تركيا تجد نفسها.. إسلامية برغماتية

يستخدم رئيس الوزراء التركي رجب طيّب أردوغان لغة الأرقام: خلافاتنا السياسية مع دول الجوار الإقليمي صفر مكعب، علاقاتنا الاقتصادية معهم فوق الصفر وحتى المئة، مصالح تركيا ليست فوق الجميع، وإنما مع الجميع. الأمر اللطيف هنا، أن عدوى الرؤية "الأوبامية" انتقلت الى أردوغان وأثمرت في دائرة العلاقات التركية الإقليمية، قبل أن تتمكن تلك الرؤية من الإثمار والاستثمار في وعلى أرض الواقع الدولي، تطبيقات ومسارات أميركية ناجزة أو قيد الإنجاز.

السوريون والأتراك يتزاورون ببطاقة الهوية، ولا حاجة لجوازات السفر أو تأشيرات الدخول. أرمينيا وتركيا دولتان صديقتان، تهرولان باتجاه التطبيع وفتح الحدود. ثمة طريق جديد مفتوح، بملامح استراتيجية، في آسيا الوسطى هو طريق "أذربيجان" ـ "أنقرة" ـ "أرمينيا"، والجدير بالذكر أن في تركيا تلتقي كل خطوط شرايين الغاز المصدّرة ـ بفتح الصاد ـ من روسيا ومن إيران ومن تركمانستان ومن أذربيجان الى الغرب... في الوقت الذي يبحث فيه العالم، وبالذات مجموعة الـ5+1، عن عقوبات مؤلمة لإيران "الذرية" العصية على أي انفراجات حقيقية في ملفها النووي، فيما رفعت تركيا حجم تجارتها مع إيران من ستة مليارات دولار الى عشرين مليار دولار(!).

والسؤال المهم هنا هو: أين أميركا الأوبامية، وإسرائيل العدوانية، وإيران النجادية الاستفزازية، من كل إشارات التعجّب "!" السالفة؟ آخذين في الاعتبار أن كل الدول تلك تعرف وتعترف بأن "حزب العدالة والتنمية" التركي وصل الى الحكم عبر ديموقراطية سليمة، كان لها زواج شرعي مع إسلام معتدل "علماني" أثمر تنمية اقتصادية جادة، وأثمر نوعاً من العدالة الاجتماعية لم تعرفه المنطقة حيث ان الاقتصاد التركي واحد من أقوى 16 اقتصاداً في العالم والسادس على المستوى الأوروبي، ويقدر الناتج القومي الإجمالي عام 2008 بحوالي 800 بليون دولار بمعدل نمو بلغ 6.8% عن بداية الألفية الثالثة.

وقد قفز معدل الفرد بين عامي 2003 و2008 من 3300 إلى 10000. وزادت الصادرات التركية من 30 مليارا الى 130 مليار دولار في الفترة ذاتها. كل هذه الإنجازات مكّنت "حزب العدالة والتنمية" التركي من الاستقطاب في شارع إسلامي عريض طويل مرتفع.

وتعرف وتعترف كل الدول تلك، بأن صمت الجنرالات الترك، القادة العسكريون منهم، وقادة الاستخبارات والأمن فيهم، بأن هذا الصمت ليس مريباً، وإنما هو دلالة رضا عن "تركيا أردوغان" الجديدة، والصمت عند القادرين علامة الإيجاب والقبول.

على الأغلب، لن يقبل القادة الأتراك، ولن يدافعوا عن الاستفزازات "النجادية" ويعرفون أن تلك الاستفزازات، لن تقدر على تخريب المصالح المادية المشتركة بين الترك والإيرانيين سواء وافقوا عليها أم رفضوها، والأهم من هذا كله هو أن "تركيا أردوغان" لن تفرّط بعضويتها وعلاقاتها مع حلف الأطلسي.

"تركيا أردوغان"، ستضع مسافة بينها وبين دولة العدوان الإسرائيلي من دون أن تصل الأمور الى القطيعة، وستحافظ على شكل من التعاون الاستراتيجي، الذي يربط بين الجيشين التركي والإسرائيلي، والذي لم يهدد الأمن العربي، بدليل أن أنقرة رفضت أن تكون أراضيها إحدى قواعد الانطلاق الأميركي لاحتلال العراق. أي على "الممانعين" العرب والمسلمين والفلسطينيين؛ ألاّ يحلموا بانضمام أردوغان الى حلفهم، وعلى تيار الإسلام السياسي الشعبي ألاّ يحلم بأن أردوغان سيصل لمرتبة السلطان عبد الحميد في موقفه من اليهود ومحاولات شرائهم للأراضي الفلسطينية آنذاك. وأن لا يحلم الممانعون ومعهم التيار، بأن حكامهم سيتعلمون شيئاً من أردوغان، أو من وزير خارجيته أحمد داود أوغلو.

قال السلطان العثماني، ووفق رواية هرتزل اليهودي: "أنا لا أستطيع التخلي عن شبر واحد من أرض فلسطين. لقد قاتل شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه. فليحتفظ اليهود بملايينهم. إذا مُزقت إمبراطوريتي، لعلهم آنذاك يستطيعون أخذ فلسطين بلا ثمن. ولكن يجب أن يبدأ التمزيق بجثثنا". المعروف حينها أن الإمبراطورية العثمانية كانت تعيش أسوأ حالاتها الاقتصادية، وكان الغربيون يلقبونها بـ"الرجل المريض".

ليس صحيحاً ما قاله مارتن إنديك، السفير الأميركي السابق في إسرائيل، من أن الأسباب الشخصية للأزمة في العلاقات التركية الإسرائيلية، ستجر الأزمة الى درجة الشقاق، لسبب بديهي هو أن الشقاق بين الدول "الحديثة" يصنعه تضارب المصالح، وليس أن فلاناً تشاجر مع فلان في "دافوس". ما قد يحدد حرارة الأزمة هو مصالح رجال الأعمال الأتراك. هل هي في إسرائيل، أم في باقي دول المنطقة؟ وسؤال كهذا لن نجد له جواباً صحيحاً بسهولة، ولو أن الظاهر أن كفة دول المنطقة أكثر رجحاناً، أما ما تحيكه إسرائيل فأمر يصعب تقديره، رغم معرفتنا بوقاحتها وعدائها للسلام. هل من الممكن أن تستجيب إسرائيل الى شكل من السلام إرضاء للرغبة التركية؟ وهذا الأمر يعتبره أنديك طريقاً مناسباً لحل الأزمة. السلام في المنطقة أعقد من الرغبات، وأعقد حتى من العداوات، وأعقد مما يقوله أنديك.

"تركيا أردوغان" وجدت نفسها، في ديموقراطيتها وفي علمانيتها، وفي إسلامها المعتدل الذي لم يقف يوماً مع الإرهاب، وفي حسن إدارة حكامها، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وفي بعد هؤلاء الحكام عن الفساد، علّ دول المنطقة تتعلم من تركيا محاسن السياسة والأخلاق؟ أديب طالب
كاتب سوري