العراق: أنقذوا من بقي حياً من ضحايا 'المنضب'

بقلم: د. كاظم المقدادي
أمراض قاتلة تهبط من الطائرات الحربية

منذ نحو عقدين من الزمن، والعشرات من الباحثين البيئيين يحذرون ويلفتون انتباه المسؤولين والمعنيين في العراق إلى قضية خطيرة تعاني منها البيئة العراقية وتنطوي على تداعيات خطيرة، ألا وهي تلوثها بالمخلفات الحربية المشعة.
كذلك جرى التنبيه إلى العلاقة بين انتشارالأمراض السرطانية والولادات المشوهة والاجهاض المتكرر والعقم وغيرها والتلوث الإشعاعي الناتج من استخدام ذخيرة اليورانيوم المنضب خلال الحروب التي جرت في العراق.

لقد أثبتت الأبحاث والدراسات الميدانية العلمية بأن الإشعاعات المنبعثة من إنفجار ذخائر اليورانيوم المنضب، ومن مخلفات الحروب التي استخدمت تلك القذائف، تتسبب بمشاكل صحية خطيرة على المواطنين المدنيين، وخاصة الذين يعيشون في المناطق المجاورة لهذه المخلفات، وعلى البيئة، بما فيها من حيوانات ومزروعات ومياه جوفية وسلة غذائية.
وبشأن المناطق الملوثة، فقد نبهت الوكالات الدولية المعنية الى وجود الآلاف منها في أرجاء العراق. وقد حدد مركز الوقاية من الإشعاع التابع لوزارة البيئة العراقية 317 موقعاً ملوثاً بالإشعاعات، وكلها قريبة من مناطق مأهولة بالسكان.

لكن الحكومة العراقية لم تتخذ الى اليوم، متذرعة بحجج مختلفة، إجراءات جدية لتنظيف وعزل سوى 10 % فقط من المناطق الملوثة، وفقاً لاَخر تصريح لوزيرة البيئة العراقية.

وكان من نتائج هذا الإهمال إصابة مئات الآلاف من العراقيين وخصوصآ من سكان هذه المناطق بأمراض سرطانية فتاكة، وقد مات منهم، خلال السنوات المنصرمة، عشرات الآلاف، وفي مقدمة الضحايا براعم حاضر ومستقبل شعبنا- أطفالنا. إضافة إلى تكاثر الولادات المشوهة والاجهاضات المتكررة والعقم الذي أصاب حتى من أنجبوا قبل الحرب وعلل مرضية أخرى غريبة وغير قابلة للعلاج ستتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل.

حيال هذا، وبدافع الواجب الوطني والمهني والإنساني والحرص على حاضر ومستقبل الشعب العراقي، بادر لفيف من الأكاديميين والخبراء والباحثين وأطباء إختصاصيين ومهندسين وناشطين بيئيين وإتحادات وجمعيات ومنظمات مجتمع مدني وغيرهم، الى إطلاق حملة في أيار/مايو 2009، تهدف إلى الضغط من أجل تنظيف العراق من مخلفات الحرب، وإنقاذ من بقي حياً من الضحايا، متوخية تذَكير المجتمع الدولي- ممثلاً بالأمم المتحدة والإدارة الأميركية الجديدة وحكومات الإتحاد الأوربي وجامعة الدول العربية ودول المنطقة، وخاصة دول الخليج العربية، بالكارثة البيئية والصحية التي خلفتها الحروب على العراق، ولاسيما التلوث الإشعاعي الناجم عن إستخدام ذخائر اليورانيوم في حربي الخليج الثانية (1991) والثالثة (2003)، والتي تؤكد التقارير العلمية أن أضرارها قد طالت أرجاء العراق، وتعدته الى منطقة الخليج برمتها، ووصلت الى دول أبعد ايضا.
كما تطالب الحملة المجتمع الدولي والمنظمات والمؤسسات الدولية وحكومات العالم بالإيفاء بالتزاماتها تجاه العراق وتقديم المساعدة المادية اللازمة والعاجلة لتنفيذ مهمة تنظيف البيئة ومعالجة الضحايا.
وقام نشطاء الحملة، وبالاعتماد أولاً وأخيراً على إمكاناتهم المتواضعة ومن دون أي دعم مادي من أي جهة أو مؤسسة، بما يلي:
1. إعداد تقرير واف عن التلوث الإشعاعي ومصادره وضحاياه في العراق وأوصلته للمعنيي،.
2. رفع مذكرة إلى الأمم المتحدة وحكومات العالم، بلغ عدد الموقعين عليها أكثر من 5200 شخص من عراقيين وعرب وأجانب، من بينهم علماء وخبراء وباحثون في مختلف الاختصاصات وشخصيات علمية وثقافية وفنية وتربوية وإعلامية، إضافة إلى منظمات مجتمع مدني من داخل العراق وخارجه، تطالب المجتمع الدولي بتقديم العون المطلوب لتنظيف البيئة العراقية من ملوثات الحرب وإنقاذ الضحايا، وما زالت ترد الى الحملة التواقيع ورسائل الدعم.
3. أنشاء موقع خاص بالحملة على الانترنت،غني بالدراسات والتقاريروالمعلومات والوثائق والصور الموضحة لطبيعة قذائف اليورانيوم المنضب، والأمراض التي سببها إنفجارها في العراق.
4. فتح رابطين بالعربية والانكليزية للتوقيع لكل من يرغب بالانضمام للحملة ودعمها.

5.التوجه الى الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة والى حكومات وبرلمانات العالم والى منظمات الدفاع عن حقوق الانسان والصليب الأحمر والهلال الأحمر ووسائل الأعلام الأجنبية والعراقية.
6. قام نشطاء الحملة بالتحرك على مكتب عمليات العراق التابع للأمم المتحدة/ فرع عمّان لتعريفه بالحملة وهدفها. وفي هولندا سلم وفد منهم المذكرة والتواقيع الى ممثلي البرلمان الهولندي، وتلقى ممثلو الحملة دعوات للتعريف بالمشكلة وأهداف الحملة في هامبورغ وبرلين بألمانيا، واسكلستونا بالسويد.

ورغم تعرض الحملة إلى تعتيم إعلامي رسمي وموقف سلبي من العديد من المؤسسات الحكومية العراقية إلا أن صحفاً ومواقع انترنت عديدة وفضائيات سارعت إلى احتضان الحملة.
وإنطلاقاً من ذلك، تستمر الحملة بالرغم من كل الصعوبات التي تجابهها، متطلعة إلى المزيد من الدعم والتضامن الجاد- بما في ذلك الانضمام الى نشطاء الحملة، الى جانب دعمها بالأفكار والمبادرات الخلاقة، التي من شأنها المساعدة على تحقيق أهداف الحملة النبيلة والمشروعة- التعجيل بتنظيف العراق من مخلفات الحرب وإنقاذ من بقي حياً من الضحايا.
وكل يوم يمر، يكلف العراق المزيد من الضحايا وتزداد المشكلة تفاقماً ويزداد حلها صعوبة وكلفة.

د. كاظم المقدادي
ستوكهولم