السعودية: إنقلاب قصر على الحكومة وهيئة الافتاء

ملك التجديد

الرياض، لندن – اصدر العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز سلسلة قرارات السبت بتعديلات حكومية شملت عدة وزارات، واعفاء رئيس مجلس القضاء الأعلى الى جانب 6 من كباء رجال الدين في هيئة الافتاء، الامر الذي ينظر اليه على انه حركة تجديد ترقى الى مستوى "انقلاب قصر" ضد مؤسسات فشلت في أداء دور يناسب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الداخلية التي تواجه السعودية.
واصدر الملك بن عبدالعزيز مرسوما يقضي بتعيين عبدالعزيز خوجة وزيرا للاعلام، وعبدالله الربيعة وزيرا للصحة، ومحمد العيسى وزيرا للعدل، والامير فيصل بن عبدالله وزيرا للتربية.
كما اعفى العاهل السعودي رئيس هيئة حقوق الانسان الحالي تركي السديري من منصبه وعين عضو مجلس الوزراء الدكتور بندر العيبان رئيسا جديدا للهيئة.

واقيل حمد السياري محافظ مؤسسة النقد السعودية وعين محمد الجاسر بدلا منه، كما تمت اقالة رئيس مجلس القضاء الأعلى صالح بن حميد اللحيدان، كما اقيل ابراهيم بن عبدالله الغيث رئيس هيئة "الامر بالمعروف والنهي عن المنكر" (الشرطة الدينية السعودية) وعين بدلا منه الشيخ عبد العزيز بن حمين الحمين، وإعفاء 6 من كبار هيئة العلماء من مناصبهم، وذلك فضلا إضافة 50 عضوا جديدا إلى مجلس الشورى ليصبح مجموع اعضائه 170.
وشملت التغييرات دخول اول امرأة للحكومةهي نورة الفايز في منصب نائب وزير التربية لشؤون البنات.
وعين صالح بن حميد الذي كان رئيس مجلس الشورى رئيسا لمجلس القضاء الأعلى وحل محله في رئاسة مجلس الشورى وزير العدل السابق عبد الله آل الشيخ.
واعاد العاهل السعودي تشكيل هيئة كبار العلماء وتوسيعها لتشمل 21 عضوا برئاسة المفتي الحالي الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ.
وعين العاهل السعودي ايضا رئيسا جديدا لديوان المظالم هو الشيخ ابراهيم الحقيل ورئيسا جديدا للمحكمة العليا.

ويسود الاعتقاد ان الهدف الرئيسي من التغييرات هو الإطاحة بـ"الحرس القديم" داخل المؤسسة الدينية التي فشلت في مواكبة الحاجة الى تقديم صورة متحضرة للسعودية. وأدت الى زيادة الانتقادات ضد ما يعتبر تشريعات فقهية لا تمت الى الواقع بصلة.
والشيخ اللحيدان هو صاحب الفتوى الشهيرة التي هددت اصحاب المحطات الفضائية بالقتل لان محطاتهم التلفزيونية "تنشر الفكاهة والمجون وتضييع الوقت بغير فائدة". وهي الفتوى التي تبعها شيوخ افتاء آخرون بتحريم "ميكي ماوس" ومعارضة فتح دور للسينما، والدفاع عن تزويج القاصرات، وغيرها من الفتاوى التي كشفت عن عقلية بعيدة كليا عن ما يحيط بالسعودية من متغيرات اجتماعية وثقافية مؤثرة.
ويبدو من التغييرات الحكومية انها تعبير عن اعتراف بتعثر اعمال الوزرات ذات الطبيعة الاجتماعية (العدل والتربية والاعلام) من اداء دورها في تقديم صورة مناسبة للسعودية، الى جانب فشلها في إرساء أسس لثقافة اجتماعية اكثر تنورا.
وتواجه السعودية ازمة اقتصادية خانقة بسبب تراجع أسعار النفط، دفعتها أخيرا الى اقرار ميزانية شملت عجزا هو الاول من نوعه منذ عام 2002، وذلك مع زيادة الانفاق المالي لحفز النمو والتصدي لانخفاض أسعار النفط دون 40 دولارا للبرميل من أكثر من 147 دولارا في يوليو/تموز الماضي.
وقالت المجموعة المالية – هيرميس اخيرا إن من المتوقع أن ينكمش الاقتصاد السعودي بنسبة 0.9 في المئة هذا العام بفعل تخفيضات حادة في انتاج النفط وذلك رغم أن القطاع غير النفطي قد يحد من الهبوط مع زيادة الانفاق الحكومي.
وكان وزير الخارجية الكويتي كشف الشهر الماضي ان العرب خسروا 2500 مليار دولار بسبب الازمة المالية العالمية. ويعتقد ان قسطا كبير من هذه الأموال الضائعة كان من نصيب السعودية.
وقال الشيخ محمد صباح السالم الصباح ان حوالى 60% من مشاريع التنمية "إما ارجئت وإما ألغيت" من قبل الاعضاء الستة في مجلس التعاون الخليجي (السعودية وقطر والكويت والبحرين والامارات العربية المتحدة وعمان) بسبب الازمة.
وتترك الأزمة المالية العالمية وانخفاض اسعار النفط انعكاسات قاتمة على الاوضاع الاجتماعية داخل المملكة، حيث ترتفع معدلات الفقر لتشمل اكثر من 30 من مجموع السكان، بينما تشمل البطالة نحو 12% من مجموع الأيدي العاملة السعودية.
وفشلت مؤسسة النقد السعودية في كبح جماع معدل تضخم يزيد على 15 في المئة سنويا، وهو ما ادى الى ارتفاع الاسعار وإضعاف القدرة الشرائية للريال، ودفع ملاين السعوديين من ذوي الدخل المحدود الى العيش على حافة الفقر.
وكان تقرر دولي حول السعودية رفع إلى الأمم المتحدة رسم صورة قاتمة عن وضع الحريات المدنية في المملكة مؤكدا ان "التمييز ضد المرأة والعمال الأجانب، يشكل تحديا هائلا للمملكة".
وقال التقرير، ان سجل السعودية في مجال هدر الحريات الاجتماعية يعد الأسوأ من نوعه على الصعيد العالمي.
وتضطر السعودية في مواجهة الانتقادات الدولية المتزايدة ان تدافع عن نفسها بالتذرع بالتقاليد والعادات الاجتماعية، إلا انها اضطرت أيضا الى الاعتراف بان سجلها يمكن ان يتحسن في المستقبل.
وقال تقرير رسمي سعودي "ان بعض العادات والتقاليد الموروثة لا تزال منتشرة في المملكة تتطلب معاملة خاصة لتغييرها ويمكن ان تأخذ وقتا أطول لتتكيف مع وضع جديد".
وأضاف التقرير في تبرير التطور التدريجي "فان الطبيعة البشرية تحتاج الى وقت للتكيف تدريجيا.. وترفض التخلي عن العادات والتقاليد القبلية الموروثة دفعة واحدة".
وتطرح المنظمات غير الحكومية مشكلة السعودية في ما يتعلق بحقوق الانسان والحريات المدينة والاجتماعية على انها نتاج لغياب الحرية الدينية واعمال التمييز.
ويبدو ان "انقلاب القصر" على اعتق المؤسسات الدينية هو انقلاب على تصوراتها وتشريعاتها وثقافتها. ولكن ما يزال من المبكر معرفة الأثر الذي سيتركه هذا الانقلاب على الحياة العامة في السعودية، لا سيما وان "الحرس القديم" في هيئة الافتاء وهيئة "الامر بالمعروف" والمجلس الأعلى للقضاء، يعدون قوة تأثير ضخمة، ولديهم جيش شعبي جرار من الاتباع المتشددين.
وعادة ما يمثل هذا "الحرس" قوة دعم للنظام الملكي الذي قام في الأصل على تحالف بين مؤسس المملكة عبدالعزيز آل سعود مع مؤسس المذهب الوهابي الشيخ محمد عبدالوهاب.
والسؤال الذي يواجه المملكة الآن هو ما إذا كان الانقلاب على هذا الحرس سيؤدي الى اختبارات قوة بين الطرفين.
وفي الوقت نفسه، فان التغيير نفسه سيترك انعكاسات خطيرة داخل المؤسسة الدينية نفسها التي ينتظر ان تواجه انقسامات حادة أيضا.
والخطر المباشر الذي قد تتعرض له السعودية هو ان تنتقل هذه الانقسامات الى الشارع، فتؤدي الى احداث اضطرابات في مجتمع يتمزق، في الواقع، بين تضاربات ثقافية كثيرة، نجمت في الأصل عن سلطة مطلقة لشيوخ اثبتوا انهم يعيشون في عصر غابر ويرفضون التقدم الى الأمام لرؤية ما يتغير من حولهم.