صورة قاتمة للتعليم في الوطن العربي

تعليم وسط الحرب والمستقبل الغامض

لندن- رسم تقرير دولي صورة قاتمة للمعرفة في الوطن العربي.
وكشف التقرير الصادر عن برنامج الأمم المتحدةالإنمائي بالتعاون مع مؤسسة محمد بن راشد ال مكتوم عن أن التعليم في كثير من الدول العربية يعيش حالة صعبة، وسيفضي إلى تداعيات سلبية على صعيد المستقبل العلمي والتقني للأجيال العربية اللاحقة، خصوصاً إذا لم تقم تلك الدول بتبني استراتيجيات تعليمية جديدة، وبالاستثمار الكافي اللازم في تعليم سكانها الذي يتزايد عددهم باطراد ملحوظ.
وأكد التقرير على أهمية العلاقة بين التعليم والنمو الاقتصادي من حيث التركيز على الـتأهيل المعرفي العلمي والتقني، ويظهر من جهة أخرى طبيعة العلاقة الضعيفة جداً بين التعليم والاقتصاد في عالمنا العربي.
وطبقا للبيانات الواردة في التقرير فقد أنفقت سلطنة عمان على التعليم ما يساوي 3.6 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي في الفترة من 2002 إلى 2005م. وبلغ إنفاق السعودية على التعليم في نفس الفترة 6.8 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي.
وقال التقرير بأن الأمية تشكل عقبة رئيسية في العالم العربي حيث يوجد نحو ثلث عدد البالغين "أي حوالي 60 مليوناً" لا يستطيعون القراءة والكتابة، وثلثا هؤلاء هم من النساء.
ويوجد نحو تسعة ملايين طفل في سن التعليم الابتدائي لا يلتحقون بالمدرسة، كما أن زهاء 45 في المائة من السكان لا يلتحقون بالمدارس الثانوية.
وتؤشر هذه الارقام على الحالة المأساوية التي يعيشها التعليم، ويدفع نحو مزيد من الفقر في المجتمع، ومزيد من عدم المساواة ومزيد من عدم الاستقرار.
ويرسم التقرير صورة قاتمة عن الوضع المعرفي في الدول العربية قاطبة، وذلك حين يكشف عن وجود حالة مستشرية من الأمية المعرفية والرقمية في عالمنا العربي، حيث لا يزال حوالي ثلث السكان الكبار عاجزين عن القراءة والكتابة.
وأما على الصعيد الاقتصادي، فيبين التقرير أن هناك بعض التحسن الطفيف الذي يمكن رصده على مستوى المنطقة العربية ككل، يتجسد في تطور مناخات العمل الاقتصادية في بعض البلدان، كما تشير الدلائل إلى أن دول الخليج العربي حققت أعلى معدل نسبي للحرية الاقتصادية بين الدول العربية، وذلك بفضل سياسة الانفتاح الاقتصادي، وجذب الاستثمارات الخارجية، وتحديث البنية التحتية، وهيكلة الإدارة.
ويظهر التقرير أن سبع دول عربية فقط (دول مجلس التعاون الخليجي وليبيا)، والتي تشكل 15% من عدد سكان المنطقة العربية، تقع في فئة الدول ذات التنمية البشرية العالية. ففي حين حققت دول الخليج العربي أعلى نسب في مجال بلوغ الأهداف التنموية للألفية، ما زالت بعض الدول العربية الأخرى عاجزة عن بلوغ تلك الأهداف بحلول عام 2015، وهو العام الذي تم تحديده لبلوغ الأهداف كما نص الإعلان الدولي لها.
وتمتد قائمة الدول العربية التي لا يرجح أن تتحقق فيها الأهداف التنموية للألفية لتشمل تلك التي ما زالت تنتمي لقائمة الدول الأقل نمواً "جزر القمر، جيبوتي، موريتانيا، السودان، واليمن"، بالإضافة إلى الدول التي تعاني من الصراع والنزاعات الداخلية والاحتلال كالعراق وفلسطين والصومال.
ويعتبر التقرير أن حوالي نصف المجتمعات العربية لم تتمكن من تحقيق معدلات التحاق بالتعليم مرضية عند جيل الأطفال الحاليين، خاصة مع وجود نحو تسعة ملايين طفل في الدول العربية خارج المدارس.
ويوضح التقرير أن نسباً كبيرة من جيل الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين 15 إلى 25 عاماً، تتجاوز 40% في سبعة بلدان عربية، لم يتجاوزوا عتبة التعليم الأساسي.
ويوضح التقرير أن الأنظمة التعليمية في أغلب الدول العربية تخلفت، بشكل عام، عن توطين رأس مال بشري معرفي متماسك متجانس ويتمتع بكفاءات عالية، لتكوين مجتمع معرفة أو للمشاركة بكفاءة في اقتصاد المعرفة.
وذكر التقرير أن نصيب المواطن العربي من إصدارات الكتب يمثل 4%، و5% من نصيب المواطن الإنكليزي والإسباني على التوالي، ويترافق العزوف عن القراءة مع ارتفاع معدل الأمية، وهبوط القوة الشرائية للمواطن، وضحالة النظم التربوية، وغياب خطط التنمية الثقافية.
وينوه التقرير الى ما حققته المرأة العربية من نجاحات ومكاسب مهمة داخل المشهد الاجتماعي العربي مقارنة مع أوضاعها في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، إلا أن هذه المكتسبات لا تكافئ دورها الفعلي والمطلوب، ولا تخفي صور الخلل القائمة في المجالات المرتبطة بمجتمع المعرفة والتي تتمثل، في المقام الأول، في نسبة الأمية العالية وسط الفتيات والنساء، إضافة إلى النسب المنخفضة لالتحاق المرأة بمراحل التعليم المختلفة، وبخاصة التعليم العالي، مقارنة مع حضور الرجال في مراحل التعليم المختلفة.
ويخلص التقرير إلى ضرورة الاهتمام بتوظيف المخزون المعرفي العربي والتواصل الإيجابي المنتج مع المخزون العالمي، كما يناقش الملامح العامة والمكونات الرئيسية لمجتمع واقتصاد المعرفة، علاوةً على رصد وتحليل تطور أوضاعها في المنطقة العربية في السنوات الأخيرة، محاولاً التعرف إلى مدى الفجوة المعرفية والرقمية المعلوماتية التي تفصل المنطقة عن العالم المتقدم وبعض الدول النامية التي أحرزت تقدما في مجال إنتاج وتوظيف المعرفة تنموياً.
ويحاول التقرير تجاوزَ تشخيص العلل، ليقدم رؤية وخطة عمل مقترحة لتأطير الجهد المستقبلي المتوجه لإقامة مجتمع المعرفة في المنطقة العربية.
واشتملت هذه "الرؤية- الخطة" على بعض العناصر الأولية والآليات المطلوبة لولوج عتبات المعرفة، وللانخراط في مجتمعها، لا بل والمشاركة الفاعلة في عمليات إنتاجها.
وفي الوقت الذي يتحدث فيه " تقرير المعرفة العربي لعام 2009 " عن جوانب الخلل المعرفي في العالم العربي بشكل عام .. فإن هناك نماذج إيجابية تسير على الطريق الصحيح وتدرك أن التعليم والمعرفة هما مفتاحا التقدم والتنمية في مقدمة هذه النماذج نموذج دولة الإمارات التي تعطي التعليم أهمية كبيرة وتحرص على أن يكون متوافقا مع متطلبات العصر وتسعى إلى توطين التكنولوجيا وإقامة اقتصاد المعرفة وتمكين المرأة وهذا هو أحد أهم جوانب تميزها التنموي على الساحة العربية .
وذكرت نشرة تصدر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تعليقا على التقرير الدولي "أن هذه الأرقام تكشف عن العديد من الأمور الخطرة أولها أنه على الرغم من الجهود التي تبذل على مستويات مختلفة لمواجهة مشكلة الأمية العربية إذ إنها انخفضت بين الكبار حتى وصلت إلى 28 في المائة ووفقا لما أشار إليه التقرير فإنها ما زالت مشكلة كبيرة تواجه العالم العربي وتزداد الخطورة حينما تكون بين الشباب الذين يمثلون قوة التقدم الحقيقية".
ونبهت النشرة إلى أنه في الوقت الذي تتحدث فيه دول العالم المتقدم عن الأمية الإلكترونية وضرورة العمل على مواجهتها فإن العالم العربي ما زال يواجه مشكلة الأمية الأبجدية وهذا يكشف عن فجوة معرفية تحتاج إلى جهد كبير للتغلب عليها مشيرة إلى أن الأمر الثاني هو أنه على الرغم من التدابير المختلفة التي اتخذت على طريق تمكين المرأة العربية وزيادة مساهمتها في عملية التنمية الشاملة في المجتمعات التي توجد فيها فإن الطريق لتحقيق هذا الهدف ما زال طويلا وهذا ما يتضح من حقيقة أن النسبة الكبرى للأمية توجد بين النساء بما ينطوي عليه ذلك من إهدار لجانب مهم وحيوي من الثروة البشرية العربية التي يمكن أن يكون لها دورها المحوري والأساسي في العملية التنموية.
ورأت أن الأمر الثالث هو قصور العملية التعليمية في العالم العربي وعدم قدرتها على الوفاء بمتطلبات التنمية الحقيقية وقد أشار تقرير المعرفة العربي لعام 2009 إلى ذلك بشكل واضح من خلال تأكيده أن التعليم خاصة الجامعي والتقني والمهني في العالم العربي لا يتوافق مع متطلبات الانتقال إلى اقتصاد المعرفة الذي يعتمد على التقنيات الحديثة وثورة الاتصالات والعلوم التخصصية.
وأبرزت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية على موقعها الإلكترونى تقرير المعرفة العربى لعام 2009 عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائى بالتعاون مع مؤسسة مكتوم محمد بن راشد آل مكتوم، والذى تضمن مجموعة واسعة من الإحصاءات المتعلقة بإنتاج وخلق المعرفة فى المجتمعات العربية، مؤكدة تفوق إسرائيل فى مجال المعرفة على العالم العربى.
ونقلت الصحيفة تعقيب الدكتور يورام ميتال رئيس مركز حاييم هيرتزوج لدراسات الشرق الأوسط والدبلوماسية فى جامعة بن جوريون فى بئر السبع على التقرير، قائلا: "الدول العربية تنظر إلى الداخل فى حد ذاتها ولكنها لا تفكر فى الطريقة التى يمكن أن تحسن من المشاكل الداخلية داخل مجتمعاتها، وهذا التقرير هو انعكاس واضح فى هذا الاتجاه".

وأضاف ميتال أن التقرير ركز على حالة التعليم واستخدام تكنولوجيات المعلومات والاتصالات، وأهمية البحث العلمى فى الدول العربية، ولكن فى الوقت نفسه فهناك ثلاثة عوامل ترتبط بالمشاكل التى طال أمدها فى المجتمع العربى من بينها حالة التعليم المتردى فى العالم العربى.
وقال: "على الرغم من أن الدول العربية تنفق حوالى 5% من ناتجها المحلى الإجمالى و 20٪ من ميزانيتها العامة على مدى السنوات الـ 40 الماضية على التعليم، إلا أن أكثر من ثلث السكان البالغين فى الدول العربية (أى حوالى 60 مليون شخص) لا يزالون أميين، ثلثان منهم من النساء، بالإضافة إلى ذلك فإن ما يقرب من 9 ملايين طفل عربى لا يذهبون إلى المدارس أو كثير منهم ينقطعون عن الدراسة بعد المرحلة الابتدائية.
وأضاف ميتال أن نوعية التعليم الجامعى فى الدول العربية هى أيضا مصدر للقلق، لأنها كثيرا ما تفتقر إلى التركيز على العلوم والتقنيات الحديثة المتخصصة، نتيجة لذلك، تفتقر المنطقة إلى كتلة حرجة من المهنيين ذوى المهارات العالية القادرين على الابتكار وتلبية احتياجات السوق.
بل والأكثر إثارة للقلق هو حالة الإبداع المنعدمة فى الدول العربية، حيث إن الاستثمارات فى مجال البحث العلمى والتطوير عادة لا تتجاوز 0.3٪ من ناتجها المحلى الإجمالى و97 ٪ من البحث العلمى فى الدول العربية تعتمد على التمويل الحكومى.