وحدة «فتح» وخزنة عباس

كل الضجة التي سبقت المؤتمر السادس لـ«فتح»، والحديث عن تأجيله إلى حين تبيان المشاركين فيه، لم تمنع انعقاده «بمن حضر»، حتى وإن كان الغائبون هم أعضاء الحركة في قطاع غزّة، الذين يفترض أن عملية الإصلاح في «فتح» قائمة من أجلهم، ولا سيما أنهم في الأساس من كشف عن ضعف وتفكك الحركة ميدانيّاً بعد عملية الحسم في القطاع عام 2007، وخسارة الانتخابات لمصلحة «حماس» عام 2006.
الغياب لم يؤثر على خطط «فتح» في الضفة الغربية، ولا سيما الرئيس محمود عبّاس، ما دام من يريده من «فتح ـ غزة» موجوداً أساساً في أراضي السلطة، وفي مقدّم هؤلاء محمد دحلان، الذي يبدو أن أبو مازن يعتمد عليه لصياغة هيكلية الحركة، بغض النظر عن اعتراضات «الفتحاويين» العامة، سواء في غزة أو الضفة أو الخارج، الذي يحمّلون أبو فادي مسؤولية الحسم العسكري وما وصل إليه أمر الانقسام الفلسطيني.
أصوات الاعتراض لا تزال قائمة رغم انعقاد المؤتمر، وهي بدأت تصل على شكل رسائل من «الفتحاويين»، الذين لا يزالون متمسكين بالإطار الحركي القائم، رغم بوادر التغيير التي بدأت تظهر في تسريبات التشكيلات التي تلوح في أفق المؤتمر، ولا سيما لجهة تكوينات اللجنة المركزية للحركة والمجلس الثوري. تكوينات توحي بانطلاقة جديدة لحركة «فتح»، تنبئ بقطع مع التاريخ أو مزج القديم مع الجديد تحت مظلّة محمود عباس وتوجهاته وخياراته السياسية.
عبّاس عمد إلى تدجين الحركة منذ اليوم الأول لتسلمه رئاستها. تدجين كان يسير في أقنية تفاوضية سرية وصفقات غير معلنة. لكن الجديد اليوم هو حال الإشهار القائم لما يمكن تسميته حركة «فتح ـ عباس». وما كان يسرّه أبو مازن أو يطبقه من دون إعلان، ها هو بدأ يجاهر به علناً ليكون جزءاً من البناء التنظيمي لحركة «فتح».
فبغضّ النظر عن هيكلة اللجنة المركزية والمجلس الثوري، يأتي البرنامج السياسي للحركة ليكرّس نهج عبّاس، لجهة التمسّك بمفاوضات السلام على اعتبار أن «زمن التحكم الإسرائيلي بالخيارات الدولية ولّى». أبو مازن استفاض في شرح ما ينص عليه البرنامج السياسي لجهة إبقائه على شرعية الكفاح المسلّح، فأعلن الاحتفاظ «بحقنا بالمقاومة التي تكفلها لنا الشرعية الدولية، وما تكفله لنا الشرعية الدولية نحن نقبله». فالكفاح المسلح من هذه الناحية ليس نقطة غير قابلة للنقاش في نهج «فتح الجديدة»، بل خاضعة لتفسيرات المجتمع الدولي والشرعية الدولية ومن يمثّله.
ولم يكتفِ عبّاس بذلك، بل ربط تطبيق «هذا الحق» بـ«الفهم والإجماع الوطني والتوقيت المناسب». ثلاثة معطيات خاضعة لمزاج أبو مازن شخصيّاً للحكم على شرعية الكفاح المسلح، وهو مزاج تمّ اختباره خلال العامين الماضيين عبر تصريحات الرئيس الفلسطيني عن «عبثية المقاومة». لذا قد تكون التصريحات الإسرائيلية عن «انتفاضة ثالثة» و«إعلان حرب» بعد المؤتمر مثيرة للسخرية، ولا سيما أن مسؤولي الدولة العبرية أخبر بتاريخ أبو مازن وابتعاده عن العمل المسلّح طوال سنوات عمله السياسي، سواء في «فتح» أو منظمة التحرير أو السلطة الفلسطينية.
عباس ماضٍ في تعديلاته مطمئنّ البال، فلا احتمال التمرّد يقلقه ولا بوادر انشقاقات، فهو عمد إلى تكريس نهج تحويل «فتح» إلى حركة منفعة بلا معطى أيديولوجي. نهج كان قائماً منذ تأسيس الحركة، التي استوعبت الإسلاميين والماركسيين، تحت راية «تحرير فلسطين». عنوان الراية لا يزال نفسه، لكن الأسلوب تغيّر، وحتى التنفيذ، لتصبح الحركة «مصدر رزق» عبر الرواتب والتعيينات والتنفيعات.
هذا المعطى ربط نجاح أي محاولة انشقاق بالحصول على مصدر التمويل المناسب. وبما أن مثل هذه المصادر وتوجهاتها معروفة في التقسيمة الحالية للوضع الإقليمي والدولي، فما على الراغبين في الاعتراض على عباس إلا طرق الباب القطري أو الإيراني، على اعتبار أن أبو مازن يحتكر التمويل الأميركي والأوروبي والسعودي.
لكن هذين المصدرين المتوفرين دونهما عقبات سياسيّة ومادية. فالتمويل القطري خاضع لحاجات الدوحة إلى مناكفة محيطها، ولا سيما السعودية. وعلى هذا الأساس، فإن المد المادي عادة ما يكون مرتبطاً بتطورات علاقة الدوحة مع جيرانها أو مع الولايات المتحدة. كذلك فإن الأزمة المادية التي تعيشها حركة «الجهاد الإسلامي»، والتي دفعت قيادتها إلى بحث الاندماج مع «حماس»، تشير إلى مشكلة ما في التمويل الإيراني، قد تكون مرتبطة بالوضع الداخلي في الجمهورية الإسلامية.
وبالاستناد إلى تجارب الانشقاق الفاشلة سابقاً في الحركة، مع «فتح الانتفاضة» و«فتح الياسر» و«فتح الإسلام»، يبدو عباس مرتاحاً إلى وضع قيادته للحركة الجديدة، ما دام ممسكاً بمفتاح خزنة الأموال والتعيينات، حتى لو كان ذلك على حساب «إفلاس السلطة». حسام كنفاني