الفوضى الخلاقة تربة الفساد والإفساد

لا نتجنى على الوقائع عندما نقول أن أميركا جاءت بشيئين، هما من أكثر الأشياء تأثيراً على العراق والعراقيين، ألا وهما الفوضى، التي وصفتها بالخلاقة، والفساد والإفساد الذي عبره ومن خلاله حاولت تكريس واقع ترفضه طبيعة العراق والعراقيين، ويتنافر كلياً مع ماضي البلد وحاضره.
يمكن تلمس مظاهر الفوضى في كل مناحي الحياة في ما يُسمى العراق الجديد. لقد أدخلنا الإحتلال في فوضى تتولّد من فوضى، وتوّلد فوضى.
المشهد العراقي، ومنذ التاسع من نيسان 2003 إنموذج صارخ لتلك السياسة الإجرامية، البالغة القسوّة والبشاعة والعنف، والتي طبقت على وطن هو من أعرق الأوطان على وجه البسيطة، وعلى شعب هو من أنبل وأطيب شعوب الأرض.
بعد ست سنوات من تطبيق سياسة الفوضى الخلاقة، ها هم العراقيون يبحثون عن الوطن الذي هو الخيمة التي تضمهم جميعاً. لم يزل العراق من دونما علم أو شعار أو نشيد وطني. بعد ست سنوات ما زلنا بدون قانون للأحزاب، وبدون قانون للنفط، وبدون قانون للإنتخابات سوى ذاك المرفوض الذي مرر الخديعة، وكرّس الطائفية والتقاسم الطائفي والعرقي، وقدم مجهولي الهوية لواجهة الحدث السياسي، ثم لقيادة العراق الذي هو الآخر أضحى بدون هوية. وما زال دستورنا المسلوق على عجل، ينتظر التعديلات التي لم يجر الاستفتاء عليها وبشأنها. ولأول مرّه بات على العراق أن يقرر هل خانقين وكركوك ومندلي وسنجار وتلعفر مدن عراقية أم لا؟ وهل النخيب من ضمن أراضي جمهورية الأنبار أم من جملة أراضي جمهورية كربلاء؟ وهل ناحية بصيّة تابعة لدولة المثنى أم لدولة ذي قار؟ وما زلنا لا ندري لحد الساعة هل التعاقد مع الشركات الأجنبية من أجل استخراج النفط وتسويقه، وربما تصنيعه، من اختصاص وزارة النفط والحكومة أم من اختصاص السيد المحافظ أو مجلس المحافظة؟
والحمد لله أن حكومتنا الميمونة ستحتفل قريباً وبعد ست سنوات بتسيير أول طائرة مسـتأجرة للخطوط الجوية العراقية بين لندن وبغداد! لاحظوا أن الطائرة، او الطائرات مٌستأجرة !
وبعد ست سنوات من التجريب المُميت ها هو محافظ البنك المركزي ووزير التخطيط وكذا وزير المالية يختلفون، هل من مصلحة الاقتصاد العراقي ان يكون الدينار العراقي قوياً أم ضعيفاً. وما زالت الحكومة الموقرة لم تقرر بعد. هل هي مع دينار عراقي قوي أم مع دينار ضعيف. لم يحدد الخبراء والاختصاصيون – على كثرتهم - أين تكمن مصلحة الاقتصاد العراقي؟
ثم هل نبقي على ديوان الوقف الشيعي، وديوان الوقف السني، أم نوحدهما بديوان واحد، أو وزارة للأوقاف كما كان الأمر سابقاً؟
***
عندما دخلت جحافل المحتلين إلى العراق أباحت كل شيء. كنا نرى بأم العين كيف فتح جنود الاحتلال وإدلاؤهم من العراقيين وغيرهم أبواب القصور والبنوك والمؤسسات لحواسم التاسع من نيسان الذين كانوا صغاراً فاضحوا كباراً. كان أولئك الأشخاص الآتين مع قوات الاحتلال والذين تم تدريبهم مُسبقاً، يُمهدون الطريق أمام صبية لوّحت بشرتهم شمس بغداد المحرقة لنهب كل شيء. هؤلاء الأشخاص الذين نهبوا خابية أو سجادة أو آنية، أعدوا وتحت نظر الأميركان ورعايتهم ليكونوا من ضمن ناهبي العراق في قابل الأيام، بعد أن يكون المحتلون قد وضعوا أيدهم على كل ما هو ثمين وقيم، وذو أهمية تراثية أو ثقافية أو مخابراتية، أو كل ما يمت بصلة لأرشيف العراق، وكل ذلك الخزين المتراكم عبر جهد الدولة العراقية منذ العهد العثماني وإلى حين الاحتلال.
لا نتحدث عن شيء غير معروف عندما نقول أن في خزائن العراق ما لم يعرفه أي بلد آخر، سواء تعلق الأمر بمخطوطات الرقم الطينية أو مخطوطات عصر التدوين، أو بقايا عهود بغداد الزاهرة، يوم كانت بغداد "تتبغدد" متباهية لا على قريناتها ولا شبيهاتها، إذ ليس ثمة شبيهة لبغداد بين مدن وعواصم الدنيا، ولكن طبع بغداد الفرادة والتبغدد، ومن أجل التغطية على هذه السرقات الكبرى، وليس ثمة سرقة أكبر من سرقة وطن بحجم وثقل العراق، قاموا بحرق الوزارات والمؤسسات، والمكتبات العامة، ودوائر الطابو والنفوس، وأخيراً وليس آخراً نهب متحف بغداد الذي يُعد إرثاً حضارياً عراقياً وعربيا وإسلامياً وإنسانياً لا نظير له.
كان امراً طبيعياً ومنطقياً، أن لا يفرضوا حضراً للتجوال، إذ المُراد استباحة بغداد ومدن العراق، واستكمال وتعميم الخراب، وإظهار العراقيين بمظهر الذين يندفعون لتخريب بلدهم وتدميره، وقد قام الإعلام بما كان عليه القيام به، ووفق ما خُطط ورٌسم له، بحيث تدافعت شبكات التلفزة لنقل ذلك الهيجان وتلك الهمجية التي قام بها صغار العراقيين ومتخلفيهم، وهم ينهبون بلدهم، ويحطمون كل ما تقع عليه أيديهم، أما السرقات الحقيقة، أما سرقة ونهب العراق فلم تكن بمتناول وسائل الإعلام، حيث كانت مئات الرحلات السرية عبر الناقلات العملاقة تنقل من بغداد ومدن العراق إرث العراق وخزينه وثروته الحقيقية إلى عاصمة الدولة المُحًرِرة.
كانت هذه هي الصفحة الثانية من صفحات الفوضى الخلاقة، والتي جاءت عقب إنتهاء الصفحة الأولى والتي تمثلت بالتدمير المُمنهج، عبر سنوات الحصار، وإثناء الحرب، حيث تم القضاء كلياً على كل ما شيده العراق خلال ثمانين عاماً، وليس فقط منظومة الماء والكهرباء والمجاري والنقل بأشكاله الجوي والبري والبحري، وإنما كل مظاهر التمدن.
وكان الخراب هو التربة الخصبة والمُثلى لإشاعة الفساد وإستشراسه. لا أمن. لا إستقرار. لا ماء. لا كهرباء. لا نقل. لا عمل. لا مستشفيات. لا جيش. لا شرطة. لا قانون.
ضمن تربة الخراب هذه تسرّب الفاسدون والمُفسدون، من جملة الفاسدين والمُفسدين أولئك الذين باعوا الناس أمناً وهمياً عبر شركات الأمن الخاصة، والذين باعوا الهواء للناس، وبأعلى ثمن! والذين جعلوا من قضية إعادة تشكيل الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية مصدراً للإثراء السريع، والعاطلون الذين أصبحوا رجال أعمال بلا عمل، ومدراء شركات وهمية، لم يكلفهم تأسيسها سوى عشرة جنيهات رسم التسجيل، ثم اصبحوا بين ليلة وضحاها اصحاب ملايين لهم شنة ورنة. و.. و.
الإحتلال ليس فقط جيش المًحتل الذي يحتل أرضنا.. الإحتلال قد يبقى حتى لو رحل جيش الإحتلال، طالما ظل العراق يدور في تلك الحلقة الجهنمية التي وضعنا فيها المُحتل.
ثمة علاقة سببيّة بين الفوضى الخلاقة والفساد، فهذه توّلد تلك، ولا خلاص من الثانية إلا بالخلاص من الأولى. صباح علي الشاهر