نوبل، على النيات لا الإنجازات!

إختطف باراك حسين أوباما جائزة نوبل للسلام لهذا العام.
في معرض تبرير لجنة نوبل لإختيار رئيس لم يمض على توليه الرئاسة سوى ثمانية اشهر، رئيس لم ينجز اي شيء يُعتد به لقضية السلام، لا حل معضلة، ولا أوقف حرباً، ولم ينصف شعباً مهضوماً حقه، في معرض تبريرها لمنح هذه الجائزة بينت أنها تمنحها لنيات السيد رئيس أمريكا الطيبة إزاء قضايا السلام، ورؤيته لحل المعضلات الدولية، ولبرنامجه الذي لم يوضع بعد قيد التنفيذ! أما أوباما فقد إستقبل الخبر بمزيد من الغبطة، وبين أن هذه الجائزة تمنح لأمريكا . أمريكا التي إحتلت ودمرت وحاصرت في العقد الأخير فقط عدة بلدان، وقتلت أكثر من مليون شخص، واستعملت إزاء الناس الأبرياء والعزل أشد وأفتك اسلحة الدمار.
مرّة أخرى، وسوف لن تكون الأخيرة، تُسيء فيها لجنة منح جائزة نوبل للسلام لجائزة نوبل. لقد تلطخت سمعة هذه اللجنة بالوحل يوم أختارت الإرهابي مناحين بيغن، ومن ثم منحت نفس الجائزة لرفيق دربه بالإجرام المنظم إسحق رابين، وبعد ذلك لقاتل الأطفال الإرهابي شمعون بيريز، حتى لكأن هذه الجائزة تُعطى تكريماً لأشد الناس إجراماً وإرهاباً وأكثرهم وحشية.
ثلاثة من أشرس وأكثر قادة الكيان العنصري الصهيوني إجراماً يحوزون على جائزة السلام الدولية في أقل من عقدين من الزمن، فأي مهزلة يمكن أن تماثل هذه المهزلة؟
هذه المرة، ومن دونما حياء، تُمنح الجائزة لا لإنجازات ملموسة مهما صغرت، وإنما لوعود إنتخابية تبخرت حالما إنقشعت غيوم الحملة الإنتخابية، ولنوايا عائمة ما لا مست أرض الواقع، وليس ثمة ما يُشير إلى إمكانية ترجمتها إلى عمل ملموس وجدي، فالرئيس ذو الوعود الكبيرة لم يحقق شيئاً من وعوده بعد إنقضاء ثمانية أشهر على تربعة على كرسي البيت الأبيض، ولعله لن يحقق شيئاً حتى نهاية ولايته.
الرئيس الذي وصل الرئاسة عبر سلسلة من الوعود، لحس وفي وقت مبكر أهم وعوده، وبات لا يختلف عن أي رئيس أمريكي آخر إلا باللون.
باراك أوباما وصل البيت الأبيض من خلال الوعود، وأوصلته نياته (مجرد نياته) إلى جائزة نوبل للسلام، وبين الوعود والنيات يتم التخلي عن الإنجازات، اي تحويل الوعود والنيات إلى منجز، عبره ومن خلاله يستحق أوباما جائزة أو رشقه بالطماطم أو البيض الفاسد، كي لا نقول رشقة بحذاء كحذاء منتظر الزيدي.
تأسيساً على المبدأ الذي إختطته لجنة جائزة نوبل للسلام وتأسياً بها فإن على لجنة جائزة نوبل للآداب أن تمنح جائزة الأدب، ليس لمن قدم إنجازات أدبية مُعتبرة، وإنما لمن ينوي تقديم عمل أدبي يشيع المحبة بين بني البشر، وعلى لجنة جائزة نوبل للعلوم أن تقدم جائزة الكيمياء مثلاً، ليس لمن قدم إنجازاَ باهراً ومشهودا له في حقل الكيمياء، وإنما لذاك الذي لديه نية في تحويل الفحم إلى ذهب، أليس الأعمال بالنيات، فلماذا لا يكون منح الجوائز بالنيات أيضاً؟
جائزة نوبل وما أدراك ما نوبل، لها تأريخ طويل وباع أطول في توضيف هذه الجائزة لأهداف سياسية، آنية ورخيصة، تخدم جهات بعينها، لقد إبتذلوا العلم والعلماء، والأدب والأدباء، ودسوا أنفهم في أسمى قضايا البشر وأكثرها أهمية ألا وهي قضية السلام .
أنه لطريق ينحدر من القمة نحو الهاوية، ذاك الطريق الذي قطعته جائزة نوبل، من جوليو كوري ومدام كوري إلى مناحين بيغن، وإسحق رابين، وشمعون بيريز.
فضائح جائزة نوبل لا تقتصر على جائزة نوبل للسلام، رغم أنها أشدها وضوحاً، بل تمتد إلى جائزة نوبل للآداب، حيث كانت هذه الجائزة تُعطى أحياناً، ولأسباب سياسية ودعائعية لمن لم يبلغوا أحياناً سن الرشد الإبداعي قياساً إلى فحول الإبداع الذين كانوا يعاصرونهم، ويسبقونهم أشواطاً في عالم إجتراح المنجزات الإبداعية .
لنتذكر أولئك المنشقين عن الإتحاد السوفيتي ودول المنظومة الإشتراكية السابقة، وكيف كانت تتحول مناسبات منحهم الجائزة العتيدة إلى مناسبات لتشديد الصراع والفضح لما يجري في الإتحاد السوفيتي والمنظمة الإشتراكية من كم للأفواه . لقد تحولت هذه المناسبات من مناسبات الإحتفاء بالأعمال الإبداعية ومن أبدع هذه الإعمال، إلى مناسبات لتشديد وتعميق الحرب الباردة .
لنتذكر باسترناك، صاحب "الدكتور زيفاكو". لقد عُرف باسترناك كشاعر أكثر منه ناثراً، وهو يُعد شاعر روسيا العظيم. حيث كرّس شعره لعظمة روسيا المترامية الأطراف وكشف بإبهار ما يتميز به شعب روسيا من عمق الإحاسيس والمشاعر الإنسانية، لكنهم منحوه جائزة نوبل لا لشعره الفذ والمُلهم، الذي لا يخدم نواياهم، وإنما لروايته التي رغم جودتها، إلا أنها تظل أقل أهمية بكثير من شعره، فباسترناك شاعر عملاق وروائي عادي، لا يرتقي إلى مصاف الروائيين الروس العظام الذين عاصروه، والذين لم يرغب أعضاء لجنة الجائزة الإدبية بإدراجهم ضمن من يستحقون شرف نيل جائزة الآدب.
سيستلم أوباما جائزة نوبل للسلام، لن يجترح مأثرة رفض الجائزة، كما فعل غيره، جان بول سارتر مثلاً، الذي كان يقف فوق منجز من الإبداعات الفلسفية والروائية والمسرحية، والنشاط المفعم بالحماس من أجل قضية التحرر وحقوق الإنسان والشعوب في عالم إفتقد العدل والإنصاف.
لقد رفض جان بول سارتر الجائزة لأنه أكبر منها، وهي اصغر منه، أما أوباما فسوف لن يرفض الجائزة لأنه لا يقف على رأس هرم من الإنجازات، وهو يحتاج إلى رافعه من نوع ما، توهم الآخرين بأنه فعل شيئاً إستحق معه أن يكون رجل السلام بلا منازع.
الرئيس أوباما سيكون بجدارة بائع الوهم وجانيه. صباح علي الشاهر