بن عيسى: الاندلس صنعت قيّمها

محمد بن عيسى والمقدم ضياء الفلكي

لندن - احتفت الاوساط الثقافية العربية في العاصمة البريطانية لندن بمحمد بن عيسى الامين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، عبر تفاعلها النخبوي مع محاضرته حول التفاعل الحضاري بين المغرب والاندلس، متخذا من أصيلة قاسما مشتركاً.
وركز بن عيسى الذي شغل وزارتي الخارجية والثقافة في محاضرته التي نظمها اتحاد المدارس العربية في بريطانيا مساء يوم الاربعاء على فترة الوجود العربي في الاندلس لكونها ازهى العهود وأغناها باجماع كثيرمن الدارسين والمؤرخين الموضوعيين، وهي فترة –حسب تعبيره- امتد حضورها طيلة مايقرب من ثمانية قرون، بحساب الزمن العادي بما يرمز اليه من تفاعل وتداخل وتمازج واخذ وعطاء متبادلين بين الثقافات الوافدة من الشرق العربي بمكوناتها وخصوصياتها، وتلك الفترة التي وجدها الفاتحون العرب ليس فوق الرقعة الاندلسية وحدها، بل والمنتشرة ايضا في اطراف شبه الجزيرة الايبيرية المستظله اّنذاك بلواء الحضارة اللاتينية.
وقدم المحاضر المغربي، عضو مجلس الامناء لاتحاد المدارس العربية في بريطانيا ضياء الفلكي، مشيرا الى تجربته في حوار الحضارات ودوره في تقريب الاراء بين الشرق والغرب.
وقال بن عيسى: "لا أصتف تفسي ضمن خانة المؤرخين ما يوجب علي لفت الانتباه، ولذلك فان مساهمتي لا تنتسب الى المعالجة التاريخية الاكاديمية الا من باب الاشارات الواضحة".
وأضاف "ان النموذج الحضاري الذي تكون وساد في الاندلس خلال الوجود العربي بها استثنائي بكل المقاييس التاريخية، قلما يوجد له نظير الا فيما ندر في تاريخ المجتمعات الاخرى بما فيها الاسلامية".
وأكد بقوله "شخصيا لا أدعو الى استنساخ الماضي بحذافيره فقد ولى، ولكن ما يشغلنا في تاريخ الاندلس يجب ان يظل منحصرا في العبرة التاريخية المستخلصة، فهي ارض مثيرة للاعجاب حقا، استوعبت العناصر الحضارية الوافدة والمحلية، وانصهرت وتلاقحت فيما بينها دون ان تطمس الواحدة الاخرى، ومن هنا اقول انه لايليق بأهل حضارة أصيلة الادعاء أنهم وحدهم صانعو ومنظمو الدورة الحضارية المستمرة بدوام الكائن البشري".
والشيء الذي شد انتباه الدارسين للحضارة الاندلسية قال انهم عثروا على ما يمكن تسميته "المنجم الحضاري" أو بلغتنا المعاصرة "منظومة القيم الانسانية" أو لنقل ارهاصات ومؤشرات قوية وبذور مخصبة لتلك المبادئ سيتم اثراؤها وتطويرها لاحقا، على يد مفكري وفلاسفة النهضة الاوروبية ليصبح ذلك التراث المشترك المتعدد عماد الحضارة الغربية.
واستطرد بن عيسى في المحاضرة التي شدت أكثر من 100 من الحضور من مختلف الجنسيات العربية وأثارت حوارات متقاطعة أسهمت في إغناء فصولها بقوله "لقد ساهمت مختلف الاعراق في الاندلس في صنع تلك الحضارة وأثمرت ازدهارا ثقافيا وتنوعا حضاريا بمعايير ذلك العصر، وتجاورت في ارجاء البلاد دور العبادة والشعائر المنتمية الى الديانات التوحيدية، الى جانب حلقات الدرس الفلسفي ومراكز الاجتهاد والجدل الفقهي، ومعاهد الفنون والموسيقى والطرب والصنائع، كما وجد الشعراء في بيئتها ما استهواهم، فأنجزوا ثورتهم الشعرية وابدعوا نصوصا اغنت المتن الشعري العربي وارهفت اذواق متلقيه.
وابتكرت اشكالا مثل الموشحات والقصائد العامية "الزجل" برع شعراء ضاهوا المشارقة او تفوقوا عليهم مثل ابن زيدون بغزلياته الشهيرة في حبيبته ولادة بنت المستكفي، وقد ولد كل ذلك المزيج الرائع "الموسيقى الاندلسية" التي لم يصلنا منها لسوء الحظ كل "نوباتها" ومقاماتها والحانها.
والثابت ان هذه الصحوة الفكرية والثقافية –بتعبير المحاضر- ماكانت تتحقق لولا اجواء الحرية والتسامح الديني ونهضة التعليم والوثبة النوعية التي حققتها العلوم الطبيعية والمعارف الفلسفية واللغوية والتاريخية فضلا عن الاداب على يد اعلام الاندلس الكبار مثل ابن طفيل وابن باجة وابن حزم وابن خلدون وابن عبدربه وابن بسام وابن حيان والمعلم ابي الوليد ابن رشد الذي شّرح وعّرب وادمج التراث الفلسفي اليوناني الأرسطي ضمن المنظومة الفلسفية العربية فبرز اسهامه النوعي في ارساء اسس العقلانية.
هكذا اصبحت "النزعة الرّشدية" في الفلسفة مضاهية في قيمتها لما سيدعى لاحقا "الثورة الديكارتية" على يد الفيلسوف الفرنسي "رونيه ديكارت" أب الفلسفة الحديثة، ولذلك يمكن القول ان كانت العقلانية هي التيار الفلسفي المؤثر في بناء الحضارة الغربية، فانه لم يكن لها ان تتحقق لولا المعبر الاندلسي اذ منه مرت الفلسفة والعلوم اليونانية والعربية والاسلامية نحو اوروبا عن طريق الترجمة التي ازدهرت في حواضر اندلسية اشهرها قرطبة.
وتطرق المحاضر الى التفاعل الحضاري بين المغرب والاندلس فقال تحت اسم الشاعر الاندلسي الرقيق المعتمد ابن عباد الذي لم يستطع التوفيق بين ما تقتضيه السلطة والحكم في ظروف صعبة اصطدمت بروح الفنان فيه، فأخفق الشاعر في مسعاه السياسي لينتهي به المطاف أسيرا في بلدة "أغمات" بضواحي مدينة مراكش.
وقال اطلقنا في "اصيلة" اسمه على الجامعة معتبرين ابن عياد رمزا ثقافيا يتقاسمه البلدان، فهو يرمز الى تلك الوشائج القوية التي جمعت المغرب بشبه الجزيرة ألأيبريه في شتى مناحي الحياه، ما أعطى المغرب ما اسميه "حق الحضور الطبيعي" في شؤون الاندلس من باب حمايتها والحرص على استقرارها، وحين قدرت المغرب ان الامور تسير في غير وجهتها الطبيعية تصرفت بصورة حاسمة.
ولد المعتمد بن عياد في مدينة "باجا" بالبرتغال وعرف المجد في اشبيلية بالاندلس، اما الغربة والوفاة فكانت في اغمات في المغرب. شكلت الاندلس امتدادا جغرافيا وحضاريا وبشريا للمغرب الذي يشكل بدوره عمقها الاستراتيجي، وقد استنجد به حكامها خلال الفترات الحرجة حينما تعرضوا لمحاولات الغزو وهجمات الاسترداد من قبل الممالك الاسبانية.
واشار المحاضر الى النموذج الحضاري المزدهر في الاندلس في جانب منه خلاصة تمازج وتجاوب وترابط ومصاهرة مع سكان المغرب عربا وامازيغا، شمل التمازج سائر مكونات المجتمع الاندلسي، ولذلك لاغرابة ان يلوذ سكان الاندلس من المسلمين واليهود، بعد سقوطها وانتصار النصارى في حرب الاسترداد الى المغرب.
وطرح الامين العام لمؤسسة منتدى اصيلة محمد بن عيسى في نهاية محاضرته تساؤلا فحواه: "لماذا يتهرب المؤرخون اليهود باستثناء فئة قليلة منهم من الاقرار بحقيقة وجود حلف تلقائي بين المسلمين واليهود في الاندلس جرى تفعيله اثناء الظروف الحرجة التي واجهها الطرفان؟".
فبفضل ذلك التضامن امكن لليهود المتحدثين باللسان العربي طوعا النازحين مثل المسلمين الى المغرب استئناف حياتهم بسهولة في موطنهم الجديد في امان واطمئنان.
وقال محمد بن عيسى فيما يشبه الاجابة على سؤاله: لو مكثوا في الاندلس بعد انتصار الاسبان في حرب الاسترداد لاضطربت احوالهم وساء مصيرهم.
ان حفظ جزء كبير من التراث العبراني يعود الفضل فيه الى الاندلس والمغرب انها حقيقة تاريخية يصعب انكارها.
وفي تأمله المستقبل قال: ان الاندلس ظلت خلال مجدها جسرا بين الشرق والغرب على الصعيد التجاري والثقافي وحتى العسكري وحري بالاطراف المعنية ان تعود الى ذلك لتكون مجددا نقطة الالتقاء الحضاري والفكري والانساني.
وأشار في نهاية المحاضرة بانه لم يكن الذي قدمه عرضا تاريخيا شافيا، ولكن الذي اود قوله في النهاية ان ما حدث قد حدث وعلينا ان نتجاوز اّثاره نحو واقع اكثر اسعادا للبشريه.
وأغنت الاراء المختلفة التي ناقشت ما ورد في اراء المحاضر وعرضه ألاجواء فثمة من تناول مفهوم غزو الاندلس او فتحها، وفي رؤية معمارية ناقش احد الحاضرين ارث العمارة الاندلسية، فيما ركز مناقش آخر على الاجواء السياسية التي سادت آنذاك ولماذا خسر العرب الاندلس. وتناولت أحدى الحاضرات الاهمال الذي يكتنف المعالم المعمارية في المغرب والاكتفاء بتجميل ما يكسب السياح الاجانب.
وتناولت السيدة ابتسام أوجي الأمين العام لاتحاد المدارس العربية في لندن الاهتمام في المشرق العربي الواضح بالحضارة الاندلسية، وكيف تخصص المناهج الدراسية في العراق مثلا فصولا مطولة لهذه الحضارة وتحليل أرثها المعماري والثقافي وتسلسلها السياسي.