أنا أعترض

هذا الاعتراض مستوحى من مسرحية "شاهد ما شافش حاجة" للفنان المبدع عادل إمام عندما صرخ أمام ذهول الجميع قضاة وجمهور في قاعة المحكمة فجأة: "أنا لا أعتقد"، دون أن يعي ما الذي لا يعتقده. ثم ما يلبث أمام النظرات الحادة المتفاجئة من "السادة المستشارين" أن ينكسر ويعود إلى طبيعته المسالمة وغُلبه المستديم بقوله: "ده أنا غلبان". هذه هي حال المواطن المكسور الغلبان في الدول المسماة تجاوزاً بالعربية، في حين أن لها عشرات الألسن التي تتحدث بها بينما لا يمكن سماع سوى هذه العربية التي باتت رديفاً للهزيمة والانكسار والتخلف والقهر.... وحكام إلى الأبد. لذا سأتجرأ، بعد استسماح الفنان عادل إمام، لأقول:

أنا أعترض على هذه المسرحيات الفجَّة المملة والتي تساق إليها الجماهير بحكم غُلبها ذاك كالقدر المحتوم، لتشارك فيها كممثلين أساسيين وهي تدرك مسبقاً نهاية تلك التراجيديا المكررة دائماً بفوز المتنافس الوحيد والقائد الرمز بنسبة 99% من الأصوات. حيث تسمى في وسائل الإعلام الرسمية، انتخابات!

أنا أعترض على الطريقة التي يستجدي بها حاكم عربي أو ربما إفريقي، من الغلابا من شعبه وظيفة رسمية لابنه المدلل الذي لا يتنقل إلا بطائرة خاصة، في وقت يمر به الاقتصاد العالمي بأخطر أزمة منذ عقود!!!. هذه الأزمة التي خلفت وراءها آلاف الشركات المفلسة وملايين العاطلين عن العمل. في ذات الوقت يعتبر ذلك الحاكم نفسه القائد العالمي وعميد الحكام وملك الملوك وزعيم القارة الأوحد؟ ومع ذلك فهو وبإصرار شديد مازال مواطناً عادياً "غلبان" في دولة لا يحكمها امبراطور ولا ملك ولا رئيس ولا حتى شيخ قبيلة. هذا برغم أن فترة جلوسه على صدور مواطنيه قاربت فترة حكم لويس الرابع عشر "الملك الشمس" كما كان يسميه الفرنسيون. ولم يدانيه في هذا سوى كاسترو كوبا، وبعض إخوته من الحكام العرب الآخرين، لولا أن العمر لم يمهلهم ليظلوا على سدة الحكم حتى يبلغ أبناؤهم السن القانونية للرئاسة.

أنا أعترض على الطريقة والسرعة التي يتم فيها تفصيل دساتير الدول تماماً كما هي حال صالونات الخياطة، على مقاسات الشخص الذي ميزته الوحيدة أنه إبن الزعيم القائد. ومن هذا المنطلق لا أدري أية هيبة يمكن لهكذا دستور أن يحوزها في نظر هذا الخليفة الجديد أو احترام يمكن أن يبديه أيٌ من أعوانه لهذا الدستور أو أي قانون آخر ، إن لم يكن هذا الدستور أو القانون صيغ بشكل أساسي لحفظ مصالحهم الفردية أو العائلية، ولمنحهم المزيد من الامتيازات على حساب الوطن والمواطن.

أنا أعترض على سياسة التعريب والتتريك والتفريس التي تمارس على كل صعيد لقهر وصهر مجموعات سكانية أصيلة لها تراثها وتاريخها العريق ومساهماتها الغنية في الحضارة البشرية ولها وجودها الدائم وما زال في معظم دول المنطقة، فتمنع من التعبير عن ذاتها والتحدث بلغتها الأم بينما تكرَّس إمكانات الدولة لتعليم الناشئة لغات شعوب العالم الأخرى وتاريخا وتراثها؟

أنا أعترض على تحويل جمهورياتنا الثورية إلى ممالك وراثية بعد أن قام الثوريون إياهم بانقلاباتهم العسكرية وألغوا الملكية، ونصبوا أنفسهم ملوكاً غير متوجين. بينما كثير من الممالك في العالم تحولت إلى حكم الشعب رغم بقاء الملك أو الملكة كرمز للدولة. وأما ما تبقى منها فهو في طور نقل السلطة بشكل تدريجي إلى الشعب الذي يقرر أولاً وأخيراً شكل الحكم الذي يرتأيه.... إلاَّ في المنطقة العربية حيث عدوى الانقلابات سرت حتى في النظم الأميرية أو الملكية. ويبقى الحاكم أياً كانت تسميته أو شكل نظام الحكم الذي جاء به هو الحاكم الأوحد الذي اختارته العناية الإلهية للتحكم بمصائر الشعب، و..... ثرواته!

أنا أعترض على نهب خيرات الوطن وتجميع ثرواته بأيدي فئة قليلة أو عائلات بعينها، دون حق، وبأساليب غير مشروعة، وباستهتار كامل لمبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين التي تكفلها كل الدساتير والقوانين في كل دول العالم المعاصر بلا استثناء، بما فيها دولنا المعنية إياها. وفي الوقت ذاته توزع كل مآسي الحياة وأوجاعها من ظلم وقهر وفقر ومعاناة.. وسجن، على جميع المواطنين بمختلف انتماءاتهم وآرائهم ومواقفهم بعدالة منقطعة النظير، باستثناء تلك الفئة المتنعمة بالحظوة التي تسمح لها بتجيير أي قانون أو ظرف لتدعيم مصالحها ومكانتها الاقتصادية والسياسية، ومرة أخرى على حساب الوطن والمواطن.

أنا أعترض على الطريقة التي يحييِّ بها المواطن موظفاً حكومياً، وَجِلاً من تعطيل معاملته لأتفه الأسباب، دون أن يتلقى رداً. وهو الذي تتشدق كل خطابات الزعماء ودساتيرهم بأنه السيد الحر الأوحد. وبأنه الآمر الناهي في كل ما يتعلق بالوطن ومصيره.

أنا أعترض على أسلوب قيادة أبناء المسؤولين لسياراتهم الفارهة في شوارع المدن الرئيسية، إن تجرأوا وخرجوا إلى العلن، ورد فعل شرطي المرور المتحيِّن الفرصة لقبض مايعتبر أنه حقه من الغلابا من أبناء الشعب. إذا سلموا من الإهانة المتوقعة إن لم يكن هناك من يسند ظهرهم.

أنا أعترض على هذا العدد الكبير من النسخ المكررة من الصحف ووسائل الإعلام الأخرى الممولة رسمياً أو المشمولة بالرعاية والناطقة بلسان واحد ليس فيه إلا كيل المديح للسياسة الحكيمة والتي لم نرَ من نتائج لها، طوال عقود، سوى المزيد من التراجع على كل صعيد. تبدأ بالحريات ولا تنتهي برغيف الخبز.

أنا أعترض على اعتبار كل شارع يجري تعبيده أو كوخ يُبنى إنجازاً ثورياً أو منحة من منح القائد العظيمة للشعب. أما حياة المواطن اليومية ولهاثه المستديم وراء لقمة العيش له ولأطفاله، هذا الهم الموروث مع كل وريث جديد للسلطة، على ندرة حدوث ذلك، تظل من الرفاهيات التي لا حاجة للحاكم في التفكير فيها وهو في مواجهة مؤامرات العالم أجمع للنيل من صموده، ومقاومته وممانعته وتحديه وتصديه ومثابرته وثباته على نهج السلف وسياسته الحكيمة لدحر تلك المؤامرات وإفشال مخططات الأعداء. وفي الوقت ذاته لا يتوانى عن بناء جسور العلاقة والاتفاقات السرية مع أولئك الأعداء المفترضين.

أنا أعترض على زج المعترضين في السجون والمعتقلات بذريعة تآمرهم على الوطن، لمجرد أن رؤيتهم وآراءهم في القضايا الوطنية لم تنسجم والرؤية الرسمية التي لم تتمكن من إقناع أحد بصوابيتها.

أنا أعترض على العلاقات السيئة، وفي حالات كثيرة المتوترة، بين كل دولة وبين جيرانها من الدول الأخرى ممن تتغنى على الدوام بأنها عربية الهوى واللسان. حيث تصبح عملية اجتياز الحدود أصعب من اجتياز المحيط المتجمد الجنوبي، رغم أن تلك الحدود ليست أكثر من خط نظري في الصحراء لا يمكن تمييزه!

أنا أعترض لعدم وجود أوروبي أو أميركي أو ياباني أو صيني أو هندي واحد، بمجموع أعدادهم التي تقارب نصف سكان الكرة الأرضية، ولو فرد واحد منهم موجود كلاجئ سياسي في كل البلاد العربية من المحيط إلى الخليج... بينما الملايين ممن أتيحت لهم فرصة الهروب من الدول العربية هم لاجئون في تلك الدول بشكل أو بآخر... وفي الوقت ذاته تتحسر في أركانها عشرات الملايين الأخرى لأنها لم تحظَ بنعمة اللجوء تلك!
أنا أعترض على شكل الرغيف، ونظافة الشارع، والمناهج التعليمية، وأساليب التربية المتقادمة، وزي الشرطي وسلوكه المشين.... أعترض على أسلوب الاستقبال في المطار وبوابات العبور الحدودية... في المستشفيات... في دوائر الدولة الأخرى.. وحتى على طريقة طلب "البقشيش" في المطاعم والفنادق... وسيارات التاكسي..... و....و.....و.....و.....و.....و.....و.....و....

ولكنني وككل مواطن مغلوب على أمره في هذه البلدان، وعلى رأي عادل إمام..... ده انا غلبان يا إخواننا! سعيد لحدو
كاتب سوري