'البس المباشر' في الإعلام المصري

بقلم: ميسلون هادي
أوضاع غريبة

عندما جرت في السنوات الأخيرة تجربة دبلجة الرسوم المتحركة للأطفال إلى اللغة العربية الفصحى، لم تحل هذه التجربة دون إقبال الطفل على هذه الأفلام الشيّقة والأثيرة إلى نفسه، بل ربما العكس هو الذي حدث، فقد عملت على تشذيب الكثير من المفردات المحلية التي يستعملها وتقريب اللغة العربية الفصحى إليه وجعلها مألوفة وغير مستغربة صوتياً في حياته اليومية.
والتجربة نفسها عندما طُبّقت على بعض المسلسلات الأجنبية الاجتماعية لاقت النجاح نفسه، ولم تقف اللغة حاجزاً بين هذه المسلسلات المدبلجة وانتشارها بين المشاهدين من مختلف الأعمار والفئات.
هذا الأمر يجعلنا نتساءل، عندما نتأمل الظاهرة: لماذا، إذن، تحلّ العربية الفصحى ضيفة ثقيلة الظل على المشاهدين لدى استعمالها في المسلسلات الاجتماعية العربية التي تُعرض أحيانا على القنوات العربية؟ هل العيب في عدم صلاحية الفصحى فعلاً لمثل هذه المسلسلات المحلية، أم العيب في عدم تكييفها وتقديمها بالشكل الشيق المطلوب لمثلها النوع من البرامج؟
مناسبة هذا الكلام أننا في الحديث الذي كثر في الآونة الأخيرة عن هويتنا وخصوصيتنا الحضارية بمواجهة العولمة والغزو الثقافي الفضائي وما إلى ذلك، يجب علينا الالتفات أولاً إلى أهم عنصر من عناصر الهوية القومية والوحدة العربية، نعني اللغة العربية.
في هذا الصدد تقوم الفضائيات التلفزيونية، التي تدخل البيوت وتخاطب مختلف الأجيال، بدور خطير في تعزيز هذا الحس القومي وتمتين الانتماء الحضاري للهوية، وجعله موضوع الاستتباب في مواجهة قوة الغزو الفضائي الجديد.
ويحرص الكثير من المذيعين باعتبارهم واجهة هذه القنوات الفضائية على أن يكونوا القدوة التي يُحتذى بها في مجال إضاءة المزايا الجمالية للغة العربية وتحبيبها إلى نفوس المشاهدين، سواء بخامة الصوت أم بسلامة النطق أم بإعطاء مخارج الحروف والوصل والقطع والوقف كامل حقها المطلوب. إلا أن مما يلاحظ على الأشقاء المصريين، في هذا الصدد، تمسّكهم بتلفظ الحروف العربية الفصحى بأصواتها المحلية التي اعتادوا عليها في حياتهم اليومية، الأمر الذي يشوّه هذه الحروف ويقلبها إلى حروف أخرى بعيدة كل البعد عن الحروف الأصلية ومختلفة عنها نطقاً. فإذا أراد واحدهم مثلاً أن يقول "أعوذ بالله" فإنه يقولها "أعوز بالله"، وإذا أراد أن يقول "البث المباشر"، يقولها "البس المباشر"، وإذا أراد أن يقول "القفص الذهبي" يقولها "الأفص الزهبي"، وإذا أراد أن يقول "هذا الذي" يقولها "هزا الزي".. وهكذا مع الكثير من الألفاظ والعبارات.
لا أدري كيف يجيز المذيع لنفسه أن يقلب الحروف بهذا الشكل المريع، وهو الذي يجب أن تنطبق عليه الشروط نفسها التي يحترمها قراء القرآن المصريون عندما يلفظون هذه الحروف صحيحة عند ترتيلهم القرآن الكريم، بالرغم من اعتياد ألسنتهم على لفظها بالشكل الخاطئ في حياتهم اليومية؟
وفي العديد من البلدان العربية تدرج اللهجات العامية على قلب بعض الحروف إلى حروف أخرى بحكم التقارب الشديد في مخارج نطقها، أو لأنها وريثة لهجات عربية قديمة، فيقلب الخليجيون مثلاً الجيم ياءً، ويقلب أهل العراق واليمن القاف جيماً أعجمية، ومع ذلك لا يظهر من هذا الذي يتلفظونه في بيوتهم أو في حياتهم اليومية غالباً شيء فيما يقوله المذيع أو قارىء الاخبار. وما لمثل هذا، لو حدث، ليكون مقبولاً أو معقولاً حتى بالنسبة للأشقاء المغاربة الذين أثرت فيهم اللغة الفرنسية وثقافتها أيما تأثير ولكنها لم تُشوَّه فصاحتهم بل زادتهم تمسّكاً بها وجعلتهم من أحرص الحريصين على النطق السليم للغة العربية. فما بال الأشقاء العرب من أبناء مصر العربية لا يعيرون هذه المسألة الانتباه الكافي وهم الذين يقيمون في عاصمة الأدب والصحافة والفن وقلب الثقافة العربية.
إن مصر التي ودعت عملاقها نجيب محفوظ بجنازة متواضعة أوائل الخريف منذ ثلاثة أعوام، يبدو أنها تودع لغتها العربية الفصيحة أيضا، ولكن بجنازة تشبع فيها لطما، عبر فضائيات معتمدة وذات شعبية وانتشار واسع بين أوساط الاجيال الجديدة من الشباب والشابات، بله الأطفال.
فمع شديد الأسف والاستغراب بدأنا نرى المذيعات من البنات وهن يتحدثن بسرعة شديدة، ويستعملن المفردات العامية والأعجمية والأجنبية عند التحدث إلى المشاهدين أو إلى ضيوفهم الذين لا يقلون عنهن في الرطانة واللحن فنرى ألسنتهم المعوجة تتبارى في استعمال المفردات الإنكليزية والفرنسية، وهو مما يفسره علم الاجتماع بأنه احتقار للهوية يستشري بين الشعوب التي تهزم أو تنكسر فتصاب بالإحباط الجماعي أو عدم الانبهار بنفسها أو هويتها.
أما بعض المذيعين الشباب فإنه يتدلع كما تتدلع الحسناوات الفاتنات، في ملفظه وملبسه ومجلسه، شأنه في ذلك شأن بعض المطربين الشباب من أصحاب الصوت والفم المائع، والذين بدأوا يشكلون علامة فارقة من علامات الغناء الشبابي الجديد في مصر.
إننا في العراق أيضا شهدنا ظاهرة نشاز في الغناء أملتها ظروف الفوضى والدمار التي حدثت قبل الاحتلال الأميركي للعراق وبعده، وقد قاد هذه الظاهرة مجموعة من (الغجر) الذين يرفضهم المجتمع العراقي ولا يضعهم إلا في مستوى مطربي الأعراس الذين يوجدون في كل زمان ومكان، أي أن فناني هذه الظاهرة لم يتحولوا إلى أيقونات يعتد بهم أحد كما هي ظاهرة مطربي الدلع المصري الذين تحول البعض منهم إلى أساطير.
خاتمة الأحزان أن بلدانا ليس لها تاريخ مصر ولا عظمة مصر أصبحت تشيد لنفسها الثقافة والتاريخ، وأن العربي الذي يكتب في نقد مصر حبا بها، يعني أنه يكتب نقدا ذاتيا في مراجعة نفسه وما حوله من أوضاع اجتماعية غريبة بدأت تسود عالمنا العربي وتمتد ذبذباتها من قلب العروبة النابض مصر إلى باقي أرجاء الجسد مستعيرين ما قاله ألفريد فرج ذات يوم: إذا عطس المسرح في مصر أصيب المسرح العربي بالزكام. ومعذرة لمصر وللغة العربية. ميسلون هادي ـ العراق