هل يسقط مهرجان القاهرة السينمائي؟

القاهرة - من محمد الحمامصي
ربما تنقذه مخلوقات من الفضاء!

يعيش مهرجان القاهرة السينمائي مستندا على قوة الماضي، ولكن من دون حاضر أو مستقبل يدعم هذا الماضي أو على الأقل الثبات على ما أنجز له دوليا من دور وقيمة. فقد بدأت عراقة الماضي تتلاشى منذ أسندت رئاسته لشخصيات غير ذات حيثية فنية أو إبداعية دولية.
ومع تقديرنا لكل من سعدالدين وهبه وحسين فهمي وعزت أبو عوف وشريف الشوباشي، إلا أن أحدا منهم لا يملك حضورا داخل الحقل السينمائي والفني الدولي. فمحليا كان الأول شخصية سياسية وإن كتب للمسرح، والثاني والثالث مجرد فنانين نحمل لهما الكثير من التقدير لكن تاريخهما الفني ليس فذا أو فريدا لا في سياق السينما المصرية ولا السينما العربية، فما بالنا بالسينما العالمية، فيما الرابع كاتب وباحث.
وبعيدا عن ذلك فإن القابض على مجريات الأمور في مهرجان سهير عبدالقادر (نائب رئيس المهرجان) كانت إحدى موظفات الأول، وبعد رحيله صارت الكل في الكل، ولا يحتاج الأمر شرحا أو تفسيرا حول علاقتها بالسينما وانعكاس ذلك المهرجان.
هكذا قدر لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي أن يستمر في أن يفقد دوره وحضوره الدولي، ويتم التخلي عن دعمه بالقوة التي كانت من قبل. فهل يصدق أحد أنه لا يزال وبعد 33 عاما (باعتبار أن دورته التي تقام الأسبوع القادم 10 ـ 20 نوفمبر) بلا مقر ثابت تقام فيه فعالياته وندواته وتعرض فيه أفلامه، وأن أماكن عرض الأفلام سواء في الأوبرا أو سينمات فنادق وسط القاهرة أو سينما مصر الجديدة أو غيرها، الكثير من معداتها غير صالحة لعرض أفلام، فضلا عن أن رعاته ـ من كثرة الفساد المستشري ـ أصبحوا غير متحمسين له ولدوره في دعم مكانة مصر دوليا.
بل إن الدولة حتى اللحظة لم تدرجه كحدث قومي يجب الاهتمام به، والدليل أن مجلس الوزراء لا يضمنه خطته السنوية. هذا بالإضافة إلى أن المهرجان لا يمتلك إدارة مستقلة لتسويق المهرجان داخل وخارج مصر، أو حتى شركة تتولى تسويقه حتى ينجح في توفير الدعم الكافي له بعيدا عن دعم وزارة الثقافة الفقير.
وبالتأكيد فأن دعم هذه الوزارة فقير. فوزارة الثقافة المصرية لم تنتج إلا فيلما سينمائيا واحدا على مدار 22 عاما هو فيلم "المسافر" الذي تعرض لنقد لاذع لمستواه الفني الضعيف، وأداء ممثليه الهش، وبالتالي لن تسند مهرجانا سينمائيا بقوة. ولا يفوت ملاحظ ان حتى دعم "المسافر" جاء ضمن تمهيد الارضية لترشيح الوزير فاروق حسني لعرش اليونسكو، فسقط كما سقط فيلمه اليتيم.
أضف إلى هذا وذاك مصيبة عدم توفير أفلام مصرية تليق بتمثيل مصر في المسابقتين الدولية والعربية للمهرجان. وقد ظهر أخيرا المخرج مجدي محمد علي حاملا فيلمه "عصافير النيل"، وتردد أن الفيلم قد يشارك في مسابقة المهرجان الرسمية، وإن حدث ذلك فقد تم حفظ ماء وجه مصر السينمائي إلى حد ما، أو لنقل حتى مشاهدة الفيلم وتقييمه.
هل يتم إسقاط مهرجان القاهرة السينمائي وتفريغه من دوره قيمته وتاريخه، ولمصلحة من؟ إذا كان لدينا من الشخصيات والكفاءات الدولية في الحقل السينمائي العالمي، والإمكانيات المالية والأماكن وغير ذلك، لماذا لا ندفعها وندعمها لتمسك زمام المهرجان وتعمل وتسيره وفقا لاستراتيجية محلية ودولية، ولماذا لا نعطيه لإدارة تعرف معنى وقيمة فن السينما في حياة الشعوب والدول الآن؟
إنني لا أريد أن أدخل مهرجان القاهرة في مقارنة مع مهرجانات عربية وليدة، وحظيت باهتمام وحضور عالمي مثل دبي السينمائي الدولي ومهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي، هذا الأخير الذي أداره باقتدار ومصداقية بيتر سكارليت أحد أبرز مديري المهرجانات العالمية على مدار ما يقرب من ربع قرن، الذي كان يتحرك في أروق المهرجان متابعا ومشاركا ومقدما ومناقشا للأفلام والمخرجين والجمهور والإعلاميين، في الوقت الذي لا يرى فيها أحد رئيس مهرجان القاهرة إلا ليلة الافتتاح والختام على خشبة المسرح أمام كاميرات التليفزيون، وساعة الشكوى من قلة الإمكانيات وعدم توفر الدعم الكافي، تاركا المهمة كلها لموظفين لا يهمهم من الأمر إلا المكافآت التي سيحصلون عليها في نهاية الخدمة وتحقيق أكبر قدر من المجاملات للأهل والأقارب وذوي الحظوة لديهم في السلك السياسي والرسمي الحكومي.
إن برنامج المهرجان حتى اللحظة لا يحمل أي إشارات إلي أن هناك ندوات لمناقشة الأفلام المشاركة سواء عقب عرض الفيلم أو في وقت لاحق، خاصة وأن توزيع عرض الأفلام والندوات هذا العام سوف تدخل متابعيه من مشاركين سواء كانوا مخرجين وممثلين أو إعلاميين أو حتى جمهور في جحيم القاهرة واختناقاتها المرورية المريرة. فالندوات في فندق سوفتيل الجزيرة، والأفلام موزعة ما بين الأوبرا وسينمات فنادق وسط القاهرة وسينما بمصر الجديدة.
لقد أعلن أن الفنانة سلمى حايك والفنانة لوسي لو ضيفتا المهرجان سوف تعقدان مؤتمرا صحفيا في اليوم الثاني لافتتاحه، فهل تغني سلمى حايك أو لوسي لو أو غيرها عن الحفاظ على استمرار المهرجان؟ هل تصلح ما تم إفساده؟ هل يقدم ضيوف مهرجان ما يمكنه أن ينقذه من السقوط في هوة التردي، خاصة إذا عرفنا أن هؤلاء الضيوف يحضرون تقديرا لتاريخ المهرجان وتاريخ السينما المصرية وليس من أجل إدارة لا يعرفونها؟