الشعب يرفضهم وهم يترشحون والموت ينهشنا وهم يتفرجون

المهووسون بالانتخابات وتحالفاتها في العراق يتسابقون مع الزمن قبل فوات الاوان للالتحاق بهذه الكتلة او الانسحاب منها في سباق مارثوني وتهافت استقتالي لم تشهده أي حملة انتخابية من قبل في العراق. في حين يودع العراقيون في كل يوم يمر باقة من ابنائهم من خلال مجازر دموية ومذابح جماعية دون ان تهز احداث كهذه كراسي المسؤولين والمتحكمين ولا تثير بشكل ملحوظ استنكار المناهضين والرافضين. احداث لا ترقى في الجسامة شدة ومحنة لهذه الكوارث لو حدثت في اي بقعة من بقاع الكون لسارت مظاهرات وانطلقت احتجاجات ونداءات وتساقطت حكومات واطيح بمسؤولين وزعامات.
في العراق اصبحت المشاهد الدموية والتصفيات الجسدية والتفجيرات البشرية والاعتقالات العشوائية المكثفة اليومية واحدة من مستلزمات العملية الانتخابية واستحقاقاتها في حين مازالت اعداد كبيرة من الجثث تقبع تحت اكوام الانقاض والكتل الكونكريتية المتهشمة على رؤوس الابرياء بنفس الوقت الذي تنقل فيه شاشات الفضائيات صور ووقائع تشكيل كتلة جديدة او اندماج جديد فيما يتصارع اعضاء مجلس النواب على قانون الانتخابات وقضية كركوك كل بما يضمن له مكسبا انفع ومنصبا ارفع وعددا من النواب اوسع واستلاما لموقع اسرع.
تعرج الفضائيات بعد استعراض انباء الائتلافات آراء المواطنين من الشارع حول الانتخابات لتعكس حقيقة الرفض الشعبي الشامل لانتخابات النواب وفضحهم لحقيقة واداء هؤلاء النواب وتنكرهم لما وعدوا به ناخبيهم ويكاد يجمع العراقيون على خطاب واحد يطالب الساسة والنواب بان يتركوا العراق ويعودوا الى من حيث جاءوا مع الاحتلال.
مجلس النواب بكامل اعضائه ورئاساته وطاقمه وكتله شاركوا في اقتراف اخطاء وقرارات مجحفة بحق الشعب والامة والعراق لقاء اغراءات او تهديدات او وعود بمناصب ومكاسب. من اشد هذه القرارات والمواقف خطورة كان مشروع الفدرالية والاتفاقية الامنية واخفاقه في ايقاف مسلسل الفساد المالي والاداري .فشلهم في تعديل الدستور وفشلهم في قضية كركوك وختامها فشلهم في اقرار قانون الانتخابات لغاية اليوم وما يحمله هذا الفشل من انعكاسات على الحالة الامنية وسلامة المواطنين.
بالرغم من كل إخفاقات البرلمان العراقي الحالي يصرُّ كل اعضاؤه للترشيح ثانية وخوض الانتخابات في حين تكاد تجمع استطلاعات ومقابلات المواطنين على تأنيب وتحميل البرلمان واعضاؤه مسؤولية تردي الاوضاع الامنية وفساد وعدم نزاهة السلطة التنفيذية لابل تتعدى هذه الاراء قذفها باللوم على البرلمان قضية اهمال الدور الرقابي ومواقفه اللامسؤولة على قرارات خطيرة تمس بسيادة العراق والتفريط بوحدته الى قضايا تخص نزاهة اعضاء البرلمان وولوغهم بالفساد والإرتشاء والتركيز على تحقيق مكاسب مادية ووظيفية بصفقات مالية وامتيازات مكلفة من ثروات العراق وميزانيته لا يستحقونها وهذا ما هدد المالكي رئيس الحكومة به اعضاء البرلمان في حالة إصرارهم على استجواب الوزراء مرارا وتكرارا.
ما يثير الجدل والدهشة هو براعة هؤلاء النواب وزعماء الكتل المترشحة للإنتخابات المقبلة في تشكيل تحالفات وائتلافات انتخابية جديدة لا تقوم على اساس التجانس بالفكر او الرأي او الموقف بقدر ما تعتمد على حرص كبير لاختيار عناوين ظاهرها الوطنية والمهنية في حين ان تكوينها يبنى على تنوع طائفي وعشائري لشخوص تحظى بمناصب ونفوذ وظيفي او عشائري او تجاري ومالي قادر على استقطاب الناخبين بالإغراء والإرتشاء وتحمل نفقات الدعاية والترويج وذلك ما نوه عنه النائب صالح المطلك بصراحة متناهية في احد تصريحاته.
شيوخ عشائر وعلماء دين وتجار ميسورون وموظفون ومسؤولون كبار وساسة محترفون ونواب محترفون راحوا يعرضون انفسهم لاكثر من تكتل وكيان في اليوم الواحد كل يعرض امتيازاته وقدراته ليساوم بتسلسل مضمون او بعدد من الانصار المترشحين لا على اساس الكفاءة والاداء ولكن على اساس حجم الاتباع واستغلال النفوذ او ما ساهم به من مال او جاه او على اساس ما تدفعه له الكيانات من مال او وعود لإستقطابه لضمان التنويع والتوزيع في هذا الكيان او ذاك.
اليساريون واللبراليون والطائفيون والحزبيون توزعوا بين الكيانات لا على اساس لون او فكر او طعم مما افقد هذه الكيانات تبني برامج متميزة توحي للناخب بفكر معين او نهج منفرد كلها تدعي الوطنية واللاطائفية والمهنية والنزاهة وتقديم الخدمات ولكن معظمها تحوي في صلب مكوناتها رؤوس الطائفية والعنف والابتزاز والفساد والارتشاء وعدم الكفاءة.
واقع الحال العراقي يقول اذا اريد لهذه العملية الانتخابية ان تحدث تغييرا ملموسا في الأداء السياسي لصالح الوطن والمواطن والناخب وتأتي بانجاز فشل البرلمان السابق وكتله في تحقيقه فان الكتلة الوطنية التي تستحق ان تحمل هذا العنوان ينبغي ان تطرح برنامجا يتضمن تشخيص حقيقي لمنزلقات العملية السياسية وتقويمها بمصداقية وجدية وصراحة وشجاعة. مثل هذه القائمة على زعاماتها المحترفة ان تعترف بالاخطاء المرتكبة وان يعتذروا لشعبهم عن اجتهاداتهم ومواقفهم الخاطئة وعن عزمهم الأكيد لتقويم هذه الاخطاء الجسيمة.
الموقف من حقيقة وجود احتلال يجب ان ينتهي ويرحل باسرع وقت ممكن دون اتفاقيات مهينة او تنازلات مجحفة لتحقيق التحرير والسيادة الشاملة امر اصبح مطلبا جماهيريا بعد المعاناة المريرة التي الحقها هذا الاحتلال بجميع العراقيين دون تمييز وهدر ثرواتهم وكرامتهم .وشرعية ان يقاوم الشعب هذا الاحتلال المرير بكل الوسائل المتاحة من اجل التحرير حقيقة تؤكدها كل الاعراف والقوانين الدولية والشرائع السماوية والحقوق القومية.تعديل الدستور وكتابته بصيغة تؤلف ولا تفرق، تحدد هوية العراق ووحدته وعدم تجزئته حاجة ملحة اساسية اثبتت السنين الاربع الماضية اهميتها لتحقيق التوافق والتعايش السلمي بين المكونات والاطياف العراقية وضمان حقوق المواطنة بالتساوي وهوية الدولة العراقية الواحدة على ضوء تكوينها التاريخي والرئيسي وتحريم مبدأ الطائفية والتجزئة وتبني الاسس الديمقراطية الحديثة لبناء الدولة المدنية العصرية وفصل الدين عن الدولة في ادارة الدولة اصبحت تطلعات ملحة لغالبية هذا الشعب المنكوب بدعوات التطرف والعنف والاجتثاث الفكري والسياسي والدكتاتورية.بناء جيش مهني متمرس غير مسيس لحماية البلاد واجهزة امنية تحافظ على كرامة المواطن لاتقصيه ولا تستهدفه هو السبيل الوحيد للتأسيس لشعب آمن ودولة مستقلة قوية في ظل حكومة مهنية تكنوقراطية تحظى بتخطيط وتقنين رصين للاستفادة من ثروات البلاد لتقديم الخدمات الاساسية لعيش هانئ كريم. بدون تبني برنامج يعالج امور ومتطلبات وتحقيق انجازات كهذه للنجاة من آفات العملية السياسية القائمة لا يمكن ان تكون الكيانات وطنية ولا يمكن ان يحصل التغيير المنتظر ولايمكن ان تجتذب اصوات وطنية. د. عمر الكبيسي
كاتب عراقي