الليبيون عنصريون والحمد لله!

نحن الليبيون عنصريون (أو أغلبنا على الأقل) وان بنكهة خاصة ومتعالون بطبيعة مختلفة وطيبون بلا معنى وأحيانا سٌذج لدرجة السخرية! عنصريتنا أصيلة ولها جذور قديمة موغلة في القدم، ربما، تلتقي مع تجارة الرقيق العابرة للصحراء والتي منها ورثنا وطورنا مصطلح "عبد" مستندين الى أرث ثقافي عربي عريق في موضوع العبودية لم يلغيه الإسلام بالرغم من انه قد فعل فعلا!
أما التطوير فقد جاء حين ألغينا العبودية بمفهوم "الإستلاب" لتصبح مجرد مصطلح نشير به إلى من كانت بشرته سوداء اللون! أما النكهة الخاصة لعنصريتنا تلك فتظهر في أننا لا نعني الموقف العنصري بمفهومه الرافض أو الساعي إلى إلغاء الآخر وإنما عنصريتنا تكمن في تفكيرنا بالدرجة الأولى: فأسود البشرة سنصفه بالعبد مع أنه قد يكون مسئولا كبيرا أو صديقا أو حتى شيخ دين ولكن وبمجرد أن نحس بالضيق منه فهو عبد!
اما الدليل على أننا لا نسعى إلى ممارسة العنصرية في هذا الصدد كواقع عملي فنحن يندر أن نسعى إلى منع من نعتناه بالعبودية من تبوء منصب مثلا حتى وأن أستطعنا ذلك ولن نبدل أي جهد في منعه من تحقيق مبتغاه مهما كان الا أنه سيظل عبدا حتى وهو ضيف في بيوتنا وإمام في مسجد القرية الذي يؤمن فيه لصلاة الجمعة! وكثيرا ما نستخدم لفظ التصغير "عبيد" لوصف سود البشرة حتى أصدقاءنا!
أما تعالينا فهو موضوع معقد لا أفهمه كثيرا: فمثلا نحس بالتعالي تجاه العرب بالذات من المشرق العربي لأسباب مجهولة تقترب أحيانا من تعالي أبناء الخليج على غيرهم من العرب والأمر تقريبا له علاقة بالنفط وما حققته الثروة النفطية من ثراء لنا خاصة في فترة السبعينيات من القرن الماضي ولهذا نرى غيرنا من العرب والمشارقة بالذات فقراء وأن كانوا عكس ذلك!
وفي علاقتنا بغيرنا من العرب نحرص دائما على أن نجردهم من أسمائهم فنقول المصري مثلا أو التونسي وأن كنا أكثر تواضعا سنقول فلان المصري أو علان المغربي لدرجة أننا لا نعرف أسمائهم الكاملة ومهما طالت علاقتنا بالواحد منهم سيظل المصري والتونسي والمغربي ملحقة باسمه حتى وأن تزوج منا وعاش بيننا ردحا طويلا من الزمن! ولازلت أذكر أن معلمي في الصف الرابع الابتدائي منذ أكثر من ثلاثين عاما، وهو فلسطيني الجنسية، لا زلنا نقول عنه الفلسطيني حتى اليوم عندما نتذكر أيامنا تلك مع ان الرجل عاش في ليبيا أكثر من أربعة عقود وأظنه لا يزال مقيما فيها!
وحتى الدولة الليبية في ممارستها الإجرائية والقانونية تشارك مواطنيها نفس طريقة التفكير وأكبر شاهد على ذلك أن قانون الجنسية مثلا لا يسمح للعرب بحمل الجنسية الليبية مع أننا قلنا في يوما مضى أن الجنسية العربية حق مشروع لكل عربي يعيش في ليبيا ولا أظن أن هذا الأمر تم تقنينه أداريا ولم يسبق أن عرفت عربيا واحدا حمل الجنسية الليبية مع أني أعرف أكثر من واحد حرص على الحصول عليها! والأكثر من ذلك هو أن قانون الجنسية الليبية لا يعطي الجنسية لأبناء الأم الليبية متى كان زوجها عربيا أو غير عربي ويقصرها على الرجل، أي الأب الليبي فقط، وفي جزء من هذا الموقف موقفنا من المرأة عموما التي لا نعرف لها اي حق في أغلب الأحوال! ومن الناحية الإجتماعية لا يروق لنا زواجنا، رجال أو نساء، من غير الليبيين ونعبر عن ذلك في أحاديثنا بالقول "من الأفضل الحرص على نقاء المجتمع وعدم اختلاطه".
وفي بعض الأحيان نستخدم جنسيات عربية أخرى للسب والشتم والسخرية وهذه أرقى درجات العنصرية والغلو في التكبر التي نترك فيها تعاليم الإسلام جانبا ونتخلى عن كل القيم التي ندعي أنها تحكم سلوكنا وتوجه ممارساتنا أكانت دينية أو اجتماعية أو مزيج بين الاثنين.
ولا يخطر على بال أغلبنا أن استخدام تلك الألفاظ مجرّم قانونا في كثير من الدول الأوربية لأن تلك الألفاظ عنصرية المقصد والمحتوى ولن أستغرب أن قامت منظمة دولية من منظمات مناهضة العنصرية برفع قضية تمييز عنصري ضد أكثر من نصف الشعب الليبي!

أما علاقتنا بالأجانب فهي دائما متسمة بنوع من الشك والإحساس بالدونية وأحيانا نحس بنوع من الرهبة تجاههم الا أننا مقتنعون في قرارة أنفسنا بأنهم ضدنا وليسوا معنا خاصة سياسيا وهذا أعتقاد غريب لسبب بسيط وهو أن المواطن الأوربي البسيط مثلا لا يعرف عن السياسة الكثير في أغلب الأحوال ولا يكترث بها. وأغرب علاقة لنا بالأجانب كأفراد هي علاقتنا بالأميركيين، فهي تركيبة معقدة لا يمكن فهمها ولا يمكن تصنيفها. اذ يجد المواطن الليبي البسيط التعامل مع الأوربيين أسهل منه مع الأميركيين مع أنني، ومن خبرتي البسيطة، أجزم أن سلوك وأخلاقيات الأميركي أفضل من الأوربي خاصة على مستوى التجارة وتبادل الثقة وسهولة التفاهم. بل أنني أعتقد أننا نحن الليبيون نشترك مع الأميركيين في صفات عدة على رأسها الكرم وحسن الترحاب بالضيف وسهولة التفاهم والبساطة في التعامل في شئون الحياة اليومية! وأغرب ما في تلك العلاقة هو أن أغلبنا لا يفرق بين موقف الأميركي العادي (الذي لا يعرف عن حكومته الكثير أحيانا) وموقف تلك الحكومة من بلدنا كدولة وليس كأفراد!
أما سذاجتنا تتأتي من سهولة أنقيادنا وضيق تفكيرنا أحيانا لدرجة تدعو للإستغراب ولا يمكن تفسيرها: فنحن نثق في الآخرين بسهولة ويسهل علينا أن نصدق ما يقولونه على أنه حقيقة خاصة في الشأن السياسي وبالذات متى كان سلبيا تجاهنا نحن بالذات! وأحد أسباب ذلك، ربما، هو أننا نعتقد أن وسائل أعلامنا لا تقول الحقيقة بل نعتقد أنها تكذب ولهذا نصدق قليلها وكثير غيرها. وأعتقد أن هذا أحد أهم الأسباب التي جعلت من الليبيين أكثر مستمعي إذاعة لندن العربية انتظاما قبل أن تحل القنوات الفضائية محلها!
والمواطن الليبي في الغالب أحد أكبر "الشطار" خاصة عندما يتعلق الأمر بخلق الأعذار والمبررات ويمكن بسهولة أن يبرر أي شيء ومع هذا يسهل الضحك عليه خاصة خارج البلد ويمكن أن يتم غشه في البيع والشراء بسهولة لا يمكن فهمها في ظل "شطارته" الظاهرة في خلق الأعذار وتقديم المبررات وقدرته على التفنن في التلاعب في كل ما هو أداري أو قانوني!

د. مصطفى الفيتوري
رئيس قسم إدارة الأعمال باللغة الإنجليزية في أكاديمية الدراسات العليا، طرابلس، الجماهيرية mustafafetouri@hotmail.com