ليس 'اليسار'، يسار القاعة!

هل وجود يسار عراقي قوي وموّحد ضرورة موضوعية، أم أن الزمن تجاوز مثل هكذا طرح؟
ماذا نقصد بقوى اليسار، وقد إختلطت الألوان بشكل مريع، بحيث لم يعد بالإمكان تمييز الأسود من الأبيض؟
في أوائل عام 1991 جرت محاولة لتوحيد اليسار العراقي الوطني. أجتمع أكثر من ستين "يساريا عراقيا" في قلب لندن محاولين دغدغة الحلم. أتذكر أن يسارياً من الحاضرين تساءل: شنو وطن؟ يوم ذاك كان الوطن يواجه الكارثة. لقد بدا السؤال صادماً ومُستفزاً، فهذا اليساري يريد منا تعريف من هو أكبر من كل تعريف، من هو كالبداهة الأولى.
كان هذا اليساري متشبعاً بهلوسات يسارية تصاعدت من بعض الذين رفعوا راية النضال بوجه شعار "الدفاع عن الوطن".
بعض الصاعدين لمرتبة التنظير يوم ذاك أفتى بما يلي، لا يوجد وطن مُجرد. قبل أن نبحث عن مفهوم الدفاع عن الوطن، دعونا نتساءل "وطن من؟". إذا كانت قوى الخير هي التي تحكم هذا الوطن فالوطن ينبغي الدفاع عنه، أما إذا كانت قوى الشر والديكتاتورية هي من يحكمه ، فليذهب مثل هذا الوطن إلى الجحيم!
عن أي فهم للوطن يتحدث هذا الرجل؟
وطننا العراق، كان معشوقاً بالنسبة للوطنيين. مُدافعٌ عنه، أكان في ظل الملكية أم الجمهورية، تحت حكومة تقدمية أم رجعية.
في ظل حكومات الإستبداد يتم العمل (وعبر نضال شاق، وتضحيات جسام) على إنقاذه من الإستبداد والمستبدين، وفي ظل حكومة تقدمية يتم العمل على توطيد دعائم هذه الحكومه، ودفعها لتقديم المزيد والمزيد من الإنجازات للناس أولاً، ولتعزيز منعة ومكانة الوطن ثانياً. أليس هذا هو الفهم الواضح والبسيط للوطن والمواطنة، أم أن التنظير يخلق أوطانا وووطنيات، تتلون بتلون ألوان المودة؟!
قضية الوطن بالنسبة لليسار "قدس الأقداس"، ليس لأن الوطن جغرافية فقط، ولا تأريخ فقط، وليس لأنه بيتنا الذي يضمنا جميعاً، وليس لأن حريتنا ترتبط بحريته، وعبوديتنا ترتبط بعبوديته، وليس لأن بقوته قوتنا، وبعزته عزتنا، ليس هذا فقط ، وإنما لأن مصالح الناس الذين يدافع عنهم اليسار ترتبط بهذا الوطن، فالوطن هو الشيء الذي من خلاله وعبره يتم تحقيق العدالة الإجتماعية التي هي هدف اليسار الأسمى بعد الوطنية ، والسمة التي تميزه عن غيره، وإلا فلا حاجة لوجود ما يُسمى باليسار أصلاً.
تأسيساً على ما ذُكر لا يمكن إدراج من دخل العراق على دبابة أمريكية، ومن عمل مستشاراً لبريمر، ودليلاً لأوباش الإحتلال، ومن هلل وما زال للإحتلال بإعتباره تحريراً، لا يمكن عد مثل هذا يسارياً حتى لو أصطبغ من رأسه حتى قدميه باللون الأحمر القاني.
تُرى هل مازال الفهم الساذج والسطحي للأممية متفشياً عند البعض؟
فيما مضى كنا نتتبع كل شاردة وواردة عن تلك الأوطان حاملة راية الأممية، والتي ستتهاوى فيما بعد واحدة إثر أخرى. كنا نترفع عن متابعة قضايا أمتنا التي تشكل مع وطننا نسيجاً واحداً، مثلنا في هذا مثل ذاك الذي يتجاهل ما يجري خلف جدران بيته ، لكنه يعرف أدق تفاصيل ما يجري خلف جداران البيت الكائن في آخر المدينة ، يأرق ويقلق حول المخاطر المحدقة ببلد في آخر المعمورة، لكنه غير قادر على تقييم ومواجهة المخاطر التي تحدق ببلده، هل بعد هذا يكون من المُستغرب أن يُفاجأ هذا المُهوّم الذي يعيش خارج الوطن والأمة بأن بيته أصبح مسروقاً أو منهوباً أو مُهدّمة أركانه؟
يوم كنا نجتمع في قاعة مؤجرة من تبرعاتنا الخاصة محاولين تثبيت تلك القيم الأساسية ليسارنا الوطني، كان السواد الأعظم من اليسار العراقي الصخّاب، الذي وظفه المال السياسي في أجهزة إعلام باذخة الإنفاق والصرف وفي مؤسسات تتكاثر يومياً يجتمع جنباً إلى جنب مع المُعتقين في خدمة الأنظمة الرجعية، والطائفيين والعنصريين، والممثلين الرسميين وشبه الرسميين لأشد النظم عداءاً للشعوب، والتي هي العدو الطبيعي والموضوعي لليسار، في قاعة لا تبعد عنا سوى بضعة أمتار، ويؤسس لبيان ما سُمي "بيان 91" الذي أهدر دم الوطن منذ وقت مبكر، وحرّم على هذا الوطن أن يمتلك جيشاً، أو دبابة أو طائرة..
ليس من باب إضافة شيء إلى المفهوم والمعلوم القول بأن اليسارية ليست صفة أبدية تلتسق بهذا الشخص أو ذاك. أنها بكل بساطة ممارسة نهج يتصف باليسارية، ولا يتناقض معها، بحيث لا تبدو الصفة غير متطابقة مع الموصوف، ولا الفعل والعمل متعارضاً مع المنهج والرؤية.
من كان يسارياً بالأمس قد يكون يمينياً اليوم، ومن كان يمينياً بالأمس قد يكون يسارياً اليوم. اليسارية ليست صفة يدعيها الإنسان لنفسه وتفندها أفعاله وأعماله ومواقفه، يذكرني هذا الأمر بشخص كنا نعده السنام في اليمينية والتخلف واقعاً وقولاً وعملاً ، وهو بالإضافة لهذا وذاك مُتهم بالتسبب في موت بعض اليساريين عندما كان يعمل بأجهزة الأمن، هذا الشخص أبدى إنزعاجه لإننا لم نستدعيه للقاءات اليسار العراقي، قال مستغرباً: لماذا لم تستدعوني ألست يسارياً؟
هذا المثل يدل بوضوح على إنعدام أو ميوعة المعيار أو المعايير التي تحدد اليساري من سواه. هذه الضبابية وعدم الوضوح كان نتيجة لتشوهات إلصقت باليسار، بحيث لم يعد الناس يميزون بين الفوضوي واليساري، بين الإباحي والمناضل، بين الشعوبي والأممي. أضحى اليساري بالنسبة للبعض صنو المُلحد، حتى لكأن الصراع من أجل تحقيق العدالة الإجتماعية يجري في السماء، مع الذات الألهية معاذ الله، وليس على الأرض ووسط الناس ضد المستبدين الطغاة والظلمة ناهبي حقوق الوطن والناس.
طريق طويل على اليسار العراقي الوطني إجتيازه لعبور برزخ التشويهات التي تسبب بها ليس أعداء اليسار فقط ، وإنما ذلك المنحرف والمأزوم والمنقطع عن جذوره، الذي تبرقع زوراُ وبهتاناً ببرقع اليسار الذي كان له بريقاً.
ينبغي إجتراح فضيلة قطع الطريق حتى النهاية، والوصول إلى الغايات المنشودة ، ذلك لأن إنبثاق اليسار العراقي الوطني الموّحد في وقتنا الراهن تحديداً ضرورة موضوعية ، ومهمة عاجلة لا تقبل التأجيل. صباح علي الشاهر