمل في المستقبل، واعتبر المزروعي أن الخطوة الأولى كانت تشكيل هيئة قوية وحديثة تُعنَى بالتراث وهي: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث والتي تأسست في شهر أكتوبر 2005، وتتركز مهمتها في العناية بكافة نواحي التراث الثقافي للإمارة بما فيها التراث الملموس وغير الملموس، ونوّه إلى أن مهمة الهيئة الجديدة مهمة شاملة، حيث تُشكل المواقع الأثرية و المباني التاريخية جزء من تراث أوسع و أغنى يضم في المعالم الثقافية والطبيعية والعادات الشائعة والتقاليد والأعراف، وأضاف أن الهيئة الجديدة سوف تنهمك في وضع إطار عمل استراتيجي لعملها بالتنسيق والتعاون مع المساهمين الرئيسيين فيها وهم المؤسسات والشركات الحكومية وغير الحكومية والخاصة أيضاً، لكن تكمن النقطة الأهم في الدعم الذي تلقاه من المجتمع المدني، وعبر المزروعي عن الطموح نحو إشراك المنظمات الدولية في العالم العربي، بهدف تشجيع الحوار الثقافي و التعرف على التراث العربي وتقدير مدى أهميته وبشكل خاص في هذه الأوقات الصعبة التي يمر بها العالم.
ودعا المزروعي في ختام كلمته للمشاركة في جولة تنظم يوم الخميس 08/12/2005 إلى مدينة العين التاريخية للتعرف على بعض ملامح التراث الثقافي و الطبيعي لدولة الإمارات. د.التكريتي: نستبشر خيراً من إنشاء هيئة أبوظبي للثقافة والتراث قدم الدكتور وليد ياسين التكريتي خبير الآثار بهيئة أبو ظبي للثقافة والتراث عرضاً للتراث الثقافي لدولة الإمارات ولإمارة أبو ظبي بالذات، حيث تحدث عن جبل حفيت أحد أبرز معالم مدينة العين الأثرية حيث يوجد المئات من المدافن الأثرية القديمة على السفوح الشرقية للجبل، وهي ترجع إلى العصر البرونزي (2700-3200 قبل الميلاد)، ونوه إلى أنه هناك بعض أعمال التنقيب من قبل إدارة آثار العين، حيث استمرت تلك الأعمال لـ40 سنة وحققت اكتشافات كثيرة بينما أعمال الترميم كانت على نطاق أضيق.
كما قدم لمنطقة الهيلي التي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وتعتبر أكبر مجمع أثري موجود في دولة الإمارات من العصر البرونزي، وتضم مواقع كثيرة غنية تم إضافة بعضها إلى حديقة الآثار في الهيلي، والتي تم تشييدها لابراز آثار المنطقة وتسهيل زيارتها من قبل العامة، وتشكلت تلك المواقع في الفترة (2500 – 2000 ق.م) حيث كان سكان جنوب شرق الجزيرة العربية يعيشون في بيوت مبنية من اللبن المجفف بالشمس، في حين كان موتاهم يدفنون في مقابر جماعية من الحجر، ويؤكد د.وليد وجود 3 مبانٍ على الأقل في الإمارت الشمالية تشابه مباني الهيلي في العين، مما يؤكد الوحدة الثقافية والتراثية لدولة الإمارات ويبرز الحاجة إلى دعم رعاية المواقع المهمة في كل أنحاء دولة الإمارات.
وعرض التكريتي أيضاً للمقابر الجماعية التي تعود إلى النصف الثاني من الألف الثالث ق.م، والتي تسمى بمقابر أم النار والموجودة في أماكن متعددة من الدولة ولكن أهمها تلك الموجودة في منطقة الهيلي وجزيرة أم النار التي كانت جزيرة مهمة شكلت فيما مضى وسيلة اتصال أرض الإمارات مع سواحل بلاد السند (باكستان) والفرس(إيران)..
وتعتبر الأفلاج من إنجازات الإنسان القديم في أرض الإمارات في العصر الحديدي (300 – 1300 قبل الميلاد) حيث غيّرت بشكل كامل النظام الزراعي، إذ أصبحت كميات كبيرة من المياه تتدفق على الأراضي الزراعية، و الفلج عبارة عن قناة جوفية في جوف الأرض تسير لعدة كيلومترات على سطح الأرض.
كما تحدث التكريتي عن مواقع أخرى مهمة مثل صير بني ياس والجميرا وقصر المويجعي في العين الذي أقام فيه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وهي تعود إلى عصور ماقبل الإسلام وما بعدها..
ونبّه التكريتي إلى أن عمليات الترميم على المباني الآثرية، وبالذات المباني الحجرية، تفوق تلك المجراة على المواقع الأثرية، ولكنه استبشر خيراً من إنشاء هيئة أبوظبي للثقافة والتراث التي ستأخذ على عاتقها مهمة صيانة وترميم واستثمار المعالم الأثرية لأبو ظبي.