'المقلب' رواية تكشف أعماق المجتمع المصري وعلاقته بالغرب

التلوث ببعديه

الإسكندرية ـ تعالج رواية "المقلب" للروائي سعيد سالم ـ الصادرة مؤخرا عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة ـ ذلك التصادم القائم بين حضارتين: حضارة الشرق التي تستند إلى دعامة روحانية هائلة، ومع ذلك لم تستطع الأخذ بأسباب العمل الجاد فتسلط عليها العديد من أسباب التخلف، وحضارة الغرب الذي أنهكه التقدم فكاد أن يفقد روحانيته رغم تفوقه الهائل في القدرة على العمل والإنجاز والتطور.
ويدور محور العمل حول معالجة فكرة التلوث ببعديها: العلمي عن تلوث البيئة، والإنساني عن تلوث مشاعر الإنسان وانحطاط أفعاله إلى الدرك الأسفل من الإنسانية، معالجة ناعمة مطعمة بالعديد من المواقف المرحة للتوعية البيئية، بعيدا عن الوعظ والخطابة والمباشرة.
في بيئة اجتماعية مهمشة ينشأ "بكر" المهندس الزراعي ابن الزبال، وقد تشرب من أبيه "خليل السرياقوسى" - مثله الأعلى - خصال الشخصية المصرية الأصيلة التي يقوم سلوكها على أركان الانتماء لله والوطن وقيم الترابط الأسري وسمات المروءة والتسامح. يقبل على الحياة بقلب أخضر مترع بالنوايا الحسنة، وبعقل عاشق للبحث والمعرفة، تدفعه مشاعر إنسانية حميمة تجاه عالم الزبالين الذي انتمى إليه نائيا بنفسه عما يتعرض له أنداده من دواعي الإحباط والانحراف والتطرف تحت وقع البطالة وفقدان الانتماء وغياب المثل الأعلى.
يفاجئه والده بوظيفة مرموقة بالشركة الوطنية للورق التي يورد لها بالات الدشت الناتج من فرز قمامة المقلب الذي يديره. وتزول دهشة بكر حين يعلم أن "أمين السناوى" رئيس هذه الشركة يتقاضى من أبيه إتاوة شهرية، يدفعها خليل أسوة بزملائه من موردي الدشت رغم تميزه الصارخ عنهم بنظافة دشته وخلوه من سبل الغش والتحايل الواردة أساليبها خلال العمل بتفاصيلها العجيبة الغريبة.
وخلال ممارسة بكر العمل بالشركة يتأكد من فساد ذمة أمين السناوي وتسببه في إهدار ملايين الجنيهات بتسليمه البضاعة المنتجة لتجار وهميين دون ضمانات ائتمانية، وهو يتعاقد على شراء أجهزة مشكوك في كفاءتها الفنية تسببت في زيادة العوادم من الملوثات الصناعية التي تملأ أرجاء المصنع وتعرض العمال للمخاطر الصحية وتدمر البيئة البحرية فى خليج أبى قير.
كان المكسب الأساسي الذي حصل عليه بكر من العمل بهذه الشركة هو تعميق أواصر الصداقة الحميمة التي ربطت بينه وبين جاره وزميله المهندس "أكرم جورج" الذي يشاطره أحلام الانتماء بين الوطن والمواطن، والرغبة الجارفة في إزالة أسباب التلوث، وفكرة إنشاء جمعية لرعاية العاملين بالقمامة تسهم من خلال مشروع وطني صميم في إزالة القمامة من شوارع المدينة، وتوفر سبل العمل الكريم للعديد من الشباب العاطلين. وتتشكل نواة كل مشروع من شاب مسئول ومعه عربة رفع قمامة - صناعة مصرية - يسدد ثمنها على أقساط بالاتفاق بين البنك والمحافظة وصندوق التنمية الاجتماعي وجمعية رعاية العاملين بالقمامة التي تمثل جزءا من نشاط جمعية تنمية المجتمع المحلي الأساسية.
ويعمل مع كل شاب ثلاثة عمال يتقاضون أجورا مجزية ليقوموا بجمع القمامة من المنازل لقاء أجر بسيط من المناطق السكنية المحددة بالمشروع، وينقلونها بالعربة إلى المقلب هي ومخلفات المطاعم والمحلات الأخرى ثم يقومون بفرزها وإعادة تدوير محتوياتها من البلاستيك والزجاج والورق والمعادن. وتشكلت لجنة عليا للمشروع مثلت فيها الأطراف المذكورة كافة، لتوقيع عقد اعتمده رئيس الوزراء بصفته رئيسا لصندوق التنمية الاجتماعية من جهة، ورئيسا لمجلس المحافظين من جهة أخرى، وتكون مهمتها متابعة إنجاح المشروع ليكون نواة لمشاريع مماثلة. ورغم كراهية بكر الشديدة للعمل في أي مناخ "ملوث" سواء في عمله المهني أو الاجتماعي، الا أنه يفجر طاقاته في بحث علمي للحصول على الماجستير في الحد من التلوث واستغلال القمامة في تصنيع السماد العضوي، تحت إشراف الدكتور "طارق الألفي" الذي يستغله بخساسة في العمل بأبحاثه الأخرى التي يتكسب من ورائها كمستشار فني لعدد من الشركات الصناعية -من بينها الشركة الوطنية للورق - إلى جانب عمله أستاذا بكلية الزراعة حيث يتضح أن العلاقة الوثيقة بين الدكتور طارق وأمين السناوي علاقة مصالح غير مشروعة.
وفوق هذه البدايات السيئة التي يصدم بها في مستهل حياته العملية تأتي صدمته العاطفية الكبرى حين يتقدم لخطبة حبيبة طفولته "فردوس" فيلفظه والدها "شعبان الشريف" بقسوة لمجرد أنه ابن زبال، وكأنما شاء القدر أن تتكرر مأساة أبيه خليل السرياقوسي الذي سبق أن حرم من حبيبته "عزيزة" لنفس السبب، ثم سمى إحدى بناته بهذا الاسم وفاء لذكرى حبيبته التي ظلت حتى آخر عمره متربعة على عرش قلبه الحزين.
أما شعبان الشريف – والد فردوس - فهو يعمل مديرا للمشتريات بإحدى الشركات العامة، وهو في الوقت ذاته رئيس جمعية تنمية المجتمع المحلي بمنطقة الإسكان الصناعي حيث يعيش معظم أبطال العمل. إنسان مهووس بنظريات فاسدة من ابتكاره مثل نظرية "السلطة والثروة" إذ يعتقد في استحالة الحياة الكريمة بدونهما، ومثل "نظرية التكافل الاجتماعي الإجباري" الذي يبرر به الرشوة حيث أن الناس تتمرد على قوانين التكافل السماوية فلا تتصدق ولا تتزكى، كما تتمرد على قوانين التكافل الأرضية فتتهرب من الضرائب. وهو يتربح من منصبه بالشركة وكذلك من الجمعية، ويساوم أكرم على إتاوة شهرية لقاء تسهيله إنشاء جمعية رعاية العاملين بالقمامة من باطن الجمعية الأم تجنبا للعوائق والتعقيدات الادارية بين الحكم المحلي والصندوق الاجتماعي وموظفى المحافظة.
في خضم هذه الأحداث يتبين أن هناك فارقا جوهريا بين سلوك بكر المثالي الذي يعجز عن التعامل مع الأفراد "الملوثين" من أمثال أمين السناوي وطارق الألفي وشعبان الشريف وغيرهم، وبين حنكة أكرم وتمرسه على الدبلوماسية الماكرة التي تحقق له الوصول إلى الهدف النبيل حتى لو تعامل مع الشيطان. فبكر يرى بفكره الثوري المثالي ضرورة هدم القديم الفاسد قبل البدء في إقامة الجديد النظيف، أما أكرم فيؤمن بالتعامل مع الأمر الواقع بكل مساوئه دون تصادم مع قوى الفساد، بل بالتعايش معهم ومهادنتهم بصفة مرحلية حتى يتم إنجاز الهدف المطلوب فيتم سحقهم والقضاء عليهم تماما.
في تلك الآونة يفاجأ بكر بموت شقيقته المدرسة المحبوبة "عزيزة" على أثر إهمال أدى إلى "تلوث" جرحها عقب عملية زائدة دودية عادية بالمستشفى الأميري، فتسفر له الحياة عن وجه كئيب لم يكن في حسبانه، ويسيطر عليه شعور جامح بتلوث الحياة في مجتمعه الذي يحبه وينتمى إليه لكنه يعجز عن التعايش معه بسلوكه المثالي، كما يشعر أنه لن يستطيع أن يحقق لنفسه ولا لمجتمعه الصغير ولا حتى لوطنه - في مثل هذه الظروف - شيئا من أحلامه الكبرى التي تعاهد عليها مع رفيق عمره أكرم، فيقرر اللجوء إلى عالم الغرب حيث التقدم والانطلاق إلى آفاق المستقبل بلا حدود. يختار ألمانيا مزمعا الإقامة مع "مصطفى" وهو صديق قديم من أبناء الحي - كان قد سافر إلى هناك منذ سنوات - آملا في العودة بوضع علمي ومادي يحقق له حلمه بتخليص مجتمعه من التلوث.
تبدأ دوائر هذا المجتمع الذي ينتمى إليه بكر بالفكر والروح بوالده خليل ابن البلد الشهم الذي يدير شئون أسرته بفطرة ذكية يؤلف بها بين أبنائه على اختلاف طباعهم فمنهم "عفيفى" المحامي شرس الطباع ذو المشاعر الملوثة بالحقد تجاه الآخرين، "وفتحي" الخياط الأهوج المندفع ذو القلب الطيب والمروءة والشهامة، و"إلهام" الأمية الساذجة التي لا تفكر إلا في الحصول على زوج بأي وسيلة، وأما "عزيزة" المثقفة الفنانة، فهي ابنة خليل الكبرى المدللة وذكرى الحبيبة الغائبة التي أسماها باسمها. والتي حين ماتت بدأت حياة خليل في الموت الفعلي.
كما يتمثل هذا المجتمع بدائرته الأوسع في عالم الزبالين حيث يدير الأب عمله من مقلب الزبالة بالملاحة بحي محرم بك، إذ يتم تجميع وفرز القمامة المنزلية بواسطة زبالي الأهالي التابعين لمنطقته أو "خطه" (بضم الخاء) كما جرى العرف بهذه المهنة التي ينقسم أهلها إلى فئتين: فئة امتهنت العمل بالقمامة أبا عن جد مثل خليل السرياقوسي صاحب مقلب الملاحات، و"ياقوت البطش" صاحب مقلب أبيس، وفئة أخرى معظمها من الصبية لجأت إلى هذا العمل تحت ظروف اجتماعية قاسية مثل "ناموسه وأورمه وديشه والجرنش" وآخرين ليسوا من الصبية مثل "شمس الضرير وأم الكنى"، ولكل قصته على مسرح الحياة الحافل بالعديد من الغرائب المثيرة للتأمل العميق في معنى الحياة وكنه الأقدار.
وتتسع دائرة الانتماء عند بكر لتشمل الأحياء السكنية الشعبية والإسكان الصناعي وجمعية تنمية المجتمع المحلي والمسجد والكنيسة والمقهى، حيث يتعايش أناس طيبون بسطاء، يستغل بساطتهم وجهلهم بعض الأفاقين من تجار السموم مثل "المعلم سنجه" والمعلم "كباره"، ومن الموظفين خربي الذمة مثل "شعبان الشريف" وغيرهم ممن يتعيش على جرمهم مثل "عفيفى السرياقوسي" المحامي الانتهازي الشاذ عن قبيلة السرياقوسي الرائعة.
***
يسلم بكر الراية لشريكه في الحلم أكرم، ويغادر عالمه الأصيل إلى عالم مختلف يواجه فيه مادية الغرب فيذوق الهوان والمذلة حين يكتشف هجرة صديقه "مصطفى" صاحب الشقة إلى أميركا تاركا شقيقه "فاروق" - سائق التاكسى - بالشقة متحكما في أمورها. وفاروق طالب فاشل حائر بين الانتماء لمصر أو لألمانيا عاجز تماما عن الانتماء لأحدهما، كاره لكليهما مشتتا ممزقا بين ما تمثله كلتاهما من قيم ومبادىء وثقافة وسلوك. أثار حقده حماس بكر للعلم والمعرفة فسرق شهادته الجامعية وسلبه كل ماحصل عليه من أجر لقاء عمله المتواضع بمخزن عمومي، وفي النهاية طرده من الشقة واضطره للإقامة في الصقيع مع جماعة من الهاربين من القانون في ظروف بالغة الصعوبة، حين كانت الشرطة تجمع المواطنين العرب بعد أحداث 11 سبتمبر في أميركا لمجرد الاشتباه في كونهم إرهابيين. وفضلا عن ذلك فقد عرضه فاروق للاتهام في جريمة قتل غامضة لولا أن أنقذته "أنيتا" زميلته في الدراسة بجامعة "جيسن" الألمانية، والتي تصادف أن كانت بصحبته ساعة وقوع الجريمة فشهدت للبوليس بذلك.
وتقع أنيتا في حب بكر حين ينقذها من حريق بمعملها المجاور لمعمله بالكلية معرضا نفسه للخطر، وأمام شهامته الشرقية غير المألوفة بهذا المجتمع يوافق المليونير "أندرسون" - والد انيتا- على إقامة بكر الدائمة بإحدى مزارعه الشاسعة، وعلى أن يتخذها مقرا لبحوثه العلمية حول القمامة الألمانية، كما يكلفه بعمل لقاء راتب كبير وتبتسم الحياة لبكر فيتزوج أنيتا وينجب منها "يوسف" التي يحلو لها مناداته بجوزيف.
***
في تلك الآونة تتصاعد الأحداث في مجتمع بكر الحقيقي الصغير على نحو مثير.
فردوس تناصب أباها العداء متمردة على أفكاره ونظرياته رافضة عملا مغريا حصل عليه لها عن طريق راقصة شهيرة ذات صلات وثيقة بكبار رجالات البلد، رافضة المعيشة مع أسرتها بشقة تمليك فاخرة حصل عليها من رشوة، متحولة إلى اتجاه ديني مفاجىء، حتى تكتشف احتمال تورطها في أحداث عنف ترفضه تماما، فتغير اتجاهها مرة أخرى تغيرا مناقضا إذ تلتحق بوظيفة في شركة أجنبية وتتلقى دروسا في الموسيقى وتعيش تجربة حب فاشلة جديدة وتفكر في الهجرة النهائية حيث تحثها على ذلك صديقتها سلوى ابنة العتال التي تزوجت من شاب ثري أحبها وأكرمها وعاشا معا في أميركا بدعم من والده المتواضع والذي كان بمثابة النقيض الفكري لشعبان. وشعبان يسجن بتهمة الرشوة. وأكرم ابن الأسرة المتواضعة يتعلق بحب "بستان" المحاسبة الحسناء - سليلة الأسرة الأرستقراطية - التي تتولى حسابات الجمعية والتي تكبره بأربعة أعوام.
و"أورمه" يبدأ رحلة البحث عن أبيه في القاهرة والذي لم يره منذ طفولته، وبعد مغامرة كوميدية مثيرة يعثر عليه فإذا به واحد من كبار تجار الخردة الأثرياء. يفرح بعودته ويحتضنه ليعمل معه، مضمرا امتنانا شديدا لأهل محرم بك الذين احتضنوا ابنه إبان تشرده، معبرا عن شعوره هذا بموقف إيجابي فعلي هو إعلان استعداده لتسديد أقساط شباب المشروع ليلة زفاف أكرم.
وناموسه يعود لأبيه ليؤنس وحدته على أثر وفاة زوجته، والبلدية تزيل العشش العشوائية على الترعة، ومن بينها عشة ديشه وأسرته فيحتضنهم الجرنش – ابن السناتسي وحرامي البلاعات السابق - للإقامة بشقته المتواضعة بالمساكن الشعبية لحين ميسرة.
والشرفاء من جامعي القمامة يتحايلون على العيش في ظل ظروف قاسية فرضها التطور الطبيعي للحياة بانتشار العربات الآلية وأكياس البلاستيك. وأكرم ينجح بعد مقاومة عنيفة في إرساء دعائم مشروعه الذي كان يشاطره بكر في الحلم به. وعرف الشباب كيف يعملون ويكسبون بشرف.
و"الهام" تتزوج من "سيد الميكانيكى" بعد أن تاب عن انحرافه على يد علقة من فتحي. أما عفيفي فيختفي من الحي أثر تورطه في عمل لا أخلاقي يتسبب في سجن أخيه فتحي عاما كاملا، يغلق مكتبه ويفصل من نقابة المحامين، بينما ينجح فتحي بعد تجاوز أزمته في إنشاء مصنع للملابس الجاهزة بمساعدة زوجته "سهير" التي سبق لعفيفي أن حاول اختطافها منه.
وبعد عامين تظهر "مريم" الريفية - التي تزوجها عفيفي سرا في إحدى نزواته الهائمة - بصحبة ابنها "أحمد" فتنضم إلى أسرة السرياقوسي وتعيش تحت رعايته.
ثم تنفجر مجموعة من المشاكل الإدارية والاجتماعية بين شباب المشروع وموظفى الأحياء البيروقراطيين الذين أقفل عليهم مشروع الشباب أبواب التربح غير المشروع. وكان حلم أكرم وبكر وشباب المشروع أن يعمم المشروع تدريجيا على المدينة لولا أن رأت المحافظة (الحكم المحلي) فجأة أن تتجنب المشاكل الإدارية وتعفي نفسها من المتاعب بأن تسند نظافة المدينة إلى شركة أجنبية من خلال مناقصة عالمية. وبناء على ذلك صدر قرار من جانب واحد - الحكم المحلي - بإيقاف نشاط المشروع وتجميده دون الرجوع إلى أطراف الاتفاق التعاقدي الأخرى. وقد ترتب على ذلك تهديد مستقبل مئات الأسر التي ينتمي إليها شباب المشروع وكذلك الضامنون لهم أمام البنك والصندوق، وأصبحوا جميعا مهددين بالسجن لعدم قدرتهم على مواصلة العمل ليتمكنوا من تسديد أقساط العربات.
وتمتلىء مقهى المعلم مصطفى الزوربا الساخر - التي اشتراها من تجارته بالدخان القادم مع دشت الشركة المصرية للدخان - بالعاطلين من ذوي المعاش المبكر، ومن زبالي الأهالي الذين أصبحوا بلا عمل، وكذلك من فئة شباب المشروع بعدما أوقف مشروعهم، غير أن بعضهم قد انحرف نتيجة لليأس والفراغ والإحساس بالظلم الذي وقع عليهم وخيب آمالهم.
وفضلا عن لقاءاته المستمرة مع رفيق صباه الخواجه "أليكو" - المصري المولد والهوى - فإن المقهى أصبح هو مجلس خليل المفضل بعد ضياع عمله ليثار جدل ساخر مستمر عن عجز المسئولين عن تنظيف مدينتهم بالعقول والأيادي المصرية ولجوئهم إلى الأجنبي الذي قطع الطريق على الشركات المصرية المنتجة لعربات القمامة، والذي اشترى العربات المستوردة بملايين الدولارات، والذي قضى على آمال الشباب العاطل وزبالي الأهالي، والذي استولى - بموجب العقد - على جميع المقالب والجراجات والمخازن التي تخص البلدية، فضلا عن ثلاثة مصانع لإنتاج السماد العضوي. كما انطلقت شائعات بأن الشركة الأجنبية تتقاعص عن إعادة فرز وتدوير المخلفات للاستفادة مرة ثانية من الورق والبلاستيك والزجاج وغيرها مما يضيع على الاقتصاد الوطني ملايين من الجنيهات سنويا. وقد نجحت الشركة الأجنبية بحق في تنظيف المدينة ولكن المحافظة فرضت رسوما جديدة على المواطنين تضاف إلى فاتورة الكهرباء رغم أنهم يسددون ضريبة نظافة قدرها2% من الإيجار الشهري كما فرضت نفس الرسوم على أصحاب المحلات والمقاهي بدرجة أعلى مما أثار ثائرة الجميع.
وأمام هذه المستجدات وجد أكرم نفسه في مأزق حرج أمام الشباب الذين أولوه ثقتهم فراح يتصل بالصحافة وأعضاء مجلس الشعب وكبار المسئولين ويرفع القضايا ويواجه الاتهامات الثائرة ضده، ورغم ذلك يظل الأمر معلقا دون حل جذري. وينتظر بفروغ صبر عودة بكر رفيقه في الحلم بالكفاح ضد التلوث ليشاركه المسئولية والهموم. ورغم فقدان خليل وياقوت وغيرهم مصدر رزقهم إلا أنهم بالتفاعل مع طموحات الشباب الصاعد من أمثال أكرم وبكر لم يفقدوا الأمل في محاولة إنشاء مشروعات بديلة كمصنع ورق صغير أو تأسيس شركة لتسويق السماد المنتج من المصنع الاستثماري الجديد بدلا من البكاء على المشروع الفاشل والمهنة المفقودة بسبب بيروقراطية كبار المسئولين بالحكم المحلي.
يخلو البيت بخليل السرياقوسي وزوجته رجاء بعد موت ابنته عزيزة واختفاء عفيفي وغربة الهام، وينهكه الفراغ بعد ضياع مهنة العمر التي توارثها عن أجداده ويعاوده الحنين إلى عزيزة الأولى فيهاجمه مرض القلب ويتمنى هو الآخر لو عاد بكر من غربته ليسانده في أزماته ويتزوج من فردوس التي تعالج من انهيار عصبي بعد تعرضها لاهتزازات نفسية شديدة عقب فشل قصتها مع بكر ولفقدانها القدوة في والدها المرتشي السجين، وفي الشيخ كمال المستتر وراء الدين لبث آراء العنف المسمومة فضلا عن تعرضها للتحرش من جانب مدير الشركة التي عملت بها.
***
يعود بكر إلى مصر بعد حصوله على الماجستير في التلوث وذلك لاستخراج السماد من القمامة المصرية تمهيدا للحصول على الدكتوراه بدعم من الدكتور "هاتس" الألماني، وتحت إشراف الدكتوره سامية منصور الأستاذة بعلوم الإسكندرية والمتطوعة للعمل البيئي وتوعية الجماهير بيئيا في جمعية تنمية المجتمع، آملا تسخير بحثه في خدمة مجتمعه لإنشاء مصنع كبير للسماد يحتوى طاقات الشباب العاطل وينتج سمادا عضويا خاليا من الكيماويات يستخدم في استزراع الخضروات والفواكه صديقة البيئة، وذلك من خلال عمله كمستشار لشئون البيئة بالمحافظة، وذلك بعد أن حصل على الدكتوراه في معالجة التلوث وصناعة السماد العضوي من قمامة المقالب المصرية. كما يكشف أكرم للسلطات عن فساد السناوي من خلال تحقيقه في التقارير التي قدمها إليه العاملون بالشركة، وهو في موقعه الجديد. ويُقال السناوي من عمله ويسقط من بعده الدكتور طارق على أثر اكتشاف سرقته لبحث علمي من الدكتورة سامية.
ونتيجة للبيروقراطية التي تعانى منها الأجهزة الحكومية يتأخر تنفيذ مشروع مصنع السماد الكبير عن موعده وتضيع على الدولة منحة كبيرة من البنك الدولي كانت مخصصة لهذا الغرض، في الوقت الذي يعرض فيه المليونير "أندرسون" - والد أنيتا - تنفيذ هذا المصنع كمشروع لحسابه، وكان بكر قد تعرض لإغراءات ومساومات من قبل بعض الشركات العالمية المتنافسة على هذا المشروع لكنه ظل محافظا على نظافة يده. وقد اكتشف بنفسه أن التلوث الإنساني ليس ظاهرة مصرية بقدر ما هو ظاهرة عالمية، وأن مأساة صراع الحضارات قد أصبحت واقعا معاشا ينفي كل النظريات المثالية المعارضة.
وليلة وصول أندرسون إلى مصر يكتشف بكر هرب زوجته انيتا ومعها ابنهما يوسف. إنها لم تحتمل الحياة في مصر كما لم تنجح في إقناع بكر بالاستقرار النهائي في ألمانيا، حيث دبت بينهما خلافات عميقة تعبر عما في التراثين المختلفين من تناقض وتصادم بما يؤكد استحالة المعاشرة الأبدية بينهما.
يشك بكر في تآمر صهره مع ابنته لتهريبها من مصر، لكنه يصعق لهول المفاجأة حين يتأكد أن أندرسون لا تعنيه مشكلة ابنته على الاطلاق لأنها تخصها هي نفسها، وإنما الذي يخصه ويعنيه بالدرجة الأولى هو إتمام صفقة المصنع فحسب. ويتم الطلاق بين بكر وأنيتا لكن مشكلة الابن تظل معلقة حيث يتأرجح ذلك الكيان الإنساني البرىء بين الانتماء إلى الشرق حيث أبيه أو الى الغرب حيث أمه.
وينجح مشروع المصنع ويستقيل أكرم من الشركة الوطنية ليشارك بكر في إدارة وتشغيل المصنع الجديد كتفا إلى كتف متكفلان بتشغيل شباب المشروع الملغي وزبالي الأهالي وغيرهم وحل مشاكلهم من خلال الجمعية. ويشعر بكر أن حلمه قد تحقق وأنه آن الأوان ليعاود النظر في مسيرة حياته العاطفية، حين يشتد المرض بأبيه الذي يكرر نصيحته له بالزواج من فردوس.
وعلى أثر حادثة بالطريق تفقد عزيزة (الأولى) زوجها وولدها الوحيد في الغربة، ولا تجد من ملاذ لها في مصر سوى بيت خليل – حبيبها الأول - الذي يستقبلها وزوجته بترحاب شديد ويعاملانها بكرم زائد يثير ذهول بكر وتعجبه لما يدركه فى هذا الموقف الإنساني النبيل من فوارق وجدانية شاسعة بين قيم الشرق والغرب.
ويصطدم خليل بالخواجة ممثل الشركة الأجنبية الذي جاء ليحتل مقلبه، فيرفض ترك المقلب إلا على جثته مهددا الخواجه بالقتل قابضا بشدة على عنقه، وفي مشهد إنساني مثير يتضامن فيه الجميع مع خليل ضد الأجنبي، تنتابه أزمة قلبية حادة يموت على أثرها بالمستشفى. ومن غرائب القدر أن تموت عزيزة (الأولى) في اليوم التالي لوفاته وكأنها ترفض الحياة من بعده، وأن يقرر أليكو العودة إلى وطنه اليونان بعد فقده خليل وفقده ابنه ميناس من قبل. وأن يعبر المعلم خيشه والد أورمه عن امتنانه لأهل الحي الذين احتضنوا ابنه بتمويل شركة تسويق السماد التي ستنعش آمال الشباب بالمنطقة وتسهم في القضاء على البطالة.
أما فتحي الذي يزداد ثراؤه فإنه يقبل على فطرته الإيمانية التي لم تهتز رغم حرمانه من الذرية وعشقه للأطفال، فيضاعف من فعل الخير ويصفح عن عفيفي حين يظهر ويحتضنه بحب بعد أن يجبره على العلاج من إدمانه بمستشفى خاص بالتآمر مع مدير المستشفى، ويطالبه بخلع ثيابه الملوثة وغسيل نفسه أيضا من التلوث الذي لحق بها. كان عفيفي يهرب بعض الملوثات الطبية على عربة نقل إلى خرائب بعيدة هربا من القانون حيث تصادمت العربة وتحطمت وأصيب بعجز لبتر قدمه وأصبح مطالبا بتسديد مبالغ طائلة استولى عليها بغير وجه حق من نعيمة - إحدى زوجاته المجهولات -. وقد تولى فتحي عنه تسديد كل هذه الأموال تنفيذا لوصية أبيه الراحل بتأصيل التسامح بين أبنائه.
***
يقف بكر مع نفسه وقفة تأمل يراجع فيها الأحداث والمواقف التي انتهت بتعليق قضية شباب المشروع دون حسمها، فهو حزين على فقد ولده، تتنازعه قيم متصارعة بين مجتمعين متناقضين، حائر بين العودة إلى أنيتا أو فردوس. إنه يتذكر تسامح فتحى ويتأمل فكرة إيواء أمه لعزيزة دون أدنى تذمر، وتذهله واقعة وفاة الحبيبة فور وفاة المحبوب.
يتذكر أيضا اندفاعه التلقائي لإنقاذ أنيتا من الحريق دون أن يفكر في نفسه. إنه يقدس في شقيقه البسيط فتحي حبه للعمل والتطور وإيمانه بقضاء الله في يقين فطري لا يتزعزع، ويقارن تلك الظواهر بنقائضها عند أهل الغرب ممثلا بالدرجة الأولى في "أندرسون" الذي يرجع تخلف الشرق إلى خلطه المطلق بالنسبي والعقل بالعاطفة، سواء عن عمد أو عن جهل، وها هي العصابات الكبرى تختطف الأغنياء ببساطة وتطالب بفدية فادحة رغم تشدقهم بالحرية والأمان. إنه مذهول للانفصال العاطفي بين اندرسون وابنته أنيتا كما رأى بعينيه وسمع بأذنيه، وكذلك لجرأة زوجته على الهرب بهذه الكيفية دون تردد، كما أنه لمس بوضوح - من خلال تجربته مع فاروق صاحب شقة ألمانيا - كيف يتحول بعض الناس تحت تأثير مادية الغرب إلى كائنات وحشية بشعة، لا أثر للروح في تكوينها الإنسانى الملوث بمشاعر الحقد والغيرة والكراهية لسبب أو دون سبب. بمعنى آخر فإن بكر يجد نفسه واقفا بين نقيضين: مجتمع تسلطت عليه أسباب التخلف لأنه لم يستطع الأخذ بأسباب العمل الجاد استنادا إلى دعامته الروحية المذهلة، ومجتمع أنهكه التقدم فكاد يفقد روحانيته وانحاز إلى العنف والظلم والطغيان مدعوما بتفوقه التكنولوجي الرهيب.
ويتقدم إلى فردوس فلا تعطيه إفادة حاسمة – وهي التي مازالت تحبه - متعللة باحتمال هجرتها النهائية من مجتمع ذكوري ظالم سلبها حقها في اختيار مصيرها، رغم أن بكر وافق على تعيينها كمحاسبة بشركة السماد كما وافق على أن يعمل شعبان بنفس الشركة بعد خروجه من السجن وطرده من شركته معلنا تسامحه مع الجميع. وتتوازى قصة أكرم العاطفية مع قصته ولكن الحب ينتصر هنا على كل العوائق بعد أن وقف أكرم موقفا إنسانيا رائعا مع أسرة بستان في أزمة صحية شديدة مرت بأبيها. ويمضى بكر - بما يمثله من قيم وأفكار وأسلوب حياة - مع رفيق رحلته أكرم بما يمثله هو الآخر، قدما في سبيل تحقيق الحلم الكبير بمجتمع نظيف يخلو من التلوث بأشكاله كافة.
***
سبق لسعيد سالم أن أصدر الروايات التالية:
"جلامبو" جماعة أدباء الإسكندرية 1976 – "بوابة مورو" جماعة أدباء الإسكندرية – "عمالقة أكتوبر" هيئة الكتاب، مصر 1979—"آلهة من طين" (طبعة أولى) هيئة الكتاب، مصر 1985 / (طبعة ثانية) دار الجليل، دمشق 1986 – "عاليها أسفلها" (طبعة أولى) مطبوعات وزارة الثقافة، دمشق/سوريا 1985 – "الشرخ" دار طلاس، دمشق/سوريا 1988" – "الأزمنة" روايات الهلال 1992 – "عاليها واطيها" (طبعة ثانية) دار المستقبل مصر 1992 – "الفلوس" دار المستقبل، مصر 1993 – "عاليها أسفلها" (طبعة ثالثة) هيئة الكتاب، مصر 1995 – "الكيلو 101 الوجه والقناع" طبعة خاصة 1997 وطبعة عن هيئة الكتاب 1999.- "حالة مستعصية" دار الهلال 2002 – "كف مريم" مطبوعات اتحاد الكتاب 2001.- "الشىء الآخر". دار ومطابع المستقبل 2004- المقلب- مطبوعات المجلس الأعلى للثقافة - الحب والزمن. (نشرت على حلقات بجريدة الدستور عام2007).