الدين/الديمقراطية: التباسات العلاقة في المجال الاسلامي؛العراق انموذجا

الى/محمد مناتي صنيع وماجد جبر هاشم
قتلتهم الدولة الفاشية البدوية العراقية

استقصاء المجال السياسي للديمقراطية، مسألة بالغة الاهمية فمن خلال هذه المنظومة القيمية والمجتمعية يستطيع المجتمع البشري استعادت الخيارات الذاتية على المستوى الفردي والمستوى الجماعي، فضلا عن ذلك ان مشروع الديمقراطية هو مشروع للاستقلال والتحرر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، لذا يصطدم بشكل مباشر او غير مباشر بالثقافات العتيقة والاديان والهويات المتشظية للجماعات والايديولوجيات السياسية، التي تعبر عن نفسها دائما بالعنف والعنف الرمزي، وتشكل مأزقا كبيرا للتجارب الديمقراطية في المجتمعات الطرفية بشكل خاص.
وتمثل التجربة العراقية نموذجاً لهذه الاشكاليات، حيث لم تظهر لحد الان في المجتمع العراقي نظرية للدولة المدنية، والتي هي كيان سياسي لحفظ السلم الاهلي او تتحرر الدولة من انتمائها الديني او الطائفي او تتوفر لها القدرة على استيعاب التنوع والتعدد البشري وانفصال المجتمع المدني عن الدولة، وتكريس قطبية جديدة داخل المجال السياسي من خلالها يمكن تحقق انفصال المؤسسة السياسية عن المؤسسة الدينية، فضلاً عن التحولات التي تصاحب هذه الانفصالات، وتحول الدين الى وظيفته الجوهرية (الأخلاقية والإدماجية) للاجتماع البشري، وعدم تحكم الدين بالسياسة او تحكم السياسة بالدين. فرضيات غوشيه من خلال ثلاثة خطوط منهاجية تبلورت اطروحات مارسل غوشيه Marcol. gauchet (التاريخ السياسي للدين. علم جذور الفرد. مقاربات مصاعب ومأزق الديمقراطية) حيث استطاع غوشيه صياغة اطروحتين رئيستين في منظومته الفلسفية (ازالة السحر عن العالم ودين الخروج من الدين) ومن خلال هاتين الأطروحتين استطاع استكشاف العلاقة المعقدة والمتشابكة بين الدين/الديمقراطية.
حيث يرى ان الأديان سواء كانت الأديان التوحيدية الكبرى او الأديان الوضعية، عملت على تنظيم العالم الإنساني والعلاقات الاجتماعية وضبط طبيعة السلوكيات بين الجماعات البشرية والانماط السياسية، ومثلت الديانة المسيحية نقطة التحول الكبرى بعد ظهور ثيمة الآلة - الانسان. او انسنة الدين، اما في الأديان الأخرى فقط استطاعت السياسة الاستحواذ على الشأن المقدس في التوظيفات البراغماتية والاستغلال الأيديولوجي متجاوزة التوظيفات والامكانيات الذاتية الهائلة التي يحتويها الدين في تقوية الاجتماع البشري وتكريس المنظومات القيمية والخلاص الاخروي والاخاء والتسامح بين الافراد وتحرير الانسان والمجتمع من الاستلاب المادي والروحي.
وهنا تمكن قدرة مفهوم (الخروج من الدين) للدخول في الديمقراطية. واندماج الأديان في الحداثة وتكيف العقائد الدينية مع المعطيات الشرعية للعالم الديمقراطي، حيث حصل الأندماج الكامل للدين المسيحي داخل اليمقراطية بما فيها الكاثوليكية الرسمية التي طالما كانت عاصية انتهى بها الامر الى الانضواء تحت بنى وقيم الديمقراطية، هذا التطور ترجم بشكل حاسم من قبل اللاهوت، واصبح من الصعب اشراك الدين في معيارية المجتمع البشري او في تنظيم السياسة ومن خلال هذه العملية يمكن تفسير انهيار البنية المؤسساتية للأديان التاريخية او التي تشكل المطلق الديني في المجتمعات الغربية وبالذات في المجتمع الفرنسي الذي اخذ فيه مشروع التنوير طابع عدائي للدين في حين اخذ فيه مشروع التنويري الأنجليزي مسار الأصلاح السياسي والمتصالح مع الدين اما المشروع التنويري الألماني فقد اندمج مع الإصلاح الدين. الخروج من الدين من اجل ان لا نقع في التباسات معرفة او سياسة فأن مفهوم الخروج من الدين ((sortirdelareligion لا يعني التخلي عن المعتقدات الدينية وانما الخروج من عالم اجتماعي يكون فيه الدين بحد ذاته منظما بنيويا. يوجه الشكل السياسي للمجتمعات ويعين البنية الاقتصادية للروابط الاجتماعية حيث ان المجتمعات الخارجة عن الدين هي تحديدا المجتمعات التي يمكن فيها اعتبار الدين بنية فوقية بالمقارنة مع بنية تحتية تعمل في غيابه على نحو تام وهو في المحصلة النهائية والانتقال الى عالم يستمر فيه وجود الأديان ولكن ضمن شكل سياسي وتنظيم اجتماعي لم تعد تعني تحديدهما.
هذا المفهوم لا يناهض الدين من حيث الجوهر وانما يعادي المطامح الدنيوية للنخب الدينية ويحدد للمؤمنين الاحتفاظ بايمانهم الشخصي وبالاخلاص للعالم الآخر، مع امكانية دخولهم المجال السياسي المشترك والمستقل عن الدين في هذا العالم المعاصر كون السياسة لا تندرج في ذات الدين او نظامه المعرفي وانما يعود هذا الترابط الى صعف الانفصالات في الحقول السياسية والايديولوجية والفكرية في القرون الوسطى والى هشاشة الدورات الاقتصادية ما ادى الى التداخل بين هذه الحقول بشكل كبير وترابط الديني بالسياسي والسياسي بالاقتصادي في المجتمعات التقليدية : ويعني هذا المفهوم ضمان حرية الاديان والطوائف والجماعات الدينية في تنظيم بدون وصايا من الدولة ودخول الفضاء المدني حيث ان هذا الفصل بين الدين/الدولة يحمي الجماعات الدينية من تسيس الدين او تديين السياسية واستقلال كل منهم عن الاخر. مسار العلمية توصف العلمنة laigisme)) بانها فصل الدين عن الدولة والاستقلال التام في التنظيم الدنيوي وعدم الخلط بينهما ويحدد غوشيه ان وظيفة الدين هو اجتماع الانسان مع الخالق اما الدولة فهي اجتماع البشر مع بعضهم البعض وقد تزامن مسار العلمنة التاريخي في المجتمعات الغربية مع ثلاث لحظات شكلت قطائع معرفية في الفكر الغربي. الاصلاح الديني، انبثاق الدولة – الامة، اللحظة الليبرالية حيث ان الاصلاح الديني سحب احتكار الدين من قبل فئة محددة (رجال الدين) وتم توسيع التنوير الديني ليستوعب منجزات العقل البشري في حين شكل ظهور الدولة – الامة، نقطة تحول قصوى للمجتمعات الغربية بعيدا عن الصراعات الدينية التي عاشتها تلك المجتمعات رافقها انفصال الدولة عن الفضاء العمومي بحيث اصبحت الدولة تستمد شرعيتها من المجتمع وعملت على تبيئة المقدس وتحويله الى منظومة قيمية هذا الفصل يعترف بشكل كامل بالدين بوصفه جزء من النسيج المجتمعي وتحرير الديني من هيمنة المؤسسة الدنيوية (الدولة) وتحوله الى شان شخصي فردي خارج اطار علاقات الهيمنة وعدم خضوع التنظيم السياسي للمجتمع لغايات دينية، وانما السماح بتعايش غايات عدة مشروعة بهذا المعنى بوجود فصل قانوني ودستوري بين العامل السياسي والعامل الديني، وضرورة حيادية الدولة اتجاه الدين او الاديان وتقوم العلمنة على منظومة فلسفية من الانفصالات المتتالية والتامة، الدين الحقل الاقتصادي، حقل التعليم والثقافة، الحقل الفكري. العلوم الطبيعية. العام، الخاص، هذه الانفصالات تمثل الركيزة الاساسية للدولة القانونية الديمقراطية وذلك لخلق توازن مؤسساتي بوجه النزعات الشمولية الكليانية، والايديولوجيات السلطوية الاستبدادية السياسية والدينية وتتأسس هذه الدولة على المجال السياسي الموجود بذاته والمحكوم بصناعة هويته واخاضع لقوانين تسن بواسطة العقل التاريخي، وتعود الى الناس صانعي الشرعية ففي المجتمعات الغربية تداخلت الحداثة السياسية والفكرية مع تحرر الفرد من الخضوع للمطلق وبناء دول الفرد/المواطن. هذه التصورات قادت الى فكرة العقد الأجتماعي الذي مثل العتبة الأولى للعلمنة وادى الى نتيجتين اساسيتين متأتيين من تلك المعادلة وهما العلاقة الوثيقة بين مسألة الحرية الشخصية ومسـألة السلطة واضفاء الرهان السياسي على موضوع السيادة البشرية. الدين / الديمقراطية بعض المفكرين في الحقل السياسي والفلسفي يرون ان الدين يعد معوقا اساسيا للتجارب الديمقراطية خاصة في المجتمعات الطرفية من النظام الرأسمالي العالمي بسبب احتكار النخب الدينية (الحقيقة الإلهية)، ما يتطلب تكيفات اولية وتحرير الخطاب الديني من هيمنة المؤسسات الدينية وابعاد الدولة والتنظيمات الاجتماعية عن سيطرة الممارسات الدينية وبالعكس، نقد الأرث العلماني الاستبدادي.
فالديمقراطية تقوم اساسا على استقلال المجال السياسي عن المجال الديني وتتضمن استخدام قوانين وضعية الأدارة شؤون الدولة والافراد هذه الفصل بين المقدس والدولة يجعلها عرضة للمحاسبة من قبل المجتمع، حيث ان الدولة الديمقراطية تنتشر تحت طالع "المثولية" وهي تعبير عن المجتمع، حيث ان المجتمع يمثل نفسه بنفسه من خلالها ومن داخل ذاتها.هذه العملية تفترض ابتعاد الدولة، اي تمايزها البين عن المجتمع لتحقق نسبة التماثل بين هذين القطبين ومؤشر ارتفاع الحقوق الشخصية للأفراد على المستوى الأول. وتكمن عبقرية روسو في انه استفاده من المصادر الفلسفية التنويرية لصياغة المدلول الكامل للفكر الديمقراطي وامتلاك الديمقراطية السيادة المطلقة على الدولة واستحواذها الكامل على السلطة (سلطة القانون) التي تمثل تلاقي ارادات الأفراد عبر التقويض حيث ان الحرية البشرية لا تعرف معناها الحقيقي الا عن طريق المشاركة في السيادة التي تعود للجماعات السياسية وحدها الحق في ممارستها داخل نظام دولة القانون، حيث تتجلى كنظام سياسي في كافة المستويات، وتحول الأشخاص من كائنات لاهوتية الى كائنات سياسية مستقلين عن بنيتهم الدينية وخروج الدولة كأساس معياري من اي دين او نظرية دنيوية محددة هذه الحيادية الدينية والدنيوية للدولة هي جزء من التأسيسات الأولية للديمقراطية بمجالها القانوني والأخلاقي، ففي نقد فلسفة الحقوق عند هيغل يضع ماركس رؤيته للدولة الديمقراطية بوصفها الدولة السياسية التي تعبر عن المجتمع المدني، حيث الأفراد الاجتماعيين هم الأساس الطبيعي للدولة ووظيفتها تصفية جميع العلاقات الأقتصادية التي يكون فيها الأنسان كائنا مهانا وعاجزا ومبتعدا عن التاريخ وتطلق التنوع الفردي والمادي والفكري والروحي وتثبت دنيوية العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وتأسيس التمايز الوظيفي بين الديني والسياسي عبر ضبط المجال الديني وطرق اشتغاله وتحديد الفضاء الخاص له وتلعب (الدولة) الدور الأكبر في هذا النظام الأجتماعي وتشكيل هوية الأفراد والمجموعات البشرية ويرى برهان غليون ان العلمانية تعني معنى واحد هو "المدنية" واسبقيه الاعتماد على العقل واخضاع جميع القرارات والأحكام المتعلقة بالشؤون العامة للنقاش الحر والعقلاني، ولا يمكن ان تقصي الدين او تستبعد المتدينين من الشأن السياسي وتعني حيادية الدولة ومؤسساتها تجاه الأديان ولاحتكام الى القانون في ضبط النظام الاجتماعي والايمان بالتنوع و التعدد المجتمعي وترسيخ قيم التعايش والتسامح بين الجماعات البشرية.
وتعتبر العلمنة الفرد هو وحدة موضع النص القانوني لابعاده عن كل وصايه تمارس باسم الهوية الدينية الجماعية او الهوية الثقافية المرتبطة بمنظومة حقوق الإنسان والتأكيد على المساواة كجزء من الفلسفة السياسية والديمقراطية والمثل العليا لعصر التنوير.

اسهاما بالجدل الدائر حول التماثل/التناقص بين الدين/الديمقراطية، وارتباط هذا الطرح بالحقل الإسلامي فضلاًعن الأسئلة التي يواجهها حقل النظام المعرفي للدين يتطلب اولا طرح شبكة من التساؤلات التقاطعات الفكرية والسياسية والمعرفية والتاريخية، هل يتوافق (الدين) الإسلام اللامعين انثريولوجيا (ذلك لتعدد الإسلاميات التاريخية وتناقضها في الأحكام والشرائع) كنظام معرفي مع عناصر الفلسفة الديمقراطية؟
ماهو السياسي في الإسلام؟
وكيف تتم عملية الربط بين السياسي والحقل الاقتصادي؟ وهل هناك نظرية للدولة في الأسلام؟
وكيف تشكل شرعيتها السياسية؟
هل تستمد شرعيتها من الجماعات البشرية وتركيبات المجتمع السياسي؟ام من النصوص التأسيسية والتفويض الألهي؟ ام من مؤسسة اهل الحل والعقد او اجماع الأمة او اجماع الفقهاء؟ وكيف يتم دمج مفهوم الديمقراطية في بنية الدين الاسلامي واقامة تماثل بين الدين/الاسلام/الديمقراطية.
حيث ان الاسلام منظومة عقائدية قائمة على هوية ثابتة في حين ان الديمقراطية نظام تأسيسي مجتمعي يقوم على هويات متغايرة ومتعددة وديناميكية، لماذا تقدم القوى الأيديولوجية الكامنة حلف الخطاب الديني الاسلامي توصيفات دينية - طائفية للمجتمعات تنافض مع تركيبة المجتمع السياسي "المجتمع العراقي انموذجا فاقعا لهذه التوصيفات".
قضية المرأة ومكانتها في النظام الثقافي البيطرياركي الديني ألم تتنافض مع العناصر الراديكالية في فلسفة الديمقراطية فضلا عن تناقضا مع حقوق الانسان؟
ألم يمارس القهر والتصنيف والتمييز ضد المرأة وفق شرعية دينية في الشهادة والمواريث والحقوق المدنية؟
اشكالية الفرد / الجماعة اللتان لم يتم حسمهما في الدين؟
ماهو موقف الدين / الأسلام / من الآخر الديني والسياسي والجنسي والعرقي؟ واخيرا لابد من التساؤل عن ما هي الديمقراطية في الحيز الثقافي الديني الاسلامي، وهنا يتطلب اخضاع هاتين العلامتين الدين / الديمقراطية للتفحص النقدي، التنويري، التاريخي، وكشف الفضاء المفاهيمي لكليهما. مأزق المجال الاسلامية ان طرح هذه الأسئلة بهذا الشكل الالتباسي يفسر ازمة النظام المجتمعي في تحين الثقافات لأن هكذا علاقات تمر عبر البنى الفكرية والمجتمعية المعقدة.ما يتطلب اعادة صياغة السؤال الأساسي عن كيفية انتقال بنية فكرية ونظام مفاهيمي ومقولاتي خاص بنية اجتماعية مختلفة وبالتالي اثره في التطور التاريخي لهذه البنية الاجتماعية مع الاخذ ينظر الأعتيار ان الديمقراطية مقولة خاصة بنية اجتماعية - رأسمالية حيث نجد داخل انساق هذا المفهوم علاقات التناقض والتناص للمجتمعات الغريبة والممارسات السياسية للفكر الغربي، نتيجة للتمزقات التاريخية التي يعشها العالمين العربي والاسلامي. اكتشفت الانتلجستيا الاسلامية (سحر الديمقراطية) بوصفه اليات للوصول الى السلطة السياسية والعودة الى الارث الثقافي والديني لتجاوز اخفاقات تشكيل الدولة واعادة انتاج مفهوم الشورى كنسق استعاري رمزي او تماثلي مع مفهوم الديمقراطية (ومن هنا نستطيع ان نفهم معنى الالحاح على ربط الديمقراطية وهي مفهوم حديث بالشورى ورفض استخدام المصطلحات الغربية عندما يمكن استبدالها بسهولة بمصطلحات عربية موروثة او ذات معنى دلالي اسلامي حيث تتمكن الرغبة في استهلاك الحداثة وتاهيلها ثقافيا (غليون. الدولة ضد الامة) وهنا يكمن مازق البنية المعرفية للانتلجستيا الاسلامية في البحث عن تحوير للديمقراطية كمفهوم وممارسة وايجاد صيغة اسلامية تقوم على عزلة عن السياق المجتمعي التاريخي حيث ان النظام المعرفي الاسلامي مسكون دائما بهاجس التأصيل واعادة انتاج المفاهيم الغربية الشاغلة في الانظمة المعرفية عبر ايجاد حقل مقاربات في المرجعيات الدينية والروايات والاساطير والخطابات التاريخية الخرافية ثم موضعة هذه المصطحات داخل هذا النظام واضفاء الشرعية عليه. وهذا يعود الى ان الخطاب الاسلامي يعاني من فراغا معرفيا في نظامه المقولاتي والمفاهيمي ويحلل الطيب البكوش الاشكالية اللسانية للمفهومين الثنائيين ديمقراطية / شورى عبر المنظومة الرمزية التاريخية ويرى ان النصوص المعتمدة بالنسبة الى مفهوم الشورى لست نصوص حقوق الانسان ونما هي نصوص سياسية يتم داخلها استبدال مفهوم ديمقراطية يلفظ شورى الذي له بعد ديني ذو صلة بالميراث الاسلامي حيث تجري هذه العملية لجعل مفهوم الديمقراطية اسلاميا مع الرفض الكامل للغرب المسيحي وتوصيف الديمقراطية بانها بدعة مرفوضة وهكذا تتم عملية مرور رفض الاخر الثقافي والسياسي والتاريخي عبر رفض (النظام المفاهيمي المقولاتي) او الشفرة الرمزية حيث ان هذين المفهومين ديمقراطية / شورى ينتميان الى بنيتين سياسيتين وثقافيتين وفكريتين مختلفتين مختلفة ولهما حقلهما الابستمولوجي ومعجمها السياسي والصرفي الاشتقافي ولا يشتركان في النظام السيميائي فهما لا يتماثلان ولا يتطابقان فالديمقراطية مفهوم يحيل الى سلطة الاغلبية بينما تحيل الشورى الى النص الديني وسلطته في (الخاصة من القوم) ويحتوي على شفرة مشحونة بالرمزية الدينية ويستعمل كوسيلة للايحاء المتحكم بالتعبئة السياسية وهنا يهيمن الجانب السيمائي على الدليل اللساني من حيث التصور الثقافي.
اذا ان العقل السياسي العربي اسس مفهوم الشورى اعتمادا على كلمات داخل النص المقدس تفيد معنى التشاور وتعود مرجعيتها الى تقاليد سياسية قبلية وهي جزء من البنية الاجتماعية والاقتصادية السياسية في المجتمعات القبلية.
كما ان مفهوم الشورى يطمس القوة السياسية ويؤكد التطايق التلقائي بين التاريخ والمجتمع والسلطة هذه النزعة ما هي في الواقع الا وسيلة لترجمة فكرة الوحدة المجتمعية. هذا النوع من التنظيم ينبذ بطبيعة الحال اية تعددية سياسية ويستبقي تعددية الطوائف الدينية حيث ان اكثر اطروحات الانتلجستيا الاسلامية حول الشورى كمفهوم ومؤسسة سياسية كلاسيكية تخيلية لم يرتبط بالتراكم المعرفي حول طبيعة الدول السياسية في الاسلام. ان اعادة انتاج واستثمار هذا المفهوم يقع تحت ضغط الاسئلة السياسية داخل المجتمعات التي تحاول البحث عن ذاتها الثقافية والسياسية في عالم متحول المحددات التيولوجية (الدين / الديمقراطية) تعرف الديمقراطية في المنظومة الدينية الاسلامية كونها ليست ايديولوجية او نظام اقتصادي محدد المعالم او مجموعة تشريحية ناظمة بل هي اطار نظري لتنظيم لعبة التنافس بين الايديولوجيات وعند وضع هذه الفرضية تحت التفحص النقدي نجد انها تعاني من الهشاشة الفكرية والضعف المعرفي وذلك كونها ترى الديمقراطية آليات للوصول الى السلطة السياسية وليس بوصفها منظومة قيم وعلاقات انتاج وتعايش بين الجماعات البشرية وانساق للدولة.
ان الديمقراطية الحديثة ظهرت مع ولادة العصر الصناعي وفي الطور المتقدم منه وتقوم كنظام سياسي اجتماعي اقتصادي وفق تعبيرات المفكر فالح عبد الجبار على مجموعة من الاسس تعتمد الاتفاق والتعاقد الاجتماعي واحتكار وسائل العنف المشروع من قبل الدولة وهي نظام علاقات مؤسساتية وقانونية تعمل على ثلاث مستويات :

المستوى الاول : - انها نظام علاقات معقدة بين اعضاء وجماعات وطبقات مجتمع ما يتمتع ويعترف فيه كل فرد او جماعة او طبقة بالمساواة امام القانون على اساس حقهم في حرية النشاط الاقتصادي المنظم وفي حرية المشاركة السياسية وحرية المعتقدات الدينية.
المستوى الثاني : - انها نظام من العلاقات المعقدة بين المجتمع في كليته والدولة او بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي. بناء على احتكارين ان المجتمع المدني وهو حقل الملكية والنشاط الاقتصادي والثقافي وان المجتمع السياسي هو ميدان احتكار وسائل العنف المشروعة وادارة القضاء دفاعا عن الحياة والملكية الفردية والثقافة والحريات ضد اي انتهاك لها سواء كان داخليا او خارجيا.
المستوى الثالث : - انها نظام تقسيم وظائفي مؤسساتي داخل المجتمع السياسي. اي في بنية الدولة وكل مكونات الدولة تقوم بوظيفة محددة بوضوح، ولكن هذه الوظيفة منفصلة مؤسساتيا. مثل السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية ولكل مؤسسة نصيبها من السلطة هذا التنظيم العمودي والافقي للسلطة اسلوب يمنع تمركز السلطة. في حين نرى في النظام الثقافي الاسلامي محرمات تتمثل في عدم الاعتراف بالديمقراطية كنظام اجتماعي – سياسي لكونها مفهوما منتجا في الثقافة الغربية ومرتبط بالثقافة اليونانية المسيحية. ويقول مالك بن نبي اننا نعرف متى حدثت كلمة (الاسلام) في اللغة العربية انها لا شك من ابتكار القرآن ولكننا على جانب اقل معرفة فيما يخص مصطلح (ديمقراطية) ولا نعرف متى درج في اللغة العربية. هكذا نرى ان الصلة مفقودة بين المصطلحين وربما امكن القول مجازا نظرا لهذا التباعد من حيث التاريخ ومن حيث الجغرافية بانه ليس هناك ديمقراطية في الاسلام " ويعتمد مالك بن بني في تقرير احد الجوانب المهمة بين الديمقراطية بوصفها مفهوما سياسيا يقيد سلطة الانسان في الوجود التاريخي للنظام الاجتماعي وبين مفهوم الاسلام كونه نسقا ميتافيزيقياً يقيد خضوع الانسان الى سلطة الله.
حيث ان الاسلام يمتلك نسقا ايديولوجيا للتاويل المستمر ويؤكد التمايز والاختلاف عن الاخر ضمن مخزون تاريخي ضخم من الاستيهام وتضخيم الذات والشعور بالتفوق المستديم، لذا تم تكريس مجموعة من التصورات المعرفية داخل النظام الثقافي الاسلامي المتشكل تاريخيا من الانساق الشعبوية والراديكالية اذا لم تقم الانتلجستيا الاسلامية يمراجعة دقيقة وشاملة للآليات والمفاهيم الدينية والسياسية والمحددات الثيولوجية للحقل المعرفي والتي تمثل احد المقاومات القطعية بين الاسلام / الديمقراطية تفحص نقدي تم تحويل مفهوم الديمقراطية داخل الحقل الديني الاسلامي الى مجموعة خرافات واساطير نتيجة الاشتراطات المجتمعية المهيمنة في انماط التفكير الاسطوري واشتغال آليات البتر والتحويل والتقليص لكي يطابق مفهوم الديمقراطية مع تحديدات المنظومة الدينية الاسلامية ويرى شايغان " ان هناك تناقضات بينهما تحديدا بسبب التغيرات الجذرية التي سمحت ببروز ظاهرة كالديمقراطية. ان مقارنة هذين المفهومين اللذين ينتميان الى كوكيات افكار متباينة قامت بينهما انقطاعات كبرى اسست الحداثة. انما يعادل اجراء تماهي تسلسلي وتجاهل الطبيعة التناسلية والسلالية للمفاهيم المصالحية ".
اذا ان الديمقراطية ظاهرة ديناميكية لا تعمل داخل جهازها المفاهيمي والمعرفي لا تنشتغل ضمن انساقها بالتصنيفات والتمايزات الطبقية او الجنسوية او الاثنية او القومية او الطائفية وانما تاخذ الوجود الموضوعي (الفرد) حجر الزاوية، اما في الاسلام فان فكرة الفرد دائما مسبوقة بالانتماء الى الامة او الجماعة هذا التميز الاولى بين الاسلام كــمنظومة دينية / اقتصادية والديمقراطية نظام وتمثيلات يتأسس على مفهوم الفردانية يلخص مجمل هذه التعقيدات في البنى والمؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والانظمة الثقافية كون الاسلام نظام سياسي يكرس حقوق الجماعة الدينية ما يؤدي الى الانزلاق نحو انساق توتاليتارية سلطوية تقوم على استقالة المجتمع ككل، هذه المقولة تشكل الفضاء التاريخي والعقدي والعقل السياسي المقدس في حيث تعود الفردانية في المجتمعات الغربية بجذورها الانكلو – سكسونية الى حركات الاصلاح الديني وظهور الملكية وعلاقات التعاقد في المجتمع البرجوازي، وعصر فلسفة الأنوار ومفهومها للعقلانية الذي يفترض ان تحكم ممارسات الانسان الفرد / الحر في جميع مجالات الحياة الاجتماعية على شرط ان يتمتع هذا الانسان الفرد بتجربة مزدوجة تخص مجال المبادرة الاقتصادية من جانب، وحرية التبادل في السوق المادية والرمزية وحرية عقد العمل والخيارات السياسية.
فضلاً عن مخرجات فكرة السيادة، اذ ان التـأويل المسيحي لمقتضيات القسيس قد ارتضته البروتستانتية والبيوريتانية والاقرار بشرعية التصويت على اساس القانون الذي اودعه الرب قلوب مخلوقاته. بما يثبت ان فكرة السيادة الالهية لا تحول بالضرورة دون ان يمارس الانسان سيادته، وان سياق الممارسة الاجتماعية والسياسية هو الذي يقرب الحجج التيولوجية من مفهوم الديمقراطية او يبعدها، اما في الاسلام فان مفهوم السيادة الكاملة لـ " الله " واستحالت السيادة للبشر ما يمكن تصوره والاعتقاد به، الامر الذي طالما قدم في معرض رفض النموذج الغربي للديمقراطية في العالم الاسلامي. اما مسالة التعددية والاختلاف والتنوع في الانظمة الفلسفية والسياسية والاقتصادية والثقافية داخل الانموذج الغربي للديمقراطية يتناقض مع الانموذج الاسلامي القائم على وحدة الامة والجماعة الاسلامية والهوية الدينية الكلية الثابتة.
ان الجماعات الدينية الاسلامية تطرح موضوع الديمقراطية ضمن التأطيرات الميتافيزقية / المتعالية، اي خارج حقل التاريخ بوصف الديمقراطية الية اجرائية لتنظيم وتحويل السلطة في المجتمع وبالتالي يمكن الجمع بين الاسلام والديمقراطية عبر التجيش والتلاعب بالمعنى المقدس لصالح الضرورات ووضعه ضمن سيرورات الاجابة ليشكل حضورا مستمرا ضمن مشاغل المجتمع وداخل بنية الشروط الاجتماعية والاقتصادية. و اسلمة الديمقراطية وادخالها ضمن الفضاء المفاهيمي للاسلام يمنح الاسلام وظيفة تمجيدية لاضفاء الصفة الدينية وقد وصف هذه الاشكالية المفكر شايغان "ان الاسلام هو الذي يفكر ان يدخل في التاريخ ليقاتل الكفرة اي الفكرويات المنافسة، هكذا يقع الدين في فخ مكر العقل. فالدين حيث يريد الوقوف ضد الغرب انما يتغربن ويتفرجن."
ان القراءات الاسلامية / الدينية تنكر التاريخ كليا وتخترق الثوابت النصية لمنطوق النص المقدس لتكرس فكرة مسبقة عن تفويض الجماعات البشرية في حين ان الدين (الاسلام) ينبذ فكرة التفويض لان (الله) الاسلامي لم يفوض اي سلطة لاحد لذا لم تتشكل في (الاسلاميات التاريخية) سلطة دينية مكتملة وتلك نتيجة منطقية لهذا الوضع المعرفي وفي المقابل كان الانموذج الغربي للديمقراطية قائم على فكرة التفويض والتي تشكل بنية محورية في الفكر الغربي والثقافة المسيحية.
هذه الانساق المعرفية (الفردية، السيادة، التعددية، التفويض) تلعب ادوارا مؤسساتية في الممارسة السياسية في نبذ الديمقراطية كمفهوم وممارسة داخل المجال الاسلامي ما ادى الى قيام الانتلجستيا الاسلامية بتعديلات جوهرية تمس البنية الاركولوجية للديمقراطية واحدات انماط شعبوية والترويج لنسخ من الديمقراطية الاسلامية.

ان مسالة الدين، الديمقراطية، الحداثة، العلمانية لم تطرح لحد الان في المجال الاسلامي على التفحص النقدي التاريخي وانما يتم الاعلان عنها هنا او هناك بشكل دعائي، في حين حققت الديمقراطية في المجتمعات الاوربية انها عبر انجاز استقلال المجال السياسي عن المجال الديني وانفصال المجتمع المدني عن الدولة وانصهار الاديان في الديمقراطية صاحب هذه العملية التاريخية تحولات لاهونية فكرية ضخمة داخل الاديان.
النقطة الجوهرية هنا تاخذ مسارا مرجعي تاريخي لماذا الانتقال الى الحداثة والديمقراطية غير ممكن نسبيا في المجتمعات الاسلامية؟ اذ ان العالمين العربي والاسلامي ينتميان في التصنيفات السوسيولوجية الى المجتمعات الطرفية الغائبة او المهمشة في هيكلية الاقتصاد العالمي. ووفق دراسات المفكر الاقتصادي سمير امين التي تتحدد في سياق نظرية التراكم العالمي حول (المركز / الاطراف) اذ ان التراكم الرأسمالي يحصل في مركز الاقتصاد العالمي بينما يقوم التخلف الاجتماعي والاقتصادي في الاطراف هذا التراكم مرتبط بآليات التوسع الكولونيالي الذي شمل القارتين الافريقية والاسيوية خلال القرن التاسع عشر وهي موجة توسع من اجل فتح الاسواق التي ترتبت على انجازات الثورة الصناعية لقد ادى هذا التوسع الى استقطاب على الصعيد العالمي لم يكن له مثيل خلال الالفيات السابقة لتاريخ الانسانية وقد انتج هذا التوسع والتراكم،القوى التي انتفضت فقادت الثورات الاشتراكية في روسيا والصين وثورات التحرر الوطني في اسيا وافريقية اي في مناطق طرفية عانت من الاستقطاب ما اوجد تغيرات ملحوظة في هرمية ترتيب الامم في المنظومة العالمية. وبالذات مجتمعات الاطراف اذ اتقسمت هذه المجتمعات الى مجموعتين من التشكيلات الاجتماعية الراسمالية الطرفية تتكون المجموعة الاولى من تلك المجتمعات التي استطاعت ان تقيم منظومة انتاجية وطنية متمركزة حول الذات وتضم مجموعة المجتمعات الاشتراكية سابقا في اوربا الشرقية والاتحاد السوفيتي والصين كما تضم كوريا والهند والبرازيل، اما المجموعة الثانية فتضم العالم العربي والمجتمعات الاسلامية الى جانب افريقية وهذه المجموعة تقع في موقع المفعول به العاجز عن تطوير ستراتيجية خاصة بها. فالقوى المهيمنة عالميا تفرض على هذه الدول التكيف الاحادي الجانب والخضوع لاحتياجات التوسع الرأسمالي فهذه المجتمعات مهمشة بهذا المعنى الاقتصادي والسياسي وينعكس هذا الوضع في غياب خطط وطنية مستقبلية لدى الطبقات الحاكمة واحلال مشاريع وهمية ثقافوية ودينية سلفية اذ ان هذه المشروعات غير قادرة اصلا على ان تدرك التحديات الحقيقة.
وبالنتيجة ادى التآكل التدريجي الى انهيار انموذج النظم السوفيتية في الشرق ونمط الدولة الوطنية الشعبوية في العالم الثالث وبزوغ ملامح موجة جديدة من التوسع الكولونيالي اذ ظلت اهداف راس المال المهيمن للشركات العملاقة هو السيطرة على الاسواق وفادتها من استغلال العمل في الاطراف حيث ان المشروع الجديد يعمل في اطار تغيرات بالغة، كما ان الخطاب الذي يغطي المشروع ويضفي عليه المشروعية صار يدعو الى نشر الديمقراطية وحقوق الشعوب.
ان تفحص مسار التوسع والتراكم الراسمالي داخل الحقل التاريخي يكشف لنا ان الهيمنة صفة دائمية لتشكيلات راسمالية المركز وموازنة قائمة على الطابع المبتور لراسمالية الاطراف اذ ان غياب الديمقراطية في جميع مناطق الاطراف يكمن في خصوصية التراكم الراسمالي على عكس ظروف التراكم في المركز التي انتجت شروطا موضوعية اتاحت تحقيق حلول اجتماعية وسطى بين راس المال والعمل.
فالمجتمعات الطرفية (مجتمعات العالمين العربي والاسلامي) خصوصا دخلت في مرحلة انحراف بنيوي عن خط سير التنمية منذ خمسينيات القرن الماضي، وبسبب هذا الفشل الاقتصادي والسياسي للدولة الوطنية الشعبوية اتخذت الانظمة السلطوية سلسلة من اليات الدفاع عن الذات (معاداة الغرب، الاصالة الاسلامية، الاشتراكية العربية كما حجمت وهمشت الطبقات الاجتماعية الحركية وبالذات الطبقة الوسطى (حاملة التنوير والديمقراطية ).
لذا فان ان عدم حدوث التراكم الراسمالي في المجتمعات الطرفية هو نتيجة اليات التوسع والتراكم في مجتمعات (المركز) وكان من الممكن في حالة حدوث هذا التراكم في تلك المجتمعات ان يؤدي دورا وظيفيا كحامل سياسي وفكري واجتماعي في قيام عناصر الفصل بمختلف اشكالها في المجتمع. بالاضافة الى ان الديمقراطية لم تتجذر في هذه المجتمعات لعدم استجابة البنى والتشكيلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية والمقاومات التي تتسيدها مؤسسة الدين وظلت في افضل الفرضيات ظاهرة مؤقتة. شكلية وجزئية وناقصة تظهر في بعض الحقب وخاصة في مرحلة الازمات او تتخذ شكلا شعبويا معارضا في الجوهر للفكر الديمقراطي.
يحدد عبد الله العروي ثلاث كيفيات رئيسية لفهم التاريخ العالمي ضمن الايديولوجية العربية المعاصرة (الشيخ الديني، رجل السياسة الليبرالي، القومي التقني ). اذ اننا نجد تعبيرات هذه الانساق تتشكل منذ القرن التاسع عشر وقد تم تحديد وعي المجتمعات العربية ذات المنحى الاسلامي من خلال هذه الكيفيات
1- الشيخ الديني : - يحدد التعارض الجذري بين الغرب والشرق في اطار الايدولوجية وداخل ثنائية مانوية صارمة (مسيحية / اسلام) وهو يشتغل على ميراث ضخم (تاريخي وفقهي) يعيد انتاجه على الرغم من اختلاف وتحولات المجال التاريخي اذ يرجع دائما الى حرفية الطقوس ويحاول ان يعثر فيها على اسرار القوة والضعف وقد انتهى هذا الشيخ الخارج من الصدمة الكولونيالية والفضاءات الليبرالية (محمد عبده) الى شيخ ظلامي، تكفيري، اصولي (اسامة بن لادن ).
2- رجل السياسة الليبرالية : - حاول ان يحتل المسرح السياسي العربي ويحكم تلاشي الطبقة الاجتماعية او الشريحة التي كان يمثلها فقد تم اقصاؤه من الدولة والمجتمع بعد ولادة الدولة القومية العربية والتي ارست تكويناتها البرجوازية الصغيرة ذات النزعات الفاشية فقد (اختفى لطفي السيد) كموضوع في الحقل السياسي العربي.
3- القومي التقني البرجوازي الصغير : - الذي تشكل مع الانقلابات العسكرية وحاول بناء دولة قوية انحدرت من مشروع دولة وطنية او جنين دولة قومية الى دولة فاشية، عشائرية وقد نزعت هذه الدولة المجتمعات العربية الاسلامية من الحقل السياسي ونقلتها الى الحقل الرعوي هذا القومي التقني الذي يتبنى مشروع فخم (الاشتراكية، القومية، الوحدة) انتهى الى صدام حسين. طبيعة الخطاب الديني الاسلامي ان الاسلام كدين يستمد قوته من نظام الاشارات والدلالات الواسعة المعنى المبني على تأويلات متعددة سواء كانت فردية او اجتماعية للنصوص المقدسة وقد حول المجتمعات التي يهيمن عليها الى مجتمعات جوهرانية ثابتة لا يمكن ان تقبل التغيرات السياسي والاقتصادي اما على صعيد الخطاب الديني فنرى ثمة اتساع بين نظامين. نظام الاسلام التخيلي ونظام الاسلام التاريخي اسوة بجميع الأنظمة الفكرية هذه الفجوة المؤسسة بينهما المشبعة بالأسطورة تؤدي الى التوليد المستمر للأصوليات الدينية والسياسية اذ ان هناك اسلاميات تاريخية وشيع وطرق حركات وملل واسلام ميتا واقعي يؤسطر مرحلة مبكرة ويستثمر ليغذي الأنظمة السلطوية التوتاليتارية الفردانية الشمولية، هذه الخطابات والأنظمة الفكرية تقوم على ايديولوجية متخيلة وغيبية ماضوية تحكم مكوناتها الأساسية والتي تشكل حضورهما في الخطاب الراديكالي وخطاب اسلمة المعرفة والمفاهيم والمقولات فالخطاب الراديكالي الأصولي هو احد انتاجات معضلات الحداثة واشكالية العصرنة يرى ان العودة الى الاصول التاريخية في تنظيم التفكير وقواعد السلوك والمنظومة القانونية والحقوقية والأجتماعي وتنظيم الدولة والسلطة عبر استخدام ميراث اسلامي ومنظومة دينية مضادة لهيمنة الغرب العلماني وحداث قطعية ومع حقل التاريخ البشري العياني.منظومة تعيد تركيب حقل التخطيطات للهوية والمجتمع والدمج بين الدين كمؤسسة اعتقادية والايمان كقناعات فردية وتؤسس وحدة الوجود الموضوعي وشرعية في حقل السلطة السياسية وهذا المشروع هجائي ومضاد للتاريخ.
في حيث يحدد خطاب اسلمة المعرفة (النص المقدس) كمعرفة ما فوق علمية واطارا للمعرفة الأجتماعية ومرجعية سريولوجيا محكما مطلقا بعيدا عن تأثيرات بنية المجتمع ووظائفه ودمج المعرفة العلمية والأقتصادية والاجتماعية.هذه المحاولة لتأهيل مفاهيم الحداثة والديمقراطية وايجاد تأصيلاتها في النص المقدس محكومة بـ رهانات سياسية.اكثر مما هي مرهونة الى التأسيسات المعرفية حيث تم انتاج مفاهيم الأشتراكة الأسلامية والديمقراطية الأسلامية ومشتقاتها.
فالأنظمة الفكرية الأسلامية (رغم تباينها في التصورات( تقوم على منظومة كلية يقينية قطعية تنفي اي اثر للجماعات البشرية في انتاح اشكالية وجودهم الموضوعي والمادي والتاريخي وتطرح مفهوم الديمقراطية (المفهوم الكوني) ضمن افق ميتافيزيقي بعيدا عن الاشتراطات التأريخية والبنى المجتمعية وتقوم باقصاء محتوياته الفكرية لكي يتطابق أو يتماهى مع البينية التكونية للاسلام حيث أن الانتلجنيسا الاسلامية تطرح مسألة العقد نسبية كـ تكوينات أولية ما قبل ظهور الدولة الحديثة وتحاول أن تدمج بين راسمال رمزي مطلق متعال وآليات سياسية نسبية تاريخية محققة انزلاق العقد الاجتماعي والسياسي بين الجماعات البشرية من صعيد التحليل العلمي النقدي الى صعيد التظليل الايديولوجي البراغماتي. حيث أن الفصل بين اسلام تاريخي مشروط منذ البدء واسلام تخيلي اسطوري واخضاع هذا الفصل للتفحصات النقدية للكشف عن العناصر الايديولوجية داخل المعنى المقدس ففي الاسلام التأريخي كمنظومة عقائدية توجد كتلة من التمايزات اللاهوتية والسياسية والقانونية وأي عملية لإعادة انتاج نظام الانظمة للهوية الاسلامية هو الوقوع في فخ تاريخي يرافق ذلك أعادة انتاج الاشكاليات الفكرية والسياسية والفلسفية والاقتصادية لهذه الانماط المتعددة. وهنا تكمن ازمة خطاب الاسلام حول الديمقراطية كيف تتم العودة الى اسلاميات تشكلت وفق نظام ابستمي معين (رؤية للعالم والتاريخ) ووضعيات اجتماعية – اقتصادية داخل تحديدات مادية؟
كيف يتم تحويلها الى تمثيلات قانونية وتشريعية؟
أن الخطاب الاسلامي السياسي يؤكد على الفصل التام بين النص التأسيسي الأولي والتجارب التاريخية هذا الفصل يقع في مفارقة بوصف التجارب التاريخية خارج النص ما يؤدي الى تحطيم الخطاب التأسيسي والدخول في عملية جديدة من الادلجة والهيمنة. أن هذا التميز والفصل اشكالية تقع فيها الجماعات الدينية السياسية إذ تنظر الى النص الديني الاولي بوصفه نصا مطلق لا يحمل في بنيته بصمات التاريخ الثقافي أو اللغوي أو الفلسفي ويجري توظيفه ليلعب دور عامل ضبط سياسي سلطوي قانوني داخل بنية المجتمعات العربية والاسلامية والتأكد على هذه المسالة هي من اختراع الجماعات السياسية الدينية الأسلامية التي تدمج بين الأراء والأفكار السياسية والقانونية والمعتقدات الدينية رغم انهما خطابات متمايزة يتأسس لكل منهما حقله اللغوي والثقافي.حيث ان المساواة لا تتحقق الا باحتجاب عنصر الانتماء الديني في تحديد محتوى القواعد القانونية وضبط مجالها ومحمولاتها الأيديولوجية

الديمقراطية العراقية وفخ المقدس تحت وطأة المشروع الأمريكي تحاول الأنتلجتسيا العراقية الإسلامية ايجاد توافق وتماثل بين الإسلام / الديمقراطية.حيث ان قراءة اليات التحول في الخطاب السياسي لهذه الجماعات يكشف ان هذا المتغير ليس له علاقة بمشروع بناء الدولة الديمقراطية وانما السعي الى حيازة سلطة سياسية عن طريق الأنتخابات اي دعم مشروع سياسي محسوم سلفا لصالح الأغلبية الدينية او الطائفية يسبب ركود البنى والتكوينات الأجتماعية والأقتصادية والسياسية للمجتمع العراقي وستنفار وهيمنة الهويات الطائفية القومية والدينية والاثنية.
لكون الحركات السياسية في المجتمعات الطرفية تقوم دائما باعادة انتاج الاستخدام الإيديولوجي للمعنى المقدس وذلك عبر ايجاد صيغ توفيقية بين البنى السياسية والبنى الدينية وتقديم قراءة براغماتية للنصوص الدينية.فقد استخدمت الحركات الدينية السياسية الأسلامية ابان انتخابات 2005 شعارات وعبارات ذات متحى ديني تنتمي الى عالم ما بعد الطبيعة وهذا يناقض اسس الديمقراطية.ولم تتم اعادة تشكيل الهوية العراقية.او ايجاد المجال السياسي للديمقراطية بما ينسجم مع هذه الهوية عبر خيارات دستورية او رمزية او سياسية او قانونية تحدد العلاقة بين الدين والدولة
لاحدات تكيفات في البنية الأيديولوجية والسياسية لخطابات التيارات الأسلامية والتيارات العلمانية وتجاوز العقلية الأقصائية التي تتسم بها هذه التيارات فقد عملت هذه التيارات الدينية السياسية على (تسييس الدين وتديين السياسة) مما يعطي دليل على ان هذه الجماعات تفتقد لمفاهيم الدولة الحديثة وفكرة القانون المدني لذا فان ازالة سحر العالم عن الواقع المجتمعي العراقي هو للكشف عن اليؤسس الدنيوي للحركات السياسية الدينية والتي تحاول بطرق متعددة الربط بين المقدس والمدنس سالسياسي واعادة تأهيل مفهوم الديمقراطية وتاسيس عناصره في المجتمع العراقي بعد ان خضع لجملة من التصورات والاختلاطات المعرفية والمعاني المتناقضة وهذا المسالة لا يمكن حلها الا بفتح نقاش حول هذا المفهوم التاسيسي واعادة تحريره من كل التصورات والقوالب الجاهزة والتي روجتها الايديولوجيات الاسلاموية التي تهجي البعد الانساني والاخلاقي والقيمي حيث ان الديمقراطية كتشكيل مجتمعي وممارسة تقوم اولا على اختيار ثقافي لصالح العقلانية في حيث نرى المجتمع العراقي يتمركز حول هويات سياسية اقلوية تعيد اكتشاف القيم البدائية الما قبل الدولة وتعاني الرفض المستمر للاخر الثقافي والسياسي والديني تحت تاثيرات الهوس الاسطوري للاصوليات الدينية والسياسية. وهنا نصل الى فرضية ان الحديث عن الديمقراطية في العراق هو هرطقة منتحلة.

الدين/الاسلام/ الديمقراطية
اعادة صياغة

ان تأسيس الديمقراطية في المجال السوسيوبوليتيكي للمجتمعات الاسلامية لابد ان يعتمد النظام المؤسساتي في اعادة صياغة شبكة العلاقات بين الدين / الديمقراطية بوصفها علاقات مركبة وانتاج حقل التاريخ اي خلق انساق بين العوامل الموضوعية المادية (العلاقات الاجتماعية، انماط الانتاج، الحداثة، التحضر) والعوامل الايديولوجية وهي ترتبط بنمو النسق القيمي للمجتمع المدني والبنى التخيلية والاقتصادية والسياسية للجماعات التي يتكون منها المجتمع. وذلك لكون الديمقراطية كمفهوم هي الوريث الشرعي لعصر التنوير الاوربي والتي لا يمكن ان تولد في المجتمعات الاسلامية بعملية قيصرية بدون ان ترافقها عملية علمنة الافراد والمؤسسات وايجاد الفرد/ الانسان كذات مستقلة وليس كتلة هلامية مندمجة بالامة او الجماعة وتحويل القانون والتشريع الى قاعدة تعاقدية في تشكيل الدولة الحديثة. ويطرح المفكر طارق رمضان أربعة مبادي حول الديمقراطية وهي دولة القانون والمساواة في المواطنة والتدوال السلمي على السلطة واحترام التعددية يرافقها تفكيك واعادة انتاج النظام المعرفي الديني والذي هو شبكة التصورات التي كونتها الجماعات الدينية السياسية ومجمل المسلمات. الضمنية اليقينية التي تتحكم بنمط الانتاجات الفكرية دون ان تظهر على السطح والتي يطلق عليها ميشيل فوكو اللاوعي المعرفي وتبلور كنظام فكري ورؤية للعالم تستمد سيروتها من سياسية الاستيهامات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والميتافيزيقية حول الله / الانسان / العالم وصياغة وتحديد العلاقة ين الانسان / الرب والانسان / الانسان غير نظام حقوقي وقانوني.
وايجاد علاقة جديدة بين الدين / السياسة وموقعها من نظام الواقع الاجتماعي واحداث قطعية بالمفهوم الالتوسري داخل الكتلة المعرفية للنظام الديني الاسلامي قطيعة تستجيب لاحتياجات عالم الحداثة وقيام عناصر الفصل بمختلف اشكالها في المجتمع " المجتمع المدني، المجتمع السياسي، السلطة القضائية، السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية " والتي تمثل حجر الزاوية في التاسيسات الاولية للديمقراطية وحذف التمثيل الديني والقومي والطائفي وتحجيم التكوينات العشائرية وخلق شخصية مدنية وتحولات جذرية الى ثقافات حديثة فضلا عن استبعاد كل فاعل تاريخي مفارق وتحرير العقلانية من كل تبعية للاهوت سواء كان مفارق للانسان او محايثا والاعتراف ان الناس هم صانعوا التاريخ. واحداث تغيرات في النظام المجتمعي عبر تحسين التعليم وتحديث الانظمة الفكرية ودمقرطة السياسة واضعاف تاثيرات القادة الدينيين وتكريس المواطنة وتعدد مصادر التشريع بوصفها مصدر ديناميكية العملية السياسية والتشكيلات الاجتماعية والاقتصادية ويمثل جزءا من التوازنات الثقافية في حين تكريس راسمال رمزي اعتقادي كتمثيلات دستورية وعقد اجتماعي يمكن ان يغذي التمزق والفوضى داخل العالم الواقعي للمجتمع العراقي.
ونقد مفهومي الاغلبية الدينية او الطائفية والاقلية الدينية او الطائفية لكونهما نتاج اسطورة المحاصصة والتوافقات السياسية وتصورات مجتمع اهلي لم يتشكل كمجتمع سياسي ولم تتبلور فيه الدولة السياسية ويتغذيان على قاعدة بنيوية ضخمة من الاحباطات والانكسارات لافتقار المجتمع العراقي للوحدة البنيوية والتسارع في عملية التمايزات وبروز النزعات الفرعية والانقطاع في التسلسل الاجتماعي وهذا يتناقض مع فلسفة الديمقراطية التي تقوم على التعايش بين الجماعات الاجتماعية بعيدا عن الانتماءات الدينية او الطائفية او القومية. يوسف محسن