كيف تُدَجِّن شعباً؟

الذكاء، كسائر الأشياء، متناقَض لجهة استعماله، فهو يمكن أن يُسْتَعْمَل بما يُظْهِر وجهه الإيجابي والخيِّر؛ كما يمكن أن يُسْتَعْمَل بما يُظْهِر وجهه السلبي والشرِّير؛ على أنْ نفهم الوجهين فَهْماً نسبياً، فالإيجابي والخيِّر من وجهة نظركَ هما السلبي والشرِّير من وجهة نظر مَنْ بينكَ وبينه نزاع مصالح.

أردتُ قول وتوضيح ذلك؛ لعلَّني أكون مُقْنِعاً لكل مشكِّكٍ متشكِّكٍ بذكاء الدول والحكومات والحُكَّام في عالمنا العربي إذا ما دَعَوْتُ عِلْم السياسة ليَسْتَحْدِث فِرْعاً جديداً له، يُضمِّنه خبرة أنظمة الحكم العربية في الحكم، وفي الاستمرار في الحكم، زمناً طويلاً، ضدَّ أرادة شعوبها ومجتمعاتها، بحسب فرضية لم تَثْبُت صحَّتها بعد، فإنَّه لذكاءٌ وقَّاد أن تتمكَّن فئة ضئيلة من المواطنين (غير العاديين، أو الذين أصبحوا كذلك) من تدجين وترويض شعوب ومجتمعات وأمم، فمتى نرى في المكتبة السياسية كتاباً ألَّفه حاكم عربي، ويَحْمِل عنوان "تجربة شخصية..كيف تُدجِّن شعباً"؟

كنتُ في زيارة لصديق ميسور الحال (اي من بقايا الطبقة الوسطى في مجتمعنا) مثقَّف ببقايا من ثقافته اليسارية، فإذا بخادمة المنزل، وهي سريلانكية، ترتكب خطأً صغيراً في أمرٍ منزلي. صديقي استشاط غضباً قائلاً لي: لقد صدق من قال لا تشترِ العبد إلاَّ والعصا معه.

قوله هذا ذكَّرني بليبرالي أوروبي كبير، سُئِل في مقابلة صحافية "من هو الزنجي؟"، فأجاب على البديهة قائلاً "إنَّه عَبْد"!

وها هو صديقي، وهو ابن مجتمعٍ ما عادت عائلاته تستطيع تدبير أمور حياتها اليومية من دون "الرِّق المنزلي"، يقول الشيء نفسه.."السريلانكية هي عَبْد"، ينبغي لنا ألاَّ نشتريه إلاَّ والعصا معه!

وهذا القول (لا تشترِ العبد إلاَّ والعصا معه) استوقفني هو أيضاً، فتساءلتُ في نفسي "لماذا..لماذا ينبغي لنا، أي لهم، ألاَّ نشتري العبد إلاَّ والعصا معه؟".

ولقد أدهشني الجواب الذي أجبته في نفسي أيضاً، فالعبد، وبحُكم كونه عبداً، وبُحكم كون العبد إنساناً لا يمكن أبداً أن يكون راضياً عن حاله، وإنْ أظهر خلاف ذلك عن اضطِّرار، لا يُمْكِنكَ (ولا يُمكِّنكَ هو من) أن تسوسه وتقوده وتحكمه وتحتفظ بالسيطرة عليه..إلاَّ بالعصا، فهو بها (ولكن ليس بها وحدها) أصبح عبداً، وبها، بالتالي، يستمر عبداً.

هذا هو سرُّ العصا (الظاهرة والخفية) التي بها يسوسون أمورنا بغير عقل، فينفُذ أمرهم، ويُقال ساسة!

والحكومات، أي حكوماتنا، يكفي أن تستعبد شعوبها، وأنْ تجعلنا جميعاً سريلانكيين بالمعنى السياسي، حتى تتوصَّل إلى "الحكمة" نفسها..حكمة "لا تشترِ العبد إلاَّ والعصا معه"!

إنَّ "التدجين"، الذي أتمُّوا صنعه، هو المفتاح الذي به نَفْتَح كثيراً من الظواهر المُسْتَغْلَقَة، أي التي عَسُر فهمها وتعذَّر.

من قبل، كتبتُ عن ظاهرة "90 في المئة"، فقلت إنَّ هذه "النسبة" لا يمكن فهمها وتفسيرها، عربياً، إلاَّ على أنَّها نسبة ما يكمن في انتخابات الرئاسة من إرهاب وقمع وخوف وتخويف..

وإنِّي لأرى نسبة "90 في المئة" كامنةً أيضاً في ظاهرة التضخُّم البيروقراطي لأجهزة الدولة، والذي هو، في الوقت نفسه، مظهر بطالة مُقنَّعة.

إنَّ هذا الجيش الجرَّار من موظَّفي الدولة هو، مع عائلات أفراده، "الجيش الانتخابي" للرئيس، يَزجُّ به في كل معترك انتخابي (رئاسي).

وهذا الجيش الانتخابي النظامي (الجرَّار) لا يخوض المعترك الانتخابي وحده، فهناك الجيش غير النظامي، يخوض المعترك معه، وهو كناية عن فئة واسعة من المواطنين (الناخبين) الذين يشعرون أنَّ ذهابهم إلى صناديق الاقتراع كدرهم وقاية، خير من قنطار علاج.

التصويت بحدِّ ذاته ليس بالأمر الذي يستأثر باهتمام أرباب الحملة الانتخابية للرئيس، ذلك لأنَّ عدم فوز الرئيس في التصويت، أو في الاقتراع، لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، عدم فوزه في "الفرز" أيضاً، فالرئيس الأبدي عندنا قد يفشل في التصويت؛ ولكنه سينجح لا محالة في فرز الأصوات!

الأمر الذي يستأثر باهتمامهم فحسب، أو في المقام الأوَّل، إنَّما هو "المشارَكة"، حجماً ونسبةً، فهم يريدون وقائع من المشاركة في الانتخابات تسمح لهم بصُنْع الجُمْلَة الإعلامية الشهيرة نفسها، وهي "لقد شَهِد هذا اليوم (الانتخابي) إقبالاً شعبياً واسعاً وكثيفاً على صناديق الاقتراع".

إنَّهم ملايين من المواطنين (الناخبين) يخرجون من بيوتهم إلى مراكز الاقتراع للإدلاء بأصواتهم..وليس من "عصا ظاهرة" تسوقهم إلى التصويت سوقاً.

غالبيتهم لم يَخرجوا من بيوتهم، وإنَّما أُخرجوا منها؛ ولكنَّهم لم يُخرجوا بما يشبه "العصا الظاهرة".لقد أُخرجوا بـ "عصا خفية" هي كناية عن خوفٍ، فِعْلُه مُتَعَدٍّ بـ "من" أو بـ "على"، فهذا الناخب، المتأكِّد تماماً أنَّ لمركز الاقتراع عيوناً (في خارجه على الأقل) ترى "المشارِك" من "غير المشارِك"، "يخاف من" ضرر ما يمكن أن يصيبه إذا ما ظلَّ ملازماً منزله يوم الانتخاب، أو "يخاف على" شيء يمكن أن يخسره إذا لم يذهب إلى الاقتراع.

وثمَّة مقترعون (عرفوا من التدجين أفضله) لا يمكنكَ إقناعهم بأنْ ليس من عيون في داخل غرفة الاقتراع نفسها للمتربِّصين بهم شرَّاً، فيُصوِّتون، بلا تردد أو وجل، بـ "نعم"!

من وجهة نظر أرباب الحملة الانتخابية للرئيس، ليس مهمَّاً أن تصوِّت بـ "لا"، وإنْ كانوا يفضِّلون، ويتمنُّون عليك، أن تصوِّت بـ "نعم"، فـ "نتائج التصويت"، ومهما كانت، لا يمكنها أن تذهب بـ "توقُّعهم"، المحروس بـ "رجال فَرْز" ثقة، وبـ "مراقبين" لا ريب في "نزاهتهم" و"استقامتهم".إنَّ المهم، بل الأهم، من وجهة نظرهم، هو أن يُقْبِل الناخبون على صناديق الاقتراع أفواجاً.

أمَّا إذا أردتم دليلاً على أنَّ نسبة "90 في المئة" صادقة لا ريب فيها، فإنَّ خير دليل على ذلك هو أنَّ أحداً من أفراد تلك الفئة الضئيلة الضالة، المصوِّتين بـ "لا"، لم يجرؤ على الخروج من مركز الاقتراع ليُخْبِر وسائل الإعلام أنَّه صوَّت بـ "لا"!

ومع ذلك، ينبغي لنا أن نقر ونعترف بأنَّ خروج، أو إخراج، الملايين من المواطنين إلى مراكز الاقتراع، أو في مسيرات التأييد والحب والعرفان بالجميل..، هو مظهر من مظاهر القوَّة التي يتمتَّع بها الرئيس ونظام حكمه، فالرئيس يكفي أن يرى هذا المشهد..مشهد تكدُّس واحتشاد الشعب (أي ملايين المواطنين) في الساحات والميادين والشوارع..وفي مراكز الاقتراع، حتى يثق بأنَّه، وعبر أجهزة حكمه، مُمْسِكٌ بالحكم بقبضة من حديد، وبأنَّ الدركي المقيم في داخل كل مواطن، يزجره ويردعه، ما زال مقيماً، قائماً بما لا يستطع القيام به الدركي الخارجي.

و"التدجين" إذا اكتمل، بعد جهد جهيد، وزمن طويل، يصبح طريقاً آمنة إلى بعضٍ من شكليات الحياة الديمقراطية، فلا بأس من شيء من الديمقراطية، يُمْنَح لشعبٍ لم يبقَ فيه من الديمقراطيين إلاَّ ما قلَّ ونَدَر.

وليس أدل على ذلك من أنَّ المواطنين لا يُقْبِلون على الديمقراطية الممنوحة لهم كمثل إقبالهم على صناديق الاقتراع، فهم ما زالوا على إيمانهم بأنَّ "الدولة الديمقراطية" هي لبوس تلبسه "الدولة الأمنية"؛ وما زالوا غير مقتنعين بجدوى ما حصلوا عليه من ديمقراطية؛ لأنَّ خوضهم لتجربتها علَّمتهم أنَّ أهم الأشياء في حياتهم لا شأن لها بصناديق الاقتراع؛ وما زالوا مشدودين إلى طريقة في العيش والتفكير لا تنزل الديمقراطية عليها برداً وسلاماً، وكأنَّ للاستبداد جذوراً يَضْربها عميقاً في مجتمعاتنا وشعوبنا نفسها، فـ "المستبد العادل" ما زال الحاكم الذي إليه نحنُّ ونطمح!

يقولون، ونقول معهم، ليس لـ "الآخر" من وجود في ثقافة (وسياسة) الحاكم العربي؛ ولكن هل له من وجود في ثقافة المحكوم العربي؟

إنَّه حديث الإفك بعينه، وإلاَّ ما معنى أن تكون القضايا التي لا تمت بصلة إلى الحقوق والحرِّيات الديمقراطية هي مدار النزاع بين الحاكم والمحكوم في عالمنا العربي، الذي لن يكتشف أهمية وضرورة الديمقراطية له قبل أن نرى الحاكم عاجزاً عن أن يحكم في الطريقة نفسها، والمحكوم عاجزاً عن الاستمرار في العيش في الطريقة نفسها. جواد البشيتي