الشعراء يبثون آهات ناطقة

بقلم: د. نضير الخزرجي
سر الفداء

لطالما حرّكت القصائد المشاعر وأبطلت كيد سحرة الجن والإنس، وقرعت أبواب الظالمين وأفسدت عليهم أحلامهم، وإذا كانت القصيدة مدماة، حملت على كفها ضحيتها، تستنفر المشاعر من عقالها والدموع من آماقها، تستشعر الذات ولا تجلده، وتحرك الأقدام ولا تقعدها، ولذلك كانت القصيدة حليفة كل نهضة تحررية، وتتقرقع القوافي حيث تقرع الطبول، والقوافي الحسينية المضمخة بعبق الشهادة هي أبلغ في النهضة وأقدر على استنهاض الأمة، وهذا ما لمسناه في القصائد والمقطوعات والأبيات التي نظمت على مدى أربعة عشر قرنا من تاريخ واقعة كربلاء عام 61 هـ وحتى يومنا الحاضر، وهذا ما وجدناه في الجزئين الأول والثاني من كتاب (ديوان القرن الثاني عشر)، ونجده في الجزء الثالث الذي صدر حديثا (1430هـ/2009) عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 406 صفحات من القطع الوزيري، لمؤلفه الأديب الدكتور محمد صادق الكرباسي، حيث يستوعب القوافي من حرف الميم حتى الياء والتي نظمت في الفترة الزمنية (1689-1786). مثل وعبرة يختمر العنوان كأي عنوان لرسالة أو كتاب أو قصة أو شركة أو معمل، مادة المسمى، فعنوان الكتاب يدل على فحواه، ويستطيع المرء أن يأخذ فكرة عامة عنه من خلال العنوان من غير أن يقرأه، فهناك وبشكل عام ملازمة بين عنوان المسمى ومادته، ومثل هذا يقال للمثل الذي تتداوله أمَّة من الأمم، فهو يمثل مفهوما عاما وعريضا لمسمى أو حالة أو ظاهرة أو شخص، يستطيع المرء من خلال المثل المكثف بكلمات قصار باللهجة الدارجة أو الفصحى أن يستدل على المراد.
وللمثل معانٍ عدة بيد أن معظمها تتحرك في دائرة العبرة والإعتبار وإصابة الهدف، وحسب تقدير النظّام إبراهيم بن سيار البصري المتوفى سنة 231 هـ: (يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام، إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة)، وبتقدير الباحث العراقي المعاصر الدكتور جليل بن إبراهيم العطية: (الأمثال مرآة تعكس خبرات الحياة وعادات الشعوب وقيمها وتقاليدها وهي منجم ثرّ للباحث في دراسة المجتمع أو اللغة أو التقاليد الشعبية لدى الأمم)، وبرأي الكاتب اللبناني المعاصر العراقي المولد حسين بن محمد الطيبي العاملي في مؤلفه "كتاب الحكمة العربية"، أن: (الأمثال جمل قصيرة لها معانٍ كبيرة تشف عن تجارب الناس وعن الأفكار النابعة من حياتهم وعن أحكياتهم خلال مئات السنين، تنميها عقولهم وتصقلها ألسنتهم ليتوارثوها جيلا بعد جيل أوعية للحكمة. والمثل زينة للحديث كما هو دليل دقيق رقيق لمغازيه، وهو أيضا خزين من المعرفة وسجل للعادات والتقاليد، وقد نقرأ فيه حدثا من حوادث التاريخ).
فالمثل في مؤداه العام أبلغ في الوعظ والإرشاد والتدبير والحث على الخير والنهي عن الشر، أي يدخل في باب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) سعيا إلى تكثيف عمل الخير في الفرد أو الأمة وتقليص موارد الشر، من هنا فإن المثل يظهر على لسان شاعر فينتشر في الآفاق مثلا، أو أن الشاعر يأخذ مثلا قائما ويدسه في قصيدته فيذهب المثل والبيت مثلا بين الأمم، وهذا ما نلاحظه في عدد من قصائد ديوان القرن الثاني عشر الهجري، ومن ذلك قول الشاعر البحريني محمد بن أحمد آل عصفور المتوفى سنة 1182هـ في قصيدة بعنوان (اسأل العين القريحة)، من بحر الكامل: أتَرومُ سُلواني سَفِهتَ فَدونَه ** خرطُ القتاد وحَسْوُ صابٍ عَلقَما
إن المصيبةَ بالحسين عظيمةٌ ** منها السّما حُزناً بكته بالدما
وهنا أدرج الشاعر في القصيدة المثل العربي (دون ذلك خرط القتاد)، للدلالة على استحالة الأمر أو صعوبة تحقيقه، فالقتاد هو شجر صلب له شوك صمغي، والخرط هو تجريده من قشرته أو شوكه يدويا.
وتذهب شخصية معروفة مثلا لما اشتهرت فيه، من ذلك الشاعر والخطيب سحبان بن زفر بن إياس الوائلي الباهلي المتوفى عام 54 هـ، فهو خطيب وشاعر يضرب به المثل في البيان، فيقال "أخطب من سحبان" أو "أفصح من سحبان"، من ذلك قول الشاعر الخليجي حسن بن محمد الدمستاني المتوفى سنة 1181هـ، في قصيدة من الطويل من عشرة أبيات بعنوان (تريب المحيّا)، ومطلعها: وَلَمْ أنسَ أختَ السِّبطِ إذْ بَصُرَتْ به ** تريبَ المُحيّا حافصَ القدّمّينِ وهنا يشير الدمستاني إلى الشاعر المخضرم حسان بن ثابت الأنصاري الخزرجي المتوفى عام 54 هـ الذي يضرب به المثل في قوة نظمه وسرعة بداهته، وإلى الشاعر المخضرم سحبان الوائلي في فصاحة خطابته وجزالة شعره على قلته. سيف المنقذ تشكل أيقونة (المنقذ) هاجسا كبيرا في أدبيات المجتمعات البشرية بغض النظر عن الدين والمعتقد، فكل أمة تبحث عن منقذها ومهديها، ويتكثف هذا الشعور كلما حاق بالمجتمع مكروه وضاقت عليه الدوائر بما رحبت، فيتلمس الطريق نحو المنقذ الذي يمخر بسفينته عباب البحر الهائج ليرسو بها على ساحل الأمن، حيث لا حياة بلا أمان كما لا حياة بلا صحة، فهما يشكلان خطي سكة الحديد، فقطار الأمة لا يبلغ مقصده من غير صحة وأمن، نعمتان قد يتناساهما الإنسان في غفلة من الحبور والسرور أو التكبر والغرور.
والشاعر وهو يقف على ناصية الأدب يستحضر آمال الأمة وآلامها، متماهيا مع التاريخ ومعتكزا على الحاضر مستشرفا المستقبل، يتوجع مع وجعها داعيا المنقذ ليشهر سيف العدل حتى ينقذ الأمة مما هي فيه، فهذا الشاعر القطيفي يوسف بن عبد الله أبو ذئب المتوفى عام 1160هـ، يتذكر واقعة الطف، فينشد من الكامل في 56 بيتا بعنوان (ذكر الطفوف)، ومطلعها: ذَكَرَ الطفوفَ ويومَ عشْرِ مُحرَّمِ ** فجرى له دمعٌ سَفوحٌ بالدَّمِ وبعد أن يشير إلى الدماء الزكية التي أريقت على أرض كربلاء، يربط بين حاضر الأمة وماضيها، فيلمس الضعف الذي حلَّ فيها، وحيث لا يجد النصير لها يتوجه نحو المنقذ، إلى المهدي بن الحسن العسكري (ع) الذي قال فيه النبي محمد (ص): (لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلما وعدوانا. ثم يخرج رجل من عترتي أو أهل بيتي يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا) مسند أحمد: 3/36.
ويأتي الشاعر الحويزي أحمد بن مطلب المدني المتوفى عام 1168، متحدثا عن لسان الذين شهدوا مصارع الأحرار في كربلاء، فينشد قصيدته (هي الطفوف) في 41 بيتا من بحر البسيط، ومطلعها: هي الطفوف فطُف سبْعاً بمَغْناها ** فما لبَكَّةَ معنى دون معناها
سر الفداء
لا يخفى أن السيف إشارة إلى القوة، والقوة لها مصاديق عدة، فالمنطق الحق قوة، وإنصاف المظلوم قوة، ونشر الأمن والسلام قوة، وإشاعة ثقافة الحرية قوة، وكل قيمة منسجمة مع فطرة الإنسان يمثل تعميمها في الأرض قوة وسيفا مسلطا على مناهضي الفطرة الإنسانية.
ومن المقطوع به أن انتظار الفرج وانتظار المخلص والمنقذ والمهدي، لا يعفي الأمة من العمل والحركة وتذليل الصعاب لتقريب ذلك اليوم، فالانتظار انتظاران، انتظار سلبي يقعد فيه المرء في صومعته يدعو الله بيد مقطوعة ولسان أخرس ونظرة شوهاء، وانتظار ايجابي يحضّر فيه المرء ليوم نهضته بيد خضراء ولسان ناطق ونظرة ثاقبة، ويدرك المرء في هذا الانتظار الذي قلّ فيه الناصر وضعف فيه الطالب، أن الطريق ليس معبداً بالرياحين، فهناك محطات لابد للمرء لابد من المرور عبرها في طريق تحقيق أماني الأمة، ومن تلك "محطة الموت"، وهو أرقى أنواع الموت حيث نهايته الروح والريحان، وإن كان مُراً، لأن الموت وقوفا حياة للأمة وحياة للقيم المثلى.
لا شك أن الله هيأ للبشر أرضا معمورة حتى يحيون فيها حياتهم الأولى، وإذا ما ماتوا فإنهم يقدمون على حياة أبدية، أي أن الحياة هي الأصل في مسيرة الإنسان عبر عوالمه المختلفة والموت مرحلة وممر، ولذلك كانت حياة الأمة ورقيها وسلامتها في سلّم أوليات المصلحين حتى وإن تطلب ذلك ذهاب النفس، وهو حياة لا موت، ولأنه حياة فإنهم يطيرون إليه، وهذا ما عبّر عنه الشاعر القطيفي حسين بن محمد آل عمران المتوفى عام 1186هـ مجاريا نونية للشاعر يوسف أبو ذيب، من بحر البسيط في 79 بيتا بعنوان (ما أفظع الخطب)، مطلعها: عُجْمَ الطُّلولِ سقاكِ الدَّمْعُ هتّانا ** ما أفظعَ الخطبُ لو أفْصَحْتِ ما كانا فينشد آل عمران من البسيط قصيدة من 63 بيتا بعنوان (حامي الحقيقة) ومطلعها: كم ذا الوقوفُ على الأطلال حَيْرانا ** وكمْ تُنادي بها خِلاّ وجيرانا ثم يصل مقصده، متحدثا عن الرجال الذين شدوا الرحال إلى كربلاء من أجل نصرة الحق والإنتصار للأمة التي سلبت منها إرادتها.
ولأنهم مثل الأسد (العفرنى)، فهم لا يخافون من الموت إن وقعوا عليه أو وقع عليهم، فهم في الحالتين يزرقون في الأمة أمصال البقاء، ومن يسترخص النفس من أجل الأهداف الحقَّة، إنما يهب الحياة لأمته، إذ لا يرى في علقم الموت إلا عسل الحياة، ولا في بوم الفناء إلا قطاة الخلود. طيور حاضرة وكما يستحضر الشاعر الأطلال والكأس والوجه الحسن، يستحضر معه الطيور، فكل طائر له في التراث الشعبي وظيفة أو مؤشر على حالة أو ظاهرة، يتمنى المجتمع تحققها أو يمقتها، فالقطاة وهو طائر يشبه الحمام هو محل خير لأنه يشير إلى الطريق السوي والاهتداء والوصول إلى الهدف وهو يبعث على التفاؤل، وفي النقيض فان طائر البوم يتطير منه الناس وظهوره مؤشر شؤم وكذا الحال مع الغراب، والحمامة دليل السلام، والعُقاب دليل الهجوم والإنقضاض، وهناك طيور أخرى وردت في قصائد الشعراء لها أغراض أخرى كالورقاء والقُمرية والبازي.
وفي هذا ينشد الشاعر العراقي محمد بن عبد الرضا الحائري المتوفى عام 1187هـ في قصيدة من 24 بيتا من بحر الطويل بعنوان (حسينية الأوصاف) ويصل الشاهد: تفنَّنَ في تشبيهها ورثائها ** تفَنُّنَ قُمْريٍّ ينوحُ على فَنَنْ ويصور الشاعر العراقي عبد الرضا بن أحمد المقرئ الكاظمي، الحزن الذي حلّ بالكون لاستشهاد الإمام الحسين (ع) فينشد قصيدة (يا غريبا لست أنساه) من 47 بيتا من بحر مجزوء الرّمل، ويعدد مصادر الحزن، فينشد: قد بكتْ حزناً عليه ** عينُ جبريلِ الأمينِ
والسَّما أبكى دماءً ** عِوَضَ الغَيْثِ الهَتونِ
وعَليه الوُرقُ قدْ نا ** حَتْ بأوراقِ الغُصونِ
ولاحظ المحقق الكرباسي في قصائد القرن الثاني عشر الهجري أنها تنتهي بالصلاة والسلام على محمد (ص) وآله الأطهار (ع) وعلى أبي عبد الله الحسين (ع)، ومعظم النهايات تربط بين السلام وصوت الحمام أو الورق أو القمرية. مسح أدبي وكعادة الباحثين الأكاديميين فإن الأديب الدكتور الكرباسي، ختم في الجزء الثالث والأخير من ديوان القرن الثاني عشر الهجري ما بدأ به في الجزء الأول، حيث تحدث في المقدمة عن عموم الأدب وخصوص الشعر في هذا القرن، وفي الخاتمة أجرى مسحا أدبيا للقصائد وأسلوب الشعراء ومدى تأثرهم بالمبرزين من شعراء الجاهلية والإسلام، وخرج بتصورات أولية ومختصرة، من ذلك:
- بلغت عدد القصائد والمقطوعات نحو 242 نصا لـ (95) شاعرا من العراق والجزيرة العربية والبحرين الكبرى ومصر ودول أخرى، واستقل الجزء الثالث بثلاثين شاعراً.
- تتوزع شخصية الشعراء على أتباع مدرسة أهل البيت وأهل السنة، والغالب عليهم أنهم من أهل العلم والمعرفة من العلماء والأدباء.
- اختفت في أشعار القرن الثاني عشر القصائد الطوال.
- خلت القصائد من قوافي: الثاء، الخاء، الذال، الشين، الصاد، الضاد، الظاء، الغين، والواو، والعلة في ذلك: قلة المفردات التي تنتهي بهذه الحروف، وعدم مرونتها، والشاعر بحاجة إلى جهد اكبر حتى يتمكن من النظم عليها.
- تتلخص المقدمات التي استخدمها الشعراء في وجوه خمسة: المقدمة الطللية، مقدمة الزهد والحكمة، مقدمة المدح والفخر، مقدمة الشكوى والاستعطاف، ومقدمة الرثاء.
- وفي الجانب البلاغي، بانت الخصائص التالية: التشبيه، الاستعارة، والكناية.
- وفي قسم البديع، حفل الديوان بصور عدة منها: الطباق، الجناس، التصريع، المقابلة، التورية والاقتباس من القرآن والحديث والشعر.