شاعرة عمانية: الثقافة العربية تتجه إلى الهاوية

حوار أجراه: عبدالواحد محمد
لا لرقصات الغجر

في مدارات الشعر العربي الرصين تفجرت بموهبتها الأصيلة مبكرا بفضل توجهات والدها الراحل الذي شجعها علي مواصلة المشوار برحابة صدر لتقرأ مبكرا لنازك الملائكة، نزار قباني، بدر شاكر السياب، فدوي طوقان، مي زيادة، محمود حسن إسماعيل، العقاد، أدونيس، الأخطل الصغير وغير ذلك من رسل إبداعات مثقفينا في العديد من روائع الفنون العربية لتنطلق شاعرة تحمل نداء خاصا لامرأة لا ترتدي التيشرت والكاب بل تنغمس في قضايانا الاجتماعية بعفوية وعلى رأسها عقال معاصر جدا ورمزا لكل مآذننا المبدعة في سماوات معاصرة لكونها تركيبة متكاملة الفكر والرشد فرفضت التهجين وكل النزوات العابثة التي تضعها في (تابو الجسد) الذي مزق كل قصائدنا وحولها إلي كباريه ليلي في لعبة عولمية ماكرة.
منحتني شاعرة سلطنة عمان أصيلة السهيلي في حواري معها خلودا معنويا، بموهبتها التي شكلت ملمحا عربيا هاما وسط كل الاستعارات الزائفة في برامجها كمعدة ومقدمة برامج وشاعرة في كرنفالات الثقافة بإذاعة سلطنة عمان، ومنها ترانيم، إيقاعات شعبية، صباح سعيد، مرافئ، أربع دورات، إيقاعات عمانية، خيمة الشباب الرمضانية، ليالي العيد، وفوق ذلك تغطيتها لمهرجان مسقط السنوي لتؤكد عروبتها بمصداقية وشفافية وسط أوهام الآيس كريم ورقصات الغجر الذين توهموا أنهم الشعر والشهرة والخلود؟
كما كان لشاعرتنا الشابة نصيب من المشاركات المثمرة في مهرجان الشعر العماني الأول بنزوي عام 1998 والثاني بصحار عام 2000 والملتقى الأدبي الخامس عام 1999 للتواصل مع الشعر كمحكمة في لجانه عام 2008 فيما عرف بالشعر الشعبي.
ولحضور السهيلي العربي فلسفة خصبة في قلبه النابض بالحياة والبحث عن حلم ربما يكتمل بالوحدة الحدودية ذات يوم فصنعتها دولة الشعر بمشاركاتها الفاعلة في الأسبوع الثقافي العماني بالرياض عام 2006 وكرنفال قطر تضامنا مع الشعب اللبناني عام 2006 ومهرجان الدوحة عام 2007 لتؤكد دوما بأن القضية العربية نبراس لعشاق الفن الأصيل الذي لا يتجزأ من حاضر ومستقبل أمة عريقة.
معنا ومعكم الشاعرة الشابة أصيلة السهيلي مدير تحرير مجلة أنهار الكويتية وأحد الذين صنعوا مناخا جديدا في قلب صحافتنا الإلكترونية بمفهوم قائم على التواصل بين كل المبدعين من المحيط إلى الخليج، كما نشرت العديد من أعمالها في سائر صحفنا ومجلاتنا العربية نموذجا نفخر به في عالمنا الشعري الأصيل والذي نأمل أن يولد من رحمه مبدعات بلا حدود.
* ما هي بدايتك الشعرية والحافز لهذا اللون من الإبداع؟
ـ بدايتي الشعرية كانت مبكرة والحافز الحقيقي لها هو دعم الوالد المتواصل وتشجيعه المستمر لي فقد كان هو الأب الروحي والموجه المعنوي لدخولي عالم الشعر والإعلام، وكنت استمد ذائقتي الشعرية من خلاله، ولا أنكر دور فطرتي الشعرية التي ولدت معي وهذا فتح لي الباب علي مصراعيه للنهل من ثقافات عديدة منحتني القدرة علي رؤية ما هو قادم بعقلية ناضجة، لذا جاءت البداية بوعي ودأب حقيقي لرحلة آمل لنفسي فيها دور يعيد للشعر العربي الأصيل رسالته وقدسيته في التواصل مع كل الأجيال العولمية.
* هل شعر المرأة يختلف عن شعر الرجل في الشكل والمضمون؟
ـ لا أعتقد أن هناك ما يسمى بشعر المرأة وشعر الرجل، فالشعر عباره عن خوالج في النفس تصيغها الذائقة الشعرية بقالب لغوي، فهناك مشاعر رجولية تحملها شخوص أنثوية والعكس صحيح، وبالتالي لا يوجد شعر رجل وشعر امرأة. * ما هي العوامل الحقيقية التي تؤكد استمرارية شاعرة؟
ـ أعتقد أن الأدق القول استمرارية الشاعر لأنني أؤكد على ما ورد في إجابتي السابقة على عدم وجود شعر امرأة وشعر رجل، نعود لاستمرارية الشاعر التي اعتقد أنها مرتبطة بمحاكاة التغيرات الأدبية المحيطة بنا وإبداع نتاج أدبي يتناسب مع كل زمان ومكان وظروفه. * لماذا نرى اليوم هجوما حادا عليه القصيدة النثرية والمحاولات التي تبذل لعودة القصيدة العمودية؟
ـ قد اختلف معك في هذا السؤال حيث أنني أرى إقبالاً على الشعر الحر وعزوفاً عن الشعر العمودي الكلاسيكي والدليل على ذلك ظهور مجموعة من المدارس الشعرية الحرة كالمدرسة الرمزية والواقعية والسريالية والحداثية، والآن نرى ما بعد الحداثية تلوح بالأفق، ولكن هذا لا يمنع من وجود بعض المناصرين للشعر العمودي والذين يرون أن الشعر قالبا لا يجوز كسره. * شعراء مدرسة الشعر الحر صلاح عبدالصبور، الفيتو ري، وغيرهما، ومحاولة الخروج على القوالب التقليدية في تلك الفترة بعد حركات التحرر في الوطن العربي، هل هي فترة جديرة بالحكم بعد عقود طويلة وهل هي المتسبب في ضعف اللغة العربية في مدارسنا مجتمعنا؟
ـ هنا يجب فصل الهيكل الشعري عن المحتوى اللفظي، وهنا أعني أن صلاح عبد الصبور والفيتوري ومن سبقهما من الشعراء التجديديين أقتصر تطويرهم للهيكل الشعري ولم يتعرضوا للغة الشعرية فهم لم يستخدموا لغة جديدة أو غريبة، أما كونها جديرة بالحكم فاعتقد أن استمرارها وتسيدها في الشارع الأدبي خير دليل على جدارتها وخاصة أنها أتت كنتيجة لتغيرات أدبية رافقت التغيرات السياسية آنذاك. * شعراء جيلك من هم؟ ـ أنا بدأت في بداية التسعينيات وهي الانطلاقة الحقيقية لي، وهناك الكثير من الشعراء المبدعين بدأوا في هذه الفترة وقبلها سواء في عمان أو الوطن العربي، فعلى سبيل المثال في عمان الشاعرة هجير والشاعر احمد مسلط وأحمد السعدي وخميس المقيمي، وفي الخليج هناك سعد علوش وسعد الحريص والشاعرة ريميه والراسية وغيرهم صعب حصر المبدعين حقيقة. * من منهم يستطيع مواصلة الدرب؟ ـ يستطيع المواصلة المبدع والذي يحمل الفكر والإبداع الحقيقي ومن ذكرتهم ما زالوا يتنفسون الشعر برئة الحرف المسكوب والممطر. * مجلة "جسد" للشاعرة جومانة حداد ما رؤيتك لهذه التجربة التي تلقي قبولا ورفضا من البعض؟ ـ حسب ما قرأت وتابعت بأن مجلة "جسد" هي أول صحيفة في العالم العربي تخوض في قضايا الجنس ومسائل الجسد الحساسة، دون خطوط حمراء! وفي الحقيقة نحن كشعب خليجي وعربي محافظ ونتقيد بالأوامر الشرعية والدينية فأتصور بأن مثل هذه المجلة لا تتناسب إطلاقا في مجتمعنا المحافظ، وأن كان هناك من رؤية للكاتبة والشاعرة جومانه والتي تحاول أن تتميز في الطرح لمثل هذه الموضوعات، فباستطاعتها أن تدونها في كتب ومجلدات يتم دراستها بشكل موضوعي حتى إن لا يمنع أن تصل للمنابر التعليمية كالجامعات وغيرها وإنما تكون بمتناول اليد لكل أفراد المجتمع وبهذه البساطة، أتصور فيه من الخطورة واللامبالاة لجيل الشباب الذي قد يتناول القراءة والإطلاع من باب آخر سلبي عكس ما تراه صاحبة الفكرة وايجابية الطرح لها. * هل نحن في حاجة لكي تحرر المرأة من قهر الجسد؟ ـ لا .. طبعا لسنا بحاجة لذلك، ولسنا بحاجة لزيادة منابر الفساد. يكفينا ما نراه على قنوات الواقع والفضائيات الإباحيه التي لجأ إليها الكثير من تجار الجسد، بهدف التسويق وإثارة الفتنة، وابتعدوا عن قضايا الأمة وجروح الضعفاء! * الثقافة العربية إلي أين؟ ـ الثقافة العربية.. إذا نظرنا بعين الإيجابية سنجد أنها تنمو وتتطور باحتكاكها مع الثقافات الأخرى فهي تتأثر وتؤثر، وعلى سبيل المثال نجد أن أغلب التطورات والمدارس التي نشأت في الآداب الأخرى كالرومانسية والواقعية انتقلت إلى الثقافة العربية لتتكون مدارس شبيهة بها، أما إذا نظرنا بالعين السلبية سنجد أن الثقافة العربية تتجه إلى الهاوية والدليل على ذلك أن الفرد بالمجتمع الألماني يقرأ أحد عشر كتابا في السنة والفرد بالمجتمع الأميركي يقرأ تسعة كتب بالسنة، أما المجتمع العربي فإن الفرد يقرأ مع الأسف نصف صفحة بالسنة، فبعد أن كانت الثقافة جزءاً لا يتجزأ من الإنسان العربي أصبحت نوعاً من الممارسة الكمالية والتراثية فقط. * المدونات والمجلات الرقمية.. ماذا حققت لجيل شاب في ظل هلامية النشر وتعنت المؤسسات الرسمية في أداء رسالتها أمام حماس الشباب؟ ـ لا أحد يستطيع أن ينكر دور الثورة المعلوماتية في خلق المنبر الحر للشباب العربي لطرح إبداعاتهم الأدبية بعيدا عن الاحتكارات والقيود الرقابية التي يفرضها المجتمع والجهات الرسمية، فالمدونات والمجلات الرقمية هيأت جواً مناسبا يلبي وينمي طموح الشباب العربي. * سؤال مفتوح؟ ـ لا شي يذكر. فقط أشكركم جزيل الشكر على هذا اللقاء. وألف تحية، وبقي لنا كلمة وهي رفض ثقافة الجسد (التابو) الجديد الذي ينخر في جوهر ثقافتنا العربية الأصيلة لإعادتها إلى عصور الجهل والظلام، لأن العقل يحتاج إلى مقومات تدفعه للابتكار فليست الرغبات هي الجسر لبناء أدني طوبة، وهذه هي قضية الشرق التي طالت بتقليده الأعمى لكل الظواهر المرفوضة في الغرب الذي يصدرها لنا بعقلية منا للأسف الشديد حتى لا تتحقق نبوءة وتصبح كل قصائدنا هراء، ومعها تنمو علل الثقافة المرفوضة، وكأنها نجاة الشرق من عجزه على التواصل مع من أحب وتعلق بالوهم عقودا وعقودا، فلا يجني سوى خيبة الأمل، وتكتب قصيدة بلون باهت، وامرأة تنجب أطفالا بلا شهادة ميلاد لكننا لن نفقد الأمل في جيل يدرك حماقات مؤذن لم يقرأ المتنبي والجاحظ والتاريخ.
عبدالواحد محمد ـ القاهرة abdelwahedmohaned@yahoo.com