مشاكل العراق لا تزال في بدايتها

تبدو مشاكل العراق اكثر تعقيدا من اي وقت في ضوء القرار الذي اتخذته الحكومة برئاسة السيد نوري المالكي والقاضي بالسيطرة بالقوة على معسكر اشرف التابع لحركة "مجاهدي خلق" الايرانية المعارضة يطرح القرار تساؤلات كثيرة. في مقدم التساؤلات مدى النفوذ الايراني في العراق وعمق التغلغل فيه. فما لا يمكن تجاهله ان القرار العراقي جاء في وقت ركزت السلطات الايرانية على الدور الذي لعبته "مجاهدي خلق" في الاضطرابات التي شهدتها ولا تزال تشهدها طهران ومدن ايرانية اخرى منذ الاعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية الايرانية التي فاز فيها الرئيس محمود احمدي نجاد، اقله من وجهة النظر الرسمية.
قبل الخوض في النتائج المترتبة على القرار العراقي والابعاد المرتبطة به، لا بدّ من الاشارة الى ان المعسكر يقع على الارض العراقية وهو من مخلفات عهد نظام صدّام حسين العائلي- البعثي الذي ادخل العراق في متاهات لا يزال البلد يدفع ثمنها حتى الان. مجرد وجود المعسكر على الارض العراقية يعني ان من المفترض ان يكون تحت سيادة الدولة وان لا يكون بمثابة جزيرة امنية في العراق. لا يمكن لاي دولة في العالم، تحترم نفسها بعض الشيء، القبول بالجزر الامنية على ارضها. وجود الجزر الامنية، ايا يكن نوع العناصر المقيمة فيها، يتعارض مع مبدأ السيادة كما يعتبر مؤشرا الى بداية تفتت السيادة. يظل لبنان افضل مثل على ذلك. بدأ انهيار مؤسسات الدولة اللبنانية، كل المؤسسات، لدى توقيع اتفاق القاهرة في العام 1969. وضع هذا الاتفاق المخيمات الفلسطينية خارج سلطة الدولة اللبنانية بحجة ان "المقاومة" في حاجة الى حماية نفسها. ومع الوقت تكرّس هذا المبدأ وباتت الجزر الامنية قاعدة معمول بها في لبنان بحجة "المقاومة" وما شابه ذلك.
من حيث المبدأ، يمكن القول ان الحكومة العراقية على حق عندما يتعلق الامر بوجود معسكر يضم عناصر معادية للنظام في ايران وغير ايران. لا مصلحة لاي حكومة عراقية في ان تكون هناك قاعدة عسكرية تستخدم نقطة انطلاق للمعارضة الايرانية، خصوصا ان منظمة "مجاهدي خلق" تعتبر في نظر دول عدة بمن فيها الولايات المتحدة "منظمة ارهابية". ولكن يظل السؤال الاساسي لماذا الان؟ لماذا الهجوم على المعسكر بهذه الطريقة الوحشية بدل العمل بالاتفاق مع الاميركيين الذين ما زالوا يحتفظون بما يزيد على مئة وثلاثين الف جندي في الاراضي العراقية على ايجاد مخرج ما يحفظ ماء الوجه لحكومة المالكي؟
ظهرت الحكومة العراقية بعد الهجوم الذي تعرض له المعسكر وكأنها تنفذ تعليمات ايرانية لا اكثر. لماذا لم يساعد الاميركيون العراقيين في تفادي الوصول الى الوضع الراهن، علما ان مسالة مستقبل الوجود العسكري لـ"مجاهدي خلق" في العراق مطروح منذ اليوم الاول للاحتلال الاميركي لهذا البلد في ابريل من العام 2003، اي منذ ما يزيد على ست سنوات؟
لم يكن تصرف الحكومة العراقية مستغربا. كان التصرف طبيعيا بكل معنى الكلمة. كل ما في الامر، ان ايران كانت المنتصر الوحيد من الحرب الاميركية على العراق. ادى الاحتلال الاميركي الى فراغ في العراق. سارعت ايران الى ملء الفراغ لا اكثر ولا اقلّ. من يتحمل مسؤولية ما حصل هو الادارة الاميركية التي تأخرت في معالجة قضية شائكة من نوع معسكر "مجاهدي خلق". في مرحلة معينة تلت الاحتلال مباشرة، بدا ان الاميركيين يريدون التخلص من المعسكر. فجأة غيّروا رأيهم في ذلك ووجدوا ان في الامكان الاستفادة من "مجاهدي خلق" عملية التجاذب بين واشنطن وطهران. ترك الاميركيون العبء للحكومة العراقية التي لم يعد امامها سوى القرار القاضي باقتحام المعسكر، خصوصا ان قياديي "مجاهدي خلق" معروفون بانهم ليسوا من النوع الذي يحب الاخذ والرد كثيرا. بكلام اوضح لا وجود لما يسمّى مرونة لدى "مجاهدي خلق". انها منظمة فاشية من مخلفات الماضي تؤمن بالعنف والانضباط الحديدي...
كشف اقتحام المعسكر مدى النفوذ الايراني في العراق، خصوصا بعد خروج الاميركيين من المدن في اليوم الاخير من يونيو الماضي. سيتوجب على الاميركيين الان اخذ العلم بان خروجهم من العراق لن ينهي مشاكل العراق ولا مشاكلهم في العراق او مع العراق. صحيح ان الوضع في ايران مقبل على تغييرات كبيرة وان ايران ستكون في غضون بضعة اشهر مختلفة نظرا الى ان على اي رئيس جديد سيخلف احمدي نجاد الانصراف الى معالجة الوضع الداخلي للبلد وهو وضع مهترئ الى حد كبير، لكن الصحيح ايضا ان مشاكل العراق عائدة الى عوامل اخرى. من بين هذه العوامل الغرائز المذهبية التي افلتت من عقالها والتي لم تفعل حكومة المالكي شيئا من اجل كبحها. على العكس من ذلك، يتبين يوميا ان نظاما جديدا يتكون بفضل هذه الحكومة يشبه الى حد ما نظام صدّام حسين مع فارق انه سيكون ذا طابع شيعي صرف ومتزمت. ان قيام مثل هذا النظام هو الذي سيثير مشاكل كبيرة للاميركيين مستقبلا، بغض عما ستؤول اليه الاوضاع في ايران، خصوصا ان الاكراد بدأوا يعون ان مجال التفاهم مع الحكومة الحالية ضيق جدا، هذا اذا لم يكن معدوما. من يستطيع التكهن بكيفية ايجاد حل لمشكلة اسمها مدينة كركوك، على سبيل المثال وليس الحصر؟
ما الذي فعله الاميركيون بالعراق؟ من الباكر الاجابة عن السؤال. الاكيد ان مشاكل العراق لن تنتهي باكرا. كان اقتحام معسكر "مجاهدي خلق" القريب من بغداد مثلا حيّا على ذلك. خيرالله خيرالله